والمسلم يدعو:"اهدنا الصراط المستقيم"، و هذا الدعاء رباني عظيم في دلالته، ولحكمة الله لعباده أن يتلوه ويقرؤوه في كل صلاة بل في كل ركعة فلا تصح الصلاة إلا بهذا ولا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب كما في البخاري عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ، ولأمرٍ ما شرع الله عز وجل هذا ، ولا شك أن المسلم يوقن يقينًا قطعيًا أن ذلك لحكمة عظيمة ، وأن غيره لا يقوم مقامه فيه ، والهداية المطلوبة هي أربعة أنواع:
الهداية الأولى هي منح الله عباده القوى والقدرات والملكات التي بها يتوصلون إلى معرفة الخير والمصلحة وإلى معرفة الشر والمفسدة .
ومن ذلك أن الله تعالى زودهم بالحواس المعروفة من سمع وبصر ولمس وغير ذلك ومنحهم سبحانه العقول التي يحصلون بها العلم والتعلم ولهذا قال الله سبحانه: ] وعلم آدم الأسماء كلها[ أن الله جعل لآدم ثم لذريته من بعده قدرة على التعلم والفهم والإدراك لا تتحقق لغيرهم ، فربنا سبحانه هو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، وهذا وإن كان للحيوان نصيب منه بما هداه الله إليه بفطرته فهو يعرف أين يختار المرعى وأنه يأكل إذا جاع ويشرب إذا عطش ويتقي بعض المخاطر حتى إنك تجد للحيوانات وللحشرات وللهوام والدواب من بديع صنع الله تعالى الشيء الذي يندهش منه العقل إلا أن الله سبحانه فضل الإنسان على غيره من ذلك بما لا يخفى .
فالهداية الأولى: هي أن الله زود الناس بالملكات التي بها يحصلون على الهداية ويعرفون الخير فيفعلونه والشر فيجتنبونه، ولهذا كان العقل مناط التكليف والسؤال والجزاء.
الهداية الثانية: الهداية العامة بأن الله بعث الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأنزل الكتب وخاتمتها القرآن ولهذا قال تعالى: ]ولكل قوم هاد [ وقال سبحانه ] إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم [ فبين أن الرسل هداة ، وأن القرآن الكريم والكتب السماوية قبله كانت هداية للناس ] إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور [ وهكذا بقية الكتب حتى جاء القرآن مهيمنًا عليها، وهذه الهداية يسميها العلماء هداية الدلالة والإرشاد ، فالله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: ] وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم [ فأثبت لرسوله صلى الله عليه وسلم هذا النوع من الهداية بتعليمه الناس وتلاوة القرآن وبيان السنة ، يكون هدى الناس وإن كان نفى عنه نوعًا آخر] إنك لا تهدي من أحببت[ .
الهداية الثالثة: الهداية الخاصة وهي هداية التوفيق للصالحين من عباد الله تبارك وتعالى أن يهديهم الله إلى صراطه المستقيم ولهذا يقول الله عز وجل: ]وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد [ ويقول سبحانه: ] أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [ ويقول عز وجل: ] والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا[ فهذه هداية التوفيق والإلهام أن الله تعالى يأخذ بيد من يشاء من عباده إلى الصراط المستقيم ، ولذلك يقول بعض العلماء: إن آيات الله سبحانه وتعالى في الكون مبثوثة لا يحصيها إلا هو ، ولكن المستفيدين منها قليل فكم من ناظر في ملكوت السموات والأرض لا يتجه إلى هدى ، ولا ينصرف عن ردى ، ولكن الله يهدي من يشاء .
ومن الواضح أن هذا النوع من الهداية ـ هداية التوفيق وهداية الإلهام ـ يتجزأ ويتكون للإنسان شيئًا فشيئًا ويحصل عليه الإنسان بالتدريج ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: ]والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا [ فهم لما جاهدوا في الله سبحانه وتعالى كانوا مهتدين وإلا لما جاهدوا في الله تعالى ، ولكن وعدهم الله تعالى بقوله: ] لنهدينهم سبلنا [ بمزيد من الهداية والتوفيق والعلم والمعرفة ومزيد من العمل والرحمة لم يكن لهم من قبل ، وهكذا قول الله سبحانه: ] إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم [ فهم أولًا آمنوا وعملوا الصالحات ، والإيمان هداية ، وعمل الصالح هداية ، ومع ذلك قال: ] يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم [ فهم آمنوا وعملوا الصالحات ، وهذه هداية ، ثم تذرعوا بها إلى هداية أكمل وأعظم منها في الدنيا وفي الآخرة بوعد الله تبارك وتعالى ، وهكذا قول الله عز وجل:] والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين[، فيتكلف العمل الصالح أولًا ثم يصبح سهلًا يسيرًا عليه بالاعتياد والتمرين.
فمن أنواع الهداية الظاهرة في هذه الآية أن هدايتهم الأولى كانت تكلفًا وتصبرًا ، ثم تحولت إلى جبلة وعادة وكلفةً بغير تكلف فتلقنوا هذه الأعمال ، ولهذا كان قيامهم الليل أول الأمر في عناء وجهد ، ثم تحول إلى عادة مألوفة لا يصبرون بدونها ، ولا يجدون لذتهم إلا فيها ، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى:]يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وءامنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورًا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم [ فخاطبهم بالإيمان ، ودعاهم إلى أن يتقوا الله وأن يؤمنوا برسوله ، وهذه هدايات ، فإذا فعلوا ذلك قال:] يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورًا تمشون به [ فهذا النور هو ثمرة الهداية ثمرة التقوى ثمرة الإيمان ثمرة العمل الصالح أن يكون لهم نور يمشون فيه في الدنيا فيفرقون به بين الخطأ والصواب والحق والباطل بل يفرقون به بين الصوابات المتعددة أيها أفضل وبين الأنواع التي كلها خير أيها أخير ، ولهذا قال عمرو بن العاص رضي الله عنه:"ليس الفقيه من يعرف الخير من الشر ، إنما الفقيه كل الفقيه من يعرف خير الخيرين وشر الشرين"وهنا قال: ] ويجعل لكم نورًا تمشون به [ وفي الآية الأخرى قال: ] إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا[ فهذا الفرقان يكون في قلب الإنسان وعقله ، وفي خبرته وعلمه فيفرق بين الأشياء ويختار أيها أفضل وأكمل وأنبل مما يقصر عنه فهم غيره.
الهداية الرابعة: الهداية إلى مجاورته سبحانه وتعالى في جنات عدن في جنات النعيم ، قال الله عز وجل: ]ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله[ فتمام الهداية إنما يتحقق بمصير الناس إلى جنات النعيم في جوار الرب الرحيم فهذه الهدايات الأربع يطلبها العبد يطلبها في دعائه .
وقد اختلفت عبارات المفسرين في معنى قوله ]اهدنا الصراط المستقيم[ .
فقال علي بن أبي طالب وأبي بن كعب رضي الله عنهما ]اهدنا [ معناها ثبتنا على الصراط المستقيم ، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أرشدنا ، وروي عنه أيضًا أنه قال: وفقنا وألهمنا ، فهناك الثبات وهناك هداية الإرشاد وهناك هداية التوفيق والإلهام .
كما اختلفت عبارات المفسرين في الصراط المستقيم فقيل: هوكتاب الله تعالى ، وقيل: الإسلام ، كما قاله ابن مسعود والحسن وأبو العالية وغيرهم ، وقيل: طريق الجنة ، وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما .