فهرس الكتاب

الصفحة 475 من 1226

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع فتاواه ما نصه (1) : ( والمقصود هنا الكلام في علة تحريم الربا في الدنانير والدراهم ، والأظهر أن العلة في ذلك هو الثمنية لا الوزن ، كما قال جمهور العلماء - إلى أن قال - والتعليل بالثمنية تعليل بوصف مناسب ؛ فإن المقصود من الأثمان أن تكون معيارا للأموال يتوصل بها إلى معرفة مقادير الأموال ، ولا يقصد الانتفاع بعينها . فمتى بيع بعضها ببعض إلى أجل قصد بها التجارة التي تناقض مقصود الثمنية . واشتراط الحلول والتقابض فيها هو تكميل لمقصودها من التوصل بها إلى تحصيل المطالب ؛ فإن ذلك إنما يحصل بقبضها لا بثبوتها في الذمة ، مع أنها ثمن من طرفين ، فنهى الشارع أن يباع ثمن بثمن إلى أجل . فإذا صارت الفلوس أثمانا صار فيها المعنى ؛ فلا يباع ثمن بثمن إلى أجل ) .

(1) ج29 ص471 - 472 .

نقاش هذه الآراء:

لقد استعرضنا بصورة سريعة ومختصرة جدا أشهر آراء العلماء في مناط الربا في النقدين الذهب والفضة ، دون مناقشة أي من هذه الآراء ، ونحب الآن مناقشة هذه الآراء ، لتظهر لنا حقيقتها ، وليترجح لنا منها ما يتفق مع حكمة حظر الربا على الأمة الإسلامية ؛ ليكون لنا عونا ومبررا في توجيهنا ما نراه علة للربا في الذهب .

لقد أورد بعض أهل العلم على القائلين بالوزن علة لجريان الربا في النقدين إيرادا ملخصه: أن العلماء متفقون على جواز إسلام النقدين في الموزونات ، وهذا بيع موزون بموزون إلى أجل ، وفي جواز ذلك نقض للعلة . قال أبو محمد عبد الله بن قدامة رحمه الله في المغني في معرض توجيهه قول القائلين بالثمنية (1) : ( ولأنه لو كانت العلة في الأثمان الوزن لم يجز إسلامهما في الموزونات ، لأن أحد وصفي علة ربا الفضل يكفي في تحريم النسأ ) . ا هـ . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع فتاواه في معرض توجيهه القول بالثمنية (2) : ( ومما يدل على ذلك اتفاق العلماء على جواز إسلام النقدين في الموزونات ، وهذا بيع موزون بموزون إلى أجل ، فلو كانت العلة الوزن لم يجز هذا . والمنازع يقول: جواز هذا استحسان ، وهو نقيض للعلة . ويقول:

(1) ج4 من المغني ص4 .

(2) ج29 من الفتاوى ص471 .

إنه جوز هذا للحاجة ، مع أن القياس تحريمه ) . ا هـ .

وقال ابن القيم رحمه الله في كتابه ( إعلام الموقعين ) في معرض توجيهه القول بالثمنية وتصحيحه ما نصه: (1) . ( فإنهم أجمعوا على جواز إسلامهما في الموزونات من النحاس والحديد ونحوهما . فلو كان النحاس والحديد ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدا . فإن ما يجرى فيه الربا إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النسأ . والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دل على بطلانها . وأيضا فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة فهو طرد محض ) 10 هـ .

وقد أجاب القائلون بهذا من الحنابلة عن إيراد اتفاق العلماء على جواز إسلام النقدين في الموزونات ، مع أنه بيع موزون بموزون إلى أجل ، باستثناء هذه الجزئية من القاعدة للحاجة الماسة إلى الإسلام بأحد النقدين ، فقالوا بجريان ربا النسيئة في كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل ليس أحدهما نقدا . أما الحنفية فوضعوا قيدا ليدفعوا به هذا الاعتراض ، فقالوا بجريان ربا النسيئة في كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل وطريقته ، وقالوا: إن مسألة السلم لا تنقض قاعدتنا ؛ حيث إن النقدين موزونان بالميزان ، أما ما يسلم فيه مما يوزن فوزنه بالقبان ، فاختلف الميزان فجاز (2) .

(1) ج2 من إعلام الموقعين ص137 .

(2) ج5 من بدائع الصنائع ص186 .

ولا يخفى ما في هذا الدفع بهذا القيد من تكلف ظاهر .

وأورد أيضا على القائلين بالوزن علة لجريان الربا في النقدين إيراد آخر ملخصه: أن حكمة تحريم الربا ليست مقصورة على ما يوزن ؛ بل هي متعدية إلى غيره مما يعد ثمنا كالفلوس والورق النقدي ، بل إن الظلم المراعى إبعاده في تحريم الربا في النقدين واقع في التعامل بالورق النقدي ، وبشكل واضح في غالبه ، تتضاءل معه صورة الظلم الواقع في التعامل بالذهب والفضة متفاضلا في الجنس أو نسيئة في الجنسين ، نظرا لارتفاع القيمة الثمنية في بعضها ، كفئات الخمسمائة ريال والألف دولار .

فليس التعليل بالوزن جامعا لأجزاء ما يجري فيه الربا من أنواع الأثمان ، فتعين المصير إلى مناط جامع مانع .

أما القائلون بغلبة الثمنية علة لجريان الربا في النقدين ، فأورد عليهم أن العلة عندكم قاصرة على النقدين الذهب والفضة ، والعلة القاصرة لا يصح التعليل بها في اختيار أكثر أهل العلم . قال النووي رحمه الله في مجموعه شرح المهذب في معرض سياقه الرد على الشافعية لقولهم بالعلة القاصرة (1) : ( وعندكم في العلة القاصرة وجهان لأصحاب الشافعية . أحدهما: أنها فاسدة لا يجوز التعليل بها لعدم الفائدة فيها ، فإن حكم الأصل قد عرفناه ، وإنما مقصود العلة أن يلحق بالأصل غيره . والوجه الثاني: أن القاصرة صحيحة ولكن المتعدية أولى . قالوا: فعلتكم مردودة

(1) ج9 من المجموع ص445 .

على الوجهين لأن حكم الذهب والفضة عرفناه بالنص . قالوا: ولأن علتكم قد توجد ولا حكم ، وقد يوجد الحكم ولا علة كالفلوس بخراسان وغيرها ، فإنها أثمان ولا ربا فيها عندكم ، والثاني كأواني الذهب والفضة يحرم الربا فيها مع أنها ليست أثمانا ) ا هـ .

وأورد عليهم أيضا ما أورد على القائلين بالوزن علة من أن حكمة تحريم الربا ليست مقصورة على النقدين ، بل تتعداهما إلى غيرهما من الأثمان ، كالفلوس والورق النقدي إلى آخر الاعتراض المتقدم قريبا .

أما القائلون بأن علة الربا في النقدين مطلق الثمنية ، فقد استخرجوا مناطا جامعا مانعا متفقا مع الحكمة في جريان الربا في الذهب والفضة . وما ذكره ابن مفلح رحمه الله في كتابه الفروع من قوله: بأنها علة قاصرة لا يصلح التعليل بها في اختيار الأكثر ، منقوضة طردا بالفلوس لأنها أثمان وعكسا بالحلي . فهذا الإيراد لا يتجه إلا على القائلين بغلبة الثمنية . أما القائلون بمطلق الثمنية فلم يخرجوا الفلوس الرائجة عن حكم النقدين بل اعتبروها نقدا يجري فيه الربا بنوعيه كما يجري الربا بنوعيه في الذهب والفضة .

كما أنهم لم يقولوا بجريان الربا في الحلي المصنوع من الذهب أو الفضة ؛ لأن الصناعة قد نقلته من مادة الثمنية إلى جنس السلع والثياب ؛ ولهذا لا تجب فيه الزكاة على القول المشهور ، مع أنه من مادة الذهب والفضة .

وفي امتناع جريان الربا في الحلي المباح من الذهب والفضة يقول ابن القيم رحمه الله في كتاب ( إعلام الموقعين عن رب العالمين ) ما نصه (1) : ( وأما ربا الفضل فأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة كالعرايا ، فإن ما حرم سدا للذريعة أخف مما حرم تحريم المقاصد ، وعلى هذا فالمصوغ والحلية إن كانت صياغته محرمة ، كالآنية حرم بيعه بجنسه وغير جنسه ، وبيع هذا هو الذي أنكره علي ومعاوية ، فإنه يتضمن مقابلة الصياغة المحرمة بالأثمان ، وهذا لا يجوز كآلات الملاهي . وأما إن كانت الصياغة مباحة كخاتم الفضة وحلية النساء ، وما أبيح من حلية السلاح وغيرها ، فالعاقل لا يبيع هذه بوزنها من جنسها ، فإنه سفه وإضاعة للصنعة ، والشارع أحكم من أن يلزم الأمة بذلك ، فالشريعة لا تأتي به ولا تأتي بالمنع من بيع ذلك وشرائه ، لحاجة الناس إليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت