إن فهم النظرية النقدية يستدعي تحديد ماهية النقود، وتكوينها، وأشكالها، وطبيعة العلاقات المرتبطة بتأديتها لوظائفها، وإبراز وجهة النظر الشرعية من خلال فهم ودراسة النصوص من القرآن والسنة، مع تحديد النظرة الشرعية لمفهوم النقد (بوصفه معيارًا لتفسير التغيرات في أثمان السلع والخدمات) والأدوات المعاصرة المستخدمة في تحقيق وظيفة النقد الخاصة بتيسير التبادل السلعي والخدمي، ومواطن الحرمة عند استخدام هذه المستجدات من الأدوات.
وفي هذه المقالة سوف أحاول دراسة الجوانب الشرعية لهذه الأدوات ومواطن الربا جميعًا، مع محاولة إلقاء الضوء بشكل مختصر على ماهية النقود من وجهة النظر الإسلامية.
ماهية النقود:
تحاول الدراسات التاريخية للنظام النقدي الإجابة على السؤال التالي:
ماذا يُعنى بالنقود؟ وتأتي الإجابة على أنها: سلعة متميزة تمتاز من بين باقي السلع للقضاء على المقايضة، ولها وظائف تقليدية وأشكال معينة، وترتبط بهيئات اقتصادية محددة. (1)
لقد ترتب على النظرة المتعلقة بأن النقد ما هو إلا سلعة مختارة من بين السلع: حصر نطاق التحليل النقدي في الجانب العيني؛ فالظواهر الأساسية في الحياة الاقتصادية يمكن دراستها من خلال الجانب العيني (سلع وخدمات) ، أما النقود فهي مجرد غطاء خارجي للأشياء، يجب معرفة ما وراءه، فقيمة المنتجات لا تجد مقياسها في الأسعار النقدية، وإنما في علاقات المبادلة بين السلع في الأسعار النسبية بينها، وإن ما يتخذ مظهرًا نقديًّا ما هو في الحقيقة إلا عملية توفيق بين عناصر الإنتاج من: رأس مال، وعمل، ومعرفة فنية، وموارد طبيعية، وأجر نقدي.
أما الادخار: فهو يمثل الجزء الحقيقي من السلع التي لم تستهلك خلال فترة معينة، أما أهمية الاستثمار: فلا تعود إلى رأس المال النقدي، وإنما في تحوله إلى رأس مال طبيعي، أي: إلى أجهزة وآلات ومبانٍ، فالقاعدة العامة إذن هي: أن حقيقة الظواهر الاقتصادية ما هي إلا ظواهر عينية، وما النقود إلا أداة فنية ليس لها من وظيفة سوى تسهيل عمليات المبادلة والتراكم الرأسمالي في اقتصاد مبادلة الإنتاج.
إن هذا الاتجاه التحليلي لماهية النقود، لم يكن حدثًا عارضًا بقدر ما كان نتاج مجموعة من الظروف التاريخية والفكرية المصاحبة للتغيرات التي حدثت في الاقتصاديات الأوروبية خلال فترة تراجع الأمة الإسلامية، ودخولها في فترة الاضمحلال والجمود والانفصام ما بين معطيات ومبادئ الشريعة الإسلامية والركود الذي أصاب مختلف أوجه الحياة في الأمة الإسلامية، أما بالنسبة للاقتصاديات الأوروبية، فقد تميزت بتعدد الاضطرابات النقدية والتجارب في تطوير العمل المصرفي، مع تغير وتبدل الظروف التاريخية، التي أدت إلى تفسير الكثير من العلاقات النقدية غير المتوازنة والمرتبطة بالإنتاج والأسعار، وفي مواجهة هذا الاتجاه (الاتجاه العيني) برز اتجاه فكري مضاد له قائم على رفض تجريد الاقتصاد العيني من كل خصيصة نقدية؛ حيث يرى أن للنقود دورًا وأهمية في تفسير الظواهر العينية، مما أعطى للتحليل النقدي دورًا على حساب التحليل العيني.
يرتبط دور النقود في أداء مهامها بوصفها ظاهرة اجتماعية ذات أبعاد متعددة من حيث إنها تمثل وسائل الدفع التي يحتاج إليها الاقتصاد بتطور العلاقات الاقتصادية (إنتاجًا وتوزيعًا) من مرحلة الإنتاج الذاتي القائم على إشباع الحاجات الذاتية إلى مرحلة الإنتاج المتخصص المقترن بالحاجة إلى المبادلة، التي بدأت بالمقايضة وما صاحبها من معوقات بسبب تعدد الأطراف وتعدد السلع، مما أدى إلى اختيار سلعة معينة كقاعدة للمقارنة، وبها تقاس قيم السلع الأخرى، وما استتبع ذلك من قبول هذه السلعة، باعتبار أن لها قيمة ذاتية تقبل من الجميع في عمليات التبادل، مع إمكانية تخزينها وانتقالها من حيث الزمان والمكان.
لقد واجه الإنسان مشكلة اختيار السلعة القابلة لأن تكون وسيطًا للمبادلة، ومقبولة من الجميع، وتكون مقياسًا للسلع الأخرى.
خصائص النقود:
لقد توصل الإنسان من خلال تجاربه إلى ضرورة أن تتصف النقود بخصائص معينة، حتى تقوم بوظائفها، وهذه الخصائص يمكن إجمالها في الأمور التالية (2) :
1-أن تكون الوحدات التي تتكون منها السلعة كنقد مقبولة من الجميع، وهذا القبول يعطيها خاصية الإلزام، وبعد تولي الدولة فرض القبول لوحدات النقد ساعد ذلك الأمر على أن تصبح النقود الورقية التي يصدرها البنك المركزي ملزمة للجميع ومبرئة للذمة، وبالتالي: ظهرت النظرية التي تقول: إن النقود ليست لها قيمة في ذاتها، وإنما تستمد هذه القيمة من سلطة الإجبار، فالدولة هي التي توجِد النقود، وهي التي تزيل عنها هذه القدرة.
2-أن تكون لها صفة الدوام والثبات، ففقدان النقد لهذه الصفة يضعفها من القيام وظائفها المتمثلة في أنها مخزن للقيمة، ووسيلة لتسديد الديون، فعدم الثبات يؤدي إلى الاضطراب في المعاملات.
3-توفر عنصر الندرة، فالندرة عنصر أساس لفرض الاحترام والتناسب مع حجم المعاملات والمحافظة على القيمة، لقد كان اختيار الذهب والفضة في الماضي مؤسسًًا على ما يتمتعان به من ندرة نسبية في الوجود الطبيعي، وبعد قيام الدولة بالإلزام بقبول النقود الورقية، فقد استخدم لتحقيق هذه الخاصية فرض القيود على الإصدار النقدي الورقي.
4-إمكانية الانقسام، أي: إمكانية تجزئتها إلى وحدات صغيرة نهائية أو لا نهائية، وهذه القابلية تستلزم القدرة على تجزئة قيمتها، وبالتالي: تجزئة الوحدات النقدية الموازية على أن يتبع هذا الانقسام التكافؤ أو المساواة بين قيمة مجموع الأجزاء المقسمة ووحدة النقد الكلية، ولمواجهة الحاجة إلى انقسام الوحدات النقدية تعمد الدولة في العصر الحديث إلى إصدار ما يسمى بالعملة المساعدة؛ سواء أكان على أساس معدني أو أوراق نقدية مساعدة تقوم بدور وحدات التجزئة لوحدات النقد الورقية، والغرض منها: تسهيل المعاملات ومواجهة اختلاف أحجام السلع.
وظائف النقود:
على ضوء ما سبق من مناقشة لماهية النقود والخصائص التي يجب أن تتوفر في أي سلعة تتخذ نقدًا: يتضح أن النقود ليست غاية في ذاتها، بقدر ما هي أداة لتأدية وظائف معينة يمكن إجمالها في الأمور التالية (3) :
1-قياس قيم السلع والخدمات: فالنقود هي مقياس للقيمة ووحدة للمحاسبة، فعدد الوحدات النقدية اللازمة للحصول على السلعة، التي تستبدل بها السلعة، تعتبر ثمنًا أو قيمة لهذه السلعة، وحيث إن النقود هي وحدة القياس المشتركة لقيم جميع السلع، وبالتالي: يمكن المقارنة بين القيم النسبية لمختلف السلع عن طريق تقدير عدد الوحدات النقدية اللازمة للحصول على كل سلعة.
2-أداة للدفع ووسيط للمبادلة: فالنقود تستخدم كأداة للمدفوعات؛ للحصول على السلع والخدمات من خلال الشراء، والبيع، وتقديم الخدمة، أوالحصول عليها، فعن طريق تقديم كمية من النقود أو فتح حساب في البنك التجاري: يتم دفع المعاملات المالية وإشغال الذمة وإبراؤها، فالنقود أداة لتسديد كافة الالتزامات.
3-النقود مخزن للقيمة: وهذه الوظيفة مرتبطة بخاصية الثبات والدوام، فالنقود بما تمثله من قوة شرائية يمكن أن تكتنز في لحظة معينة، أي: يحتفظ بها لتنفق في لحظة تالية، وهي بذلك تربط قيمة السلع بالزمن، والنقود بفكرة المضاربة، والقيام بتحقيق الادخار وتراكم رؤوس الأموال.