فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 1226

وفي إلحاق غيرها بها خلاف هل يلحق بهذه الأجناس المذكورة غيرها ، فيكون حكمه حكمها في تحريم التفاضل والنساء مع الاتفاق في الجنس وتحريم النساء فقط مع الإختلاف في الجنس والإتفاق في العلة . فقالت الظاهرية: أنه لا يلحق بها غيرها ورجحه في سبل السلام . وقال قد أردنا الكلام على ذلك في رسالة مستقلة سميناها القول المجتبي انتهى . وتفصيل ذلك في مسك الختام . وذهب من عداهم إلى أنه يلحق بها ما يشاركها في العلة . واختلفوا في العلة ما هي ؟ فقيل الاتفاق في الجنس والطعم . وقيل الجنس والتقدير بالكيل والوزن والإقتيات . وقيل الجنس ووجوب الزكاة وقيل الجنس والتقدير بالكيل والوزن . وقد يستدل لمن قال بالإلحاق بما أخرجه الدارقطني والبزار عن الحسن من حديث عبادة وأنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعًا واحدًا وما كيل فمثل ذلك فإذا اختلف النوعان فلا بأس به وقد أشار إلى هذا الحديث صاحب التلخيص ولم يتكلم عليه ، وفي إسناده الربيع بن صبيح وثقه أبو زرعة وغيره وضعفه جماعة . قال أحمد: لا بأس به ، وقال يحيى بن معين: في رواية عنه ضعيف وفي أخرى ليس به بأس وربما دلس . وقال ابن سعد والنسائي ضعيف . وقال أبو زرعة شيخ صالح وقال أبو حاتم: رجل صالح انتهى . ولا يلزم من وصفه بالصلاح أن يكون ثقة في الحديث . وقال في التقريب: صدوق سيء الحفظ ، ولا يخفاك أن الحجة لا تقوم بمثل هذا الحديث لا سيما في مثل هذا الأمر العظيم . فإنه حكم بالربا الذي هو من أعظم معاصي الله سبحانه وتعالى على غير الأجناس التي نص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك يستلزم الحكم على فاعله بأنه مرتكب لهذه المعصية التي هي من الكبائر ومن القطعيات الشرعية . ومع هذا فإن هذا الإلحاق قد ذهب إليه الجمع الجم والسواد الأعظم ، ولم يخالف في ذلك إلا الظاهرية فقط . وهذا الحديث كما يدل على إلحاق غير الستة بها كذلك يدل على أن العلة الاتفاق في الكيل والوزن مع إتحاد الجنس . ومما يدل على أن الربا يثبت في غير هذه الأجناس حديث ابن عمر في الصحيحين قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة أن يبيع الرجل ثمر حائطه إن كان نخلًا بتمر كيلًا ، وإن كان كرمًا أن يبيعه بزبيب كيلًا ، وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعام نهى عن ذلك كله وفي لفظ لمسلم وعن كل ثمر بخرصه فإن هذا الحديث يدل على ثبوت الربا في الكرم والزبيب . ورواية مسلم تدل على أهم من ذلك . ومما يدل على الإلحاق ما أخرجه مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع اللحم بالحيوان وأخرجه أيضًا الشافعي ، وأبو داود في المراسيل ، ووصله الدارقطني في الغريب عن مالك عن الزهري عن سهل بن سعد وحكم بضعفه وصوب الرواية المرسلة وتبعه ابن عبد البر وله شاهد من حديث ابن عمر عند البزار وفي إسناده ثابت بن زهير وهو ضعيف ، وأخرجه أيضًا من رواية أبي أمية بن يعلى عن نافع أيضًا وأبو أمية ضعيف ، وله شاهد أقوى منه من رواية الحسن عن سمرة عند الحاكم والبيهقي وابن خزيمة ، ومما يؤيد ذلك حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة عند الترمذي في رخصة العرايا وفيه وعن بيع العنب بالزبيب وعن كل ثمر بخرصه ومما يدل على أن المعتبر الاتفاق في الوزن حديث أبي سعيد عند أحمد ومسلم بلفظ لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنًا بوزن مثلًا بمثل سواء بسواء وأخرج أحمد ومسلم والنسائي من حديث أبي هريرة الذهب بالذهب وزنًا بوزن مثلًا بمثل والفضة بالفضة وزنًا بوزن مثلًا بمثل . وعند مسلم والنسائي وأبي داود من حديث فضالة بن عبيد عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن ومما ورد في إعتبار الكيل حديث ابن عمر المتقدم وفيه وإن كان كرمًا أن تبيعه بزبيب كيلًا وما سيأتي قريبًا من النهي عن بيع الصبرة لا يعلم كيلها .

أقول: أما إختلاف مثبتي القياس في علة الربا فليس على شئ من هذه الأقوال حجة نيرة ، إنما هي مجرد تظننات وتخمينات انضمت إليها دعاوي طويلة بلا طائل . هذا يقول العلة التي ذهب إليها ساقه إلى القول بها مسلك من مسالك العلة لتخريج المناط ، والآخر يقول ساقه إلى ما ذهب إليه مسلك آخر كالسبر والتقسيم . ونحن لا نمنع كون هذه المسالك تثبت بمثلها الأحكام الشرعية ، بل نمنع اندراج ما زعموه علة في هذا المقام تحت شئ منها ، فما أحسن الإقتصار على نصوص الشريعة وعدم التكليف بمجاوزتها والتوسع في تكليفات العباد بما هو تكليف محض . ولسنا ممن يقول بنفي القياس لكنا نقول بمنع التعبد به فيما عدا العلة المنصوصة وما كان طريق ثبوته فحوى الخطاب وليس ما ذكروه ههنا من هذا القبيل فليكن هذا المبحث على ذكر منك تنتفع به في مسائل كثيرة . قال الماتن رحمه الله في كتابه السيل الجرار: ولا يخفاك أن ذكره صلى الله عليه وسلم للكيل والوزن في الأحاديث لبيان ما يتحصل به التساوي في الأجناس المنصوص عليها فكيف كان هذا الذكر سببًا لإلحاق سائر الأجناس المتفقة في الكيل والوزن بهذه الأجناس الثابتة في الأحاديث ، وأي تعدية حصلت بمثل ذكر ذلك ، وأي مناط ستفيد منها مع العلم أن الغرض بذكرها هو تحقيق التساوي كما قال: مثلًا بمثل سواء بسواء وأما الإتفاق في الجنس والطعم كما قال الشافعي . واستدلوا على ذلك بما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث معمر بن عبد الله قال: كنت أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الطعام بالطعام مثلًا بمثل وكان طعامنا يومئذ الشعير فأقول: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الطعام فكان ماذا ؟ وأي دليل على أنه أراد بهذا الذكر الإلحاق ؟ وأي فهم يسبق إلى كون ذلك هو العلة المعدية حتى تركب عليها القناطر وتبنى عليها القصور . ويقال هذا دليل على أن كل ماله طعم كان يبعه بماله متفاضلًا ربًا . مع أن أول ما يدفع هذا الإستدلال الذهب والفضة اللذين هما أول منصوص عليه في الأحاديث المصرحة بذكر الأجناس التي تحرم فيها الربا . ومما يدفع القولين جميعًا أنه قد ثبت في الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر العدد كما في حديث عثمان عند مسلم بلفظ لا تبيعوا الدينار بالدينارين وفي رواية من حديث أبي سعيد ولا درهمين بدهم ولا يعتبر العدد أحد من أهل هذين القولين ولا من غيرهم. وقد وافقت المالكية الشافعي في الطعم وزادت عليه الإدخار والاقتيات فوسعوا الدائرة بما ليس بشئ .

والحاصل أنه لم يرد دليل به الحجة على إلحاق ما عدا الأجناس المنصوص عليها بها .

فإن إختلفت الأجناس جاز التفاضل إذا كان يدًا بيد لما ثبت في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الذهب الذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح مثلًا بمثل سواء بسواء يدًا بيد . فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد وفي الباب أحاديث .

ولا يجوز بيع الجنس بجنسه مع عدم العلم بالتساوي لما وقع في الأحاديث الصحيحة من قوله صلى الله عليه وسلم مثلًا بمثل سواء بسواء وزنًا بوزن فإن هذا يدل على أنه لا يجوز بيع الشئ بجنسه إلا بعد العلم بالمماثلة والمساواة ، ومما يدل على ذلك حديث جابر عند مسلم وغيره قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم كيلها بالكليل المسمى من التمر فإن هذا يدل على أنه لا يجوز البيع إلا بعد العلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت