وإن صحبه غيره أي لا تأثير لمصاحبة شئ آخر لأحد المثلين . لحديث فضالة بن عبيد عند مسلم وغيره قال: إشتريت قلادة يوم خيبر بإثني عشر دينارًا فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا تباع حتى تفصل وقد ذهب إلى هذا جماعة من السلف منهم عمر بن الخطاب ، وقال به الشافعي وأحمد وإسحق ، وذهب جماعة منهم الحنفية إلى جواز التفاضل مع مصاحبة شئ آخر إذا كانت الزيادة مساوية لما قابلها .
ولا بيع الرطب بما كان يابسًا لحديث ابن عمر المتقدم في النهي عن أن يبيع الرجل ثمر حائطه إن كان نخلًا بتمر كيلًا ، وإن كان كرمًا أن يبيعه بزبيب كيلًا ، وكذلك حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة المتقدمات ، وفي الموطأ حديث سعد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن اشتراء التمر بالرطب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أينقص الرطب إذا يبس ؟ فقالوا: نعم فنهى عن ذلك قلت: وعليه الشافعي ، وهذا الحديث أصل في أنه لا يجوز بيع شئ من المطعوم بجنسه أحدهما رطب والآخر يابس مثل: بيع الرطب بالتمر ، وبيع العنب بالزبيب ، وبيع اللحم الرطب بالقديد ، وهذا قول أكثر أهل العلم وإليه ذهب مالك والشافعي وصاحبا أبي حنيفة . وجوزه أبو حنيفة وحده ورده بالمتشابه من قوله تعالى: وأحل الله البيع وحرم الربا والمتشابه من قياس في غاية الفساد وهو قولهم: الرطب والتمر إما أن يكونا جنسين ، وإما أن يكون جنسًا واحدًا ، وعلى التقديرين فلا يمنع بيع أحدهما بالآخر . قال ابن القيم: وإذا نظرت إلى هذا القياس رأيته مصادمًا للسنة أعظم مصادمة ، ومع أنه فاسد في نفسه ، بل هما جنس واحد ، أحدهما أزيد من الآخر قطعًا بنية ، فهو أزيد أجزاء من الآخر بزيادة لا يمكن فصلها وتميزها ولا يمكن أن يجعل في مقابلة تلك الأجزاء من الرطب ما يتساويان به عند الكمال ، إذ هو ظن وحسبان ، فكان المنع من بيع أحدهما بالآخر محض القياس لو لم يأت به سنة ، وحتى لو لم يكن ربا ولا القياس يقتضيه لكان أصلًا قائمًا بنفسه يجب التسليم والإنقياد له كما يجب التسليم لسائر نصوصه المحكمة انتهى .
إلا لأهل العرايا لحديث زيد بن ثابت عند البخاري وغيره أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم رخص في بيع العرايا أن تباع بخرصها كيلًا وفي لفظ في الصحيحين رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمرًا يأكلونها رطبًا وأخرج أحمد والشافعي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حين أذن لأهل العرايا أن يبيعوها بخرصها الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة وفي الباب أحاديث . والمراد أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للفقراء الذين لا نخل لهم أن يشتروا من أهل النخل رطبًا يأكلونه في شجره بخرصه تمرًا . والعرايا جمع عرية وهي في الأصل عطية ثمر النخل دون الرقبة . وقد ذهب إلى ذلك الجمهور . ومن خالف فالأحاديث ترد عليه . قلت: العرية فعيلة بمعنى مفعولة من عراه يعروه إذا قصده ، وهي عقد مقصود ، أو بمعنى فاعلة من عرى يعرى إذا خلع ثوبه كأنها عريت ، وهي بيع الرطب على النخل بتمر في الأرض والعنب في الشجر بزبيب فيما دون خمسة أوسق . وقال محمد: وبهذا نأخذ ، ولفظ البخاري في باب تفسير العرايا قال مالك: العرية أن يعرى الرجل الرجل النخلة ثم يتأذى بدخوله عليه فرخص له أن يشتريها منه بتمر . وقال ابن إدريس: العرية لا تكون إلا بالكيل من التمر يدًا بيد ، ولا تكون بالجزاف . ومما يقويه قول ابن أبي حثمة بالأوسق الموسقة . وقال ابن إسحق: في حديثه عن نافع عن ابن عمر كانت العرايا أن يعرى الرجل الرجل في ماله النخلة والنخلتين . وقال يزيد: عن سفيان بن حسين العرايا نخل كانت توهب للمساكين فلا يستطيعون أن ينتظروا بها رخص لهم أن يبيعوها بما شاؤا من التمر انتهى
أقول: العرايا أصلها أن العرب كانت تطوع على من لا ثمر له كما يتطوع صاحب الشاة أو الإبل بالمنيحة ، وهي عطية اللبن دون الرقبة . قال الجوهري في الصحاح: العرية هي النخلة التي يعريها صاحبها رجلًا محتاجًا بأن يجعل له ثمرها عامًا من عراة إذا قصده انتهى . فرخص صلى الله عليه وسلم لمن لا نخل لهم أن يشتري الرطب على النخل بخرصها تمرًا كما وقع في الصحيحين وغيرهما من حديث زيد بن ثابت ، وفي لفظ في الصحيحين من حديثه رخص في العرايا يأخذها أهل البيت بخرصها تمرًا يأكلونها رطبًا وفي لفظ لهما من حديثه ولم يرخص في غير ذلك فهذا جائز ، والذي أخبرنا بتحريم الربا ومنعنا من المزابنة هو الذي رخص لنا في العرايا والكل حق وشريعة واضحة وسنة قائمة ومن منع ذلك فقد تعرض لرد الخاص بالعام ولرد الرخصة بالعزيمة ولرد السنة بمجرد الرأي ، وهكذا من منع من البيع وجوز الهبة كما روي عن أبي حنيفة رحمه الله ولكن هذه الرخصة مقيدة بأن يكون الشراء بالوسق والوسقين والثلاثة والأربعة كما وقع في حديث جابر عند الشافعي وأحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم فلا يجوز الشراء بزيادة على ذلك .
ولا بيع اللحم بالحيوان لما تقدم قريبًا من حديث سعيد بن المسيب عند مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان باللحم وقال سعيد: من ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين . وقال نهى عن بيع الحيوان باللحم . وقال أبو الزناد: كل من أدركت من أهل العلم ينهون عن بيع الحيوان باللحم أي من جنسه وكذا بغير جنسه من مأكول وغيره . وفي شرح السنة ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى تحريمه ، وإليه ذهب الشافعي. وحديث ابن المسيب وإن كان مرسلًا لكنه يتقوى بعمل الصحابة واستحسن الشافعي مرسل ابن المسيب . وذهب جماعة إلى إباحته واختارها المزني إذ لم يثبت الحديث وكان فيه قول متقدم ممن يكون بقول اختلاف ولأن الحيوان ليس بمال الربا بدليل أنه يجوز بيع حيوان بحيوانين فبيع اللحم بالحيوان بيع مال الربا بما لا ربا فيه فيجوز ذلك في القياس إلا أن يثبت الحديث فنأخذ به وندع القياس . وقال محمد في الموطأ: وبهذا نأخذ من باع لحمًا من لحم الغنم بشاة حية لا يدري اللحم أكثر أو مافي الشاة أكثر فالبيع فاسد مكروه ولا ينبغي وهذا مثل المزابنة والمحاقلة. وكذا بيع الزيتون بالزيت ودهن السمسم بالسمسم .
أقول: والأحسن عندي أن معنى الحديث: أن يقول للقصاب كم يخرج من هذه الشاة فيقول القصاب: عشرون رطلًا فيقول: خذ هذه الشاة بعشرين رطلًا من اللحم إن خرج أكثر فلك أو أقل فعليك . وهذا نوع من القمار . ورجع الحديث إلى القياس .