أما الشائع من فعل القسم الثاني من المتعاملين بالربا فهو أن يأتي الرجل لشخص فيقول: إني أريد من الدراهم كذا وكذا فهل لك أن تدينني العشر أحد عشر أو ثلاثة عشر أو أقل أو أكثر حسب ما يتفقان عليه ، ثم يذهب الطرفان إلى صاحب دكان عنده بضائع مرصوصة قد يكون لها عدة سنوات إما خام أو سكر أو رز أو هيل أو غيره مما يتفق عند صاحب الدكان ، أظن أن لو وجدوا أكياس سماد يقضيان بها غرضهما لحصل الاتفاق عليها فيشتريها الدائن من صاحب الدكان شراءً صوريًا غير حقيقي ، نقول إنه صوري لا حقيقي لأنه لم يقصد السلعة بعينها بل لو وجد أي سلعة يقض بها غرضه لاشتراها ولأنه لا يقلب السلعة ولا يمحصها ولا يماكس (يكاسر) في الثمن وربما كانت السلعة معيبة من طول الزمن أو تسلط الحشرات عليها ، ثم بعد هذا الشراء الصوري يتصدى لقبضها ذلك القبض الصوري أيضًا ، فيعدها وهو بعيد عنها ، وربما أدرج يده عليها تحقيقًا للقبض كما يزعمون ، والقبض في مدلوله اللغوي أن يكون الشتيء في قبضتك ، وبعد هذا القبض الصوري يبيعها على المستدين بالربح الذي اتفقا عليه من قبل ، ولا ندري هل يتصدى هو أيضًا لقبضها القبض الصوري كما قبضها الدائن أو يبيعها على صاحب الدكان بدون ذلك ، فإذا اشتراها صاحب الدكان سلم للمدين الدراهم وخرج بها . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه (إبطال التحليل ص 109) : بلغني أن من الباعة من أعد بزًا لتحليل الربا فإذا جاء الرجل إلى من يريد أن يأخذ منه ألفا بألف ومائتين ذهبًا إلى ذلك المحلل فاشترى المعطى منه ذلك البز ثم يعيده الآخذ إلى صاحبه ، وقد عرف الرجل بذلك بحيث إن البز الذي يحلل به الربا لا يكاد يبيعه البيع البتات ا هـ .
وقال في الفتاوى 29/ 430 ، جمع ابن قاسم: إذا اشترى له بضاعة وباعها له فاشتراها منه أو باعها للثالث صاحبها الذي اشتراها المقرض منه فهذا ربا . وفي ص 436 - 437 من المجلد المذكور: فهذان المتعاملان إن كان قصدهما أخذ دراهم بدراهم إلى أجل فبأي طريق توصل إلى ذلك كان حرامًا وفى ص438 منه: فهذه المعاملة وأمثالها من المعاملات التي يقصد بها بيع الدراهم بأكثر منها إلى أجل هي معاملة فاسدة ربوية ، قال: وعلى ولى الأمر المنع من هذه المعاملات الربوية وعقوبة من يفعلها ، وفي ص 441 منه: وكذلك إذا اتفقا على المعاملة الربوية ، ثم أتيا إلى صاحب حانوت يطلبان منه متاعًا بقدر المال فاشتراه المعطى ثم باعه على الآخذ إلى أجل ، ثم أعاده إلى صاحب الحانوت بأقل من ذلك فيكون صاحب الحانوت واسطة بينهما بجُعل؟ فهذا أيضًا من الربا الذي لاريب فيه . وفي ص 447 منه: وأصل هذا الباب أن الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى ، فإن كان قد نوى ما أحله الله فلا بأس ، وإن نوى ما حرم الله وتوصل إليه بحيلة فإن له ما نوى . وقال في أبطال التحليل ص 108: فيا سبحان الله العظيم ، أيعود الربا الذي قد عظم الله شأنه في القرآن ، وأوجب محاربة مستحله ، ولعن أهل الكتاب بأخذه ، ولعن آكله وموكله وكاتبه وشاهديه ، وجاء فيه من الوعيد ما لم يجئ في غيره إلى أن يستحل جميعه بأدنى سعي من غير كلفة أصلًا إلا بصورة عقد هي عبث ولعب يضحك منها ويستهزأ بها أم يستحسن مؤمن أن ينسب نبيًا من الأنبياء فضلًا عن سيد المرسلين بل أن ينسب رب العالمين إلى أن يحرم هذه المحارم العظيمة ثم يبيحها بضرب من العبث والهزل الذي لم يقصد ولم يكن له حقيقة وليس فيه مقصود المتعاقدين قط ؟!.
وقال ابن القيم وهو أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الذي لم نر مثله في بابه: (إعلام الموقعين 3/148) تحقيق عبد الرحمن الوكيل: وهكذا الحيل الربوية ، فإن الربا لم يكن حرامًا لصورته ولفظه ، وإنما كان حرامًا لحقيقته التي امتاز بها عن حقيقة البيع ، فتلك الحقيقة حيث وجدت وجد التحريم في أي صورة ركبت ، وبأي لفظ عبر عنها ، فليس الشأن في الأسماء وصور العقود ، وإنما الشأن في حقائقها ومقاصدها وما عقدت له.ا هـ .
وهذه المعاملة الشائعة بين الناس في التحايل على الربا تتضمن محاذير منها: أنها خداع ومكر وتحيل على محارم الله تعالى . والحيلة لا تحلل الحرام ، ولا تسقط الواجب ، بل تزيد القبيح قبحًا إلى قبحه ، حيث تحصل بها مفسدته مع مفسدة الخداع والمكر ، ولهذا قال بعض السلف في المتحايلين: يخادعون الله كما يخادعون الصبيان ، لو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون . ومنها: أنها توجب التمادي في الباطل ، فإن المتحيّل يرى أن عمله صحيح فيتمادى فيه ، ولا يشعر نفسه بأنه مذنب ، فلا يؤنبها على ذلك ، ولا يحاول الإقلاع عنه ، أما من أتى الباطل على وجه صريح فإنه يشعر أنه وقع في هلكة فيخجل ويستحي من ربه ويحاول أن ينزع من ذنبه ويتوب إلى الله تعالى.
ومنها: أن السلعة تباع في محلها بدون قبض صحيح ولا نقل ، وهذا معصية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تباع السلع حيث تبتاع - أي في المكان الذي اشتريت فيه - حتى يحوزها التجار إلى رحالهم . رواه أبو داود ، ويشهد له حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما قال: كان الناس يتبايعون الطعام جزافًا بأعلى السوق ، فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيعوه حتى ينقلوه . رواه البخاري.. وقد يتعلل بعض الناس فيقول: إن عد هذه الأكياس قبض لها فنقول: القبض مدلول لفظي وهو أن يكون الشيء في قبضتك وهذا لا يتحقق بمجرد العدّ ، ثم لو قدرنا أن العد قبض ، فهل حصل النقل والحيازة ؛ والنبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم .
وقد يتعلل بعض الناس بأن هذه المعاملة من التورق ، فنقول: ليست هذه من التورق الذي اختلف في جوازه فإن التورق أن يشتري المحاج سلعة بثمن مؤجل زائد عن ثمنها الحاضر من أجل أن يبيعها وينتفع بثمنها ، فهو يشتري سلعة بعينها مقصودة مملوكة للبائع ، أما المعاملة الشائعة هذه فليست كذلك فان البائع والمشتري يتفقان على الربح ، وهى ليست في ملكه ، ثم إن السلعة ليست معلومة لهما ولا معلومة الثمن ولا مقصودة ، ولذلك يأخذان أي سلعة تتفق عند صاحب الدكان بأي ثمن كان ، حتى إن بعضهم إذا لم يجد سلعة عند صاحب الدكان تكفي قيمتها للدراهم التي يحتاجها المتدين رفع قيمتها حتى تبلغ الدراهم المطلوبة ، وربما اشتراها الدائن فباعها على المتدين ثم باعها المتدين على صاحب الدكان ثم عاد صاحب الدكان فباعها على الدائن مرة ثانية ثم باعها الدائن على المتدين ، وهكذا يكررون العقد مرات حتى تبلغ الدراهم المطلوبة فأين هذه المعاملة من التورق الذي هو موضع خلاف بين العلماء (2) ، وقد نص الإمام أحمد رحمه الله تعالى في رواية أبي داود على أنها -أي مسألة التورق- من العينة ذكره ابن القيم في تهذيب السنن 5/108 ، وذكر في الإنصاف عن الإمام أحمد فيها ثلاث روايات: الإباحة والكراهة والتحريم ، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية تحريم التورق وكان يراجع فيها كثيرًا فيأبى إلا تحريمها. وقد شاع في هذه المعاملة المتحيل بها على الربا . أن الناس يقولون فيها: (العشر أحد عشر) ، وهذا مكروه في البيع الذي ليس حيلة على الربا . وعن الإمام أحمد -رحمه الله- أنه الربا ، وقال أيضًا: كأنه دراهم بدراهم لا يصح .