وفى صحيح البخاري من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى في منامه نهرًا من دم ، فيه رجل قائم ، وعلي شط النهر رجل بين يديه حجارة ، فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج ، رماه الرجل الذي على شط النهر بحجر في فمه فرده حيث كان فجعل كلما جاء ليخرج رماه الذي على شط النهر بحجر فيرجع كما كان ، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذا الرجل الذي في نهر الدم فقيل آكل الربا .
ولقد بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمته أين يكون الربا ، وكيف يكون ، بيانًا شافيًا واضحًا ، فقال - صلى الله عليه وسلم -: الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر - بالتمر ، الملح بالملح . مثلًا بمثل ، يدًا بيد ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى ، الآخذ والمعطى فيه سواء . رواه مسلم . وفي لفظ: فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد .
فهذه الأصناف الستة هي محل الربا بالنص (1) : الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - كيفية الربا فيها فأوضح أن التبايع فيها يكون على وجهين:
الوجه الأول:
أن يباع منها بجنسه مثل أن يباع ذهب بذهب ، فيشترط فيه شرطان اثنان:
أحدهما: أن يتساويا في الوزن .
والثاني: أن يكون يدًا بيد بحيث يتقابض الطرفان قبل أن يتفرقا . فلو باع ذهبًا بذهب يزيد عليه في الوزن ولو زيادة يسيرة فهو ربا حرام ، والبيع باطل ولو باع ذهبًا بذهب يساويه في الوزن وتفرقا قبل القبض فهر ربا حرام ، والبيع باطل ، سواء تأخر القبض من الطرفين أو من طرف واحد .
الوجه الثاني:
أن يباع واحد من هذه الأصناف بغير جنسه ، مثل أن يباع ذهب بفضة فيشترط فيه شرط واحد ، وهو أن يكون يدًا بيد بحيث يتقايض الطرفان قبل أن يتفرقا ، فلو باع ذهبًا بفضة وتفرقا قبل القبض فهو ربا حرام ، والبيع باطل ، سواء تأخر القبض من الطرفين أو من طرف واحد .
ولقد كان الذهب والفضة منذ أزمنة بعيدة محل التعامل بين الناس قيمًا للأعيان والمنافع ، فأصبح التعامل بالأوراق النقدية بدلًا عنها والبدل له حكم المبدل ، فإذا بيعت ورقة من النقود بورقة أخرى فلابد من التقايض قبل التفرق ، سواء كانت من جنسها أم من غير جنسها ، وسواء كانت هذه الأوراق بدلًا عن ذهب أم بدلا عن فضة فلو صرفت ورقة نقدية سعودية من ذوات المائة بورقتين من ذوات الخمسين فلابد من التقابض من الطرفين قبل التفرق . ولو صرف دولارًا بأوراق نقد سعودية فلابد في التقابض من الطرفين قبل التفرق أيضًا. ولو اشترى حلي ذهب أو فضة بأوراق نقدية فلابد من التقابض من الطرفين قبل التفرق لأنه كبيع الذهب بالفضة الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -: فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد .
ولقد انقسم الناس في المعاملات الربوية إلى ثلاثة أقسام:
قسم: هداهم الله تعالى ونور بصائرهم ووقاهم شح أنفسهم وعرفوا حقيقة المال ، بل حقيقة الدنيا أنها عارية مسلوبة ، وفيء زائل ، وأن كمال العقل والدين أن يجعل الرجل المال وسيلة لا غاية ، وأن يجعله خادمًا لا مخدومًا فتمشوا في اكتساب أموالهم وصرفها على ما شرعه لهم خالقهم الذي هو أعلم
بما يصلحهم وأرحم بهم من أنفسهم ، فأخذوا بما أحل الله واجتنبوا ما حرم الله ، وهؤلاء هم الناجون المفلحون . قال الله تعالى: (( ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ) ) [الحشر:9] .
القسم الثاني: من تعاملوا بالربا على وجه صريح ، إما جهلًا منهم أو تجاهلًا أو عنادًا ومكابرة ، وهؤلاء مستحقون لما تقتضيه حالهم من الوعيد على أكل الربا ، على ما جاء في نصوص الكتاب والسنة .
القسم الثالث: من تعاملوا بالربا من وجه الحيلة والمكر والخداع ، وهؤلاء شر من القسم الثاني ، لأنهم وقعوا في مفسدتين: الربا ، ومفسدة الخداع ، ولهذا قال بعض السلف في أهل الحيل: يخادعون الله كما يخادعون الصبيان ، لو أنهم أتوا الأمر على وجهه لكان أهون .
ونحن نذكر من فعل هذين القسمين ما كان شائعا بين الناس . فالشائع من فعل القسم الأول ربا البنوك وهو على وجهين:
أحدهما: أن يأخذ البنك دراهم من شخص بربح نسبة مئوية يدفعها البنك كل شهر أو كل سنة ، أو عند انتهاء مدة الأجل إن كان مؤجلًا .
الثاني: أن يعطي البنك دراهم لشخص بربح نسبة مئوية يأخذها البنك كل شهر أو كل سنة أو عند انتهاء مدة الأجل ، إن كان مؤجلًا .
فأما إذا أخذ البنك الدراهم من شخص بدون ربح فله وجهان:
أحدهما: أن يأخذ هذه الدراهم على وجه الوديعة بأن يحفظ الدراهم بأعيانها لصاحبها ، ولا يدخلها في صندوق البنك ، ولا يتصرف فيها ، بل يبقيها في مكان إيداعها حتى يأتي صاحبها فيأخذها ، فهذا جائز ، وهذا الوجه ليس للبنك فيه فائدة اللهم إلا أن يكون بين القائمين عليه وبين صاحب صحبة . فيحسنوا إليه بحفظ دراهمه في حرز البنك . ولذلك لو طلب البنك أجرة على حفظها لكل شهر أجرة معلومة لكان ذلك جائزًا .
الوجه الثاني: أن يأخذ البنك هذه الدراهم على وجه القرض ، بحيث يدخلها في صندوق البنك ، ويتصرف فيها كما يتصرف في ماله ، فهذه قرض وليست بإيداع وإن سماها الناس إيداعًا ، فالعبرة بالحقائق لا بالألفاظ ، وإذا كانت قرضًا للبنك فهي إرفاق به ومساعدة وتنمية لربحه ، فإذا كان البنك لا يتعامل إلا بالربا فلا ريب أن إعطاءه الدراهم على هذا الوجه حرام لأنه عونٌ ظاهر على الربا ، وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن كاتب الربا وشاهديه فكيف بمن يضم ماله إلى مال المرابي فيزداد ربحه ومراباته .
أما إذا كان البنك له موارد أخرى غير ربوية مثل أن يكون له مساهمات في شركات طيبة المكسب ، وله مبايعات وتصرفات أخرى حلال فإن إعطاءه الدراهم على هذا الوجه ليس بحرام ، لأنه لا يتحقق صرفها في الوجه الربوي من تصرفات البنك ، لكن البعد عن ذلك أولى لأنه موضع شبهة ، إلا أن يحتاج الإنسان إلى ذلك ، فإن الحاجة تبيح المشتبه لقوة المقتضى وضعف المانع . هذا هو الشائع من فعل القسم الأول من المتعاملين بالربا .