وفي الماضي، حينما كانت المعادن النفيسة (الذهب والفضة) يتم تداولها نقودًا، فيتمثل التخزين في الاحتفاظ بها، أما بعد أن حلت النقود الورقية محلها، فيتمثل التخزين في الإيداع في البنوك، وينتج عن الاحتفاظ بها في البنوك: الحصول على ثمن لهذا الإيداع يتمثل في الفائدة التي تمنح للمودعين.
طبيعة النظام النقدي:
من خلال الاستعراض السابق اتضحت لنا ماهية النقود من حيث خصائصها ووظائفها، الأمر الذي سيساعدنا على معرفة طبيعة النظام النقدي، وبالتالي: تحديد التكييف الفقهي كما نراه للنظام النقدي المعاصر، مع توضيح ومناقشة الأبعاد الشرعية للأدوات المستجدة للدفع في النظام النقدي المعاصر، مع محاولة تحديد مواطن الربا التي يمكن أن تنشأ من خلال استخدام هذه الأدوات.
النظام النقدي لأي مجتمع من المجتمعات ما هو إلا مجموعة من العلاقات والتنظيمات التي تحكم الوضع النقدي ضمن فترة زمنية معينة ونطاق مكاني محدد، وبالتالي: فلا بد من توفر ثلاث خصائص للنظام النقدي (4) ، وهي:
1)قيام النظام على عدد من العناصر، من أهمها: عنصر القاعدة النقدية، التي يقصد بها المقياس الذي يتخذه المجتمع أساسًا لحساب القيمة الاقتصادية، والغاية منها: المحافظة على القيمة الاقتصادية للنقود (أي: قوتها الشرائية) في النطاقين الداخلي والخارجي.
تقوم القاعدة النقدية على ظاهرة الندرة للموارد النقدية عندما كان النقد يأخذ شكلًا ماديًّا متمثلًا في المعادن النفيسة، التي تتمتع بندرة طبيعية، ولكن الأمر اختلف عندما استندت القاعدة النقدية على القيمة الورقية (قاعدة النقد الورقية) ، وبالتالي: حل الجانب التنظيمي، الذي يتمثل في مجموعة الشروط والقواعد التي تضعها السلطات النقدية في الدولة، للتعبير عن تصورها للقيمة النقدية وارتباطها بالقيم الاقتصادية، وهي شروط تهدف غالبًا إلى تحقيق الاستقرار النقدي، أي: تحقيق التوافق بين حجم وسائل الدفع وقدرات الجهاز الإنتاجي، وبالتالي: فكفاءة القاعدة النقدية تقاس بقدرتها على التحكم في عرض النقود القانونية، عن طريق غطاء الإصدار والائتمان، عن طريق التحكم في الودائع وفي رقابة البنك المركزي على البنوك التجارية، بجانب هذا العنصر الأساس هناك عناصر ثانوية في النظام النقدي، ومن أهمها: وحدة النقد الرسمية المستخدمة في الحسابات النقدية، فلكل اقتصاد قومي وحدة نقد رسمية تستخدم في الحسابات النقدية، مثل: الريال، والجنيه، والدولار... ترتكز عليها المدفوعات الداخلية الناتجة عن دفع الالتزامات المالية (البيع، والشراء، والأجور، والأرباح...إلخ) ، ويلزم لهذه الوحدة الحسابية صفتان أساسيتان: الأولى: الصفة القانونية، أي: التمتع بقوة إبراء مطلقة في الوفاء بالالتزامات يُجْبَر الدائن على قبولها وفاءً لدينه، ويعفى المدين من دينه بمجرد السداد بها، ويقبلها الجميع في المعاملات. الثانية: الصفة الإلزامية لسعرها، بحيث لا يسمح بتحويلها إلى أي نوع آخر من النقود، ولكن وظائف وعلاقات النقود الأساسية طغت على دور وأهمية القاعدة النقدية، وهذا ما نشاهده في أن العلاقة بين وحدات النقد الأساسية (الريال/ الدولار، مثلًا) وأدوات الدفع الأخرى (نقود ائتمانية، أذون خزانة، أوراق مالية) مرتبطة بموضوع السيولة؛ فالنقود الأساسية بصفتها نقودًا قانونية ونهائية تمثل قيمة السيولة، أما أدوات الدفع الأخرى: فهي تتمتع بدرجات متفاوتة من السيولة قد تتحول عاجلًا أو آجلًا إلى نقود أساسية بحسب دورها في النشاط الاقتصادي.
2)النظام النقدي نظام اجتماعي لا يمكن فصله عن البيئة الاجتماعية والاقتصادية التي يعمل فيها، فهي تعكس بالضرورة الاقتصاد الذي وجد لخدمتها، فالنظام النقدي في الاقتصاد الرأسمالي الربوي يختلف عن النظام النقدي في اقتصاد تقوم قيمه على الإسلام، فمثلًا: النظام النقدي الرأسمالي يقوم على الربا، فجميع أشكال المعاملات في هذا النظام تدور حول تلك الفائدة الربوية، أما النظام النقدي الإسلامي في حالة قيامه في مجتمع يلتزم بالنظام الاقتصادي الإسلامي: فلن يكون للفائدة الدور المؤثر والفاعل، بل سيحل مفهوم الربح والخسارة محل مفهوم الفائدة الربوية.
3)النظام النقدي نظام متغير حسب ما يحدث في النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي ينتمي إليه، فالنظام النقدي يمثل الشكل الخاص لتداول النقود في اقتصاد المبادلة، فمثلًا: التغيرات التي حدثت في النظام الاقتصادي الرأسمالي أثرت في تطور النظام النقدي؛ حيث مر هذا النظام من مرحلة قاعدة الذهب إلى مرحلة قاعدة النقد الورقية، ومرحلة الليبرالية النقدية إلى مرحلة التدخل النقدي، وهذا التغير كان نتيجة لطبيعة التوافق بين البيئة الاقتصادية والظواهر النقدية؛ بقصد المحافظة على الأهداف الرئيسة للنظام الرأسمالي.
النظام النقدي والنقود الورقية:
يقتضي فهم النظام النقدي المعاصر معرفة العلاقة ودراستها بين خاصية النظام النقدي (القاعدة النقدية) والنقود الورقية والائتمانية، وهذا يقتضي إلقاء الضوء على تطور هذه العلاقة في كلّ من النظامين الإنجليزي والفرنسي؛ باعتبار أن هذين النظامين يمثلان القوتين الرئيستين في النظام الرأسمالي؛ حيث كان لهما الريادة في ابتكار النظم النقدية وتطويرها في القرن التاسع عشر، ومنهما انتقلت هذه النظم إلى بقية اقتصاديات العالم.
لقد اعتبر النظامان وحدات النقد الذهبية نقودًا قانونية ونهائية، أي: إنها تمثل نقود القاعدة النقدية، فوحدة النقد أصبحت تساوي وزنًا معينًا من الذهب، وهذا يعني: أن كمية معينة من هذا المعدن النفيس تعتبر مقياسًا للقيم الاقتصادية في المجتمع، ووحدة الحساب لهذه القيم، وقد أدى التطور الاقتصادي واتساع نطاق التبادل إلى ظهور أدوات دفع أخرى، بعضها يتمتع بخاصية قوة الإبراء دون الخاصية النهائية، أي: القدرة على التحول إلى نقود أخرى (النقود الورقية) ، و بعضها الآخر لا يتمتع بالقبول الإجباري ولا بالخاصية النهائية (النقود الائتمانية) ، وإنما تستخدم في المعاملات على أساس القبول الاختياري وثقة الأفراد في المؤسسات التي تصدرها، ومن المعروف أن النقود الورقية نمت وتطورت من خلال تطور النظام النقدي الفرنسي، كما أن النقود الائتمانية نمت وتطورت من خلال تطور النظام النقدي الإنجليزي.