فهرس الكتاب

الصفحة 481 من 1226

(1) انظر العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي 3 \ 135، دار إحياء التراث العربي ط1 سنة 1417 هـ 1996م، وقال: ورد ذكره في إحياء علوم الدين 3 \ 155 .

يصب في خدمة البنوك الربوية .

ولا أريد أن أذكر أسماء في هذا المقام ، ولكن أحيل إلى بعض المراجع لمن أحب الاستزادة والاستفادة (1) .

(1) موقف الشريعة الإسلامية من المصارف \ د. إبراهيم بن عبد الله الناصر، بحوث في الربا \ محمد أبو زهرة. مجلة البحوث الإسلامية، القروض الإنتاجية وموقف الإسلام منها، د. فاروق النبهان، مصادر الحق في الفقه الإسلامي، د. السنهوري 3 \ 68.

الربا .. آثام وأضرار

مجلة البيان - (ج 166 / ص 6)

دراسات في الشريعة والعقيدة

الربا .. آثام وأضرار

إبراهيم بن محمد الحقيل

بناء النفس والأسرة ، وبناء المجتمع والأمة لا يكون إلا باكتساب ، ولا

اكتساب إلا بعمل . والعمل لا يكون إلا بالتعامل مع الآخرين ، سواء كان العمل

والاكتساب مشروعًا أم غير مشروع ، أخلاقيًا أم غير أخلاقي .

وأحكام الإسلام لم تكن كنظريات الاشتراكيين التي ألغت الملكية الفردية ،

وقتلت أبناءها ، وأدت بهم إلى العطالة والبطالة . وهي كذلك ليست رأسمالية تعطي

الحرية المطلقة في الأموال ليسحق الأقوياء والضعفاء ، ويكونوا بمثابة العبيد والخدم

لهم ، والعمال لديهم . كلا ! ليست أحكام الإسلام في التعاملات كذلك ؛ إذ وازنت

بين حق الفرد في الملكية الخاصة وبين حاجة المجتمع بما يحقق التقارب والألفة

والأمن ، فأعطت الفرد حق تنمية ماله بالكسب المشروع ، ولم تحرمه من ابتكارات

في التجارة ما دامت في حدود الحلال . وفي الوقت ذاته أغلقت تشريعات الإسلام

منافذ الاستبداد المالي ، والاحتكار التجاري ، واستغلال الطبقات الفقيرة وحاجاتها

إلى المال ، وفتحت أبواب الإحسان والقرض والصدقة ، والمضاربة المشروعة ..

إلخ .

وفي هذه المقالة عرض لبعض آثام الشرعية ، وأضراره الدينية والدنيوية ؛

تلك الكبيرة من الذنوب التي عمت وطمت في العصر الرأسمالي ، وتمت عولمتها

قبل عولمة أي شيء آخر ؛ إذ إن الربا انتشر في كل بلاد العالم انتشار النار في

الهشيم منذ عشرات السنين ، أي قبل أن يتحدث الناس عن العولمة .

ومع بالغ الأسف فإن انتشار هذه الجريمة النكراء هُوَّن وقعها على القلوب ،

حتى ألفتها فلم تعد تنكرها ؛ بل صار الإنكار على من ينكرها في عصر أصبح

الباطل فيه حقًا ولا حول ولا قوة إلا بالله . ومن كان يظن أن هذه الكبيرة المقيتة

ستوجد لها المسوغات وتوضع لها المبررات ؟ وممن ؟ من شيوخ معممين يحملون

أعلى الإجازات العلمية في الدراسات الإسلامية ، ويتربعون على سدة مناصب

الإفتاء في بلادهم .

وأضحت اليوم كثير من المعاملات المحرمة بالأمس تصنع لها المخارج

الشرعية ، وتتحول تدريجيا من دائرة الحرمة المغلظة إلى الأخف إلى المشتبه ، إلى

مسائل خلافية يجيزها بعض ويحرمها الأكثر ، ثم العكس يجيزها الأكثر ويحرمها

بعض ، حتى يخفت صوت المُحرَّم لها شيئًا فشيئًا فتصبح حلالًا .

ولإقناع جمهور الأمة التائه في غابة تلك التعاملات التي تخرج لنا الآلة

الرأسمالية كل يوم منها عشرات الصور ، عمدت كثير من صروح الربا المشهورة

-التي تحاد الله ورسوله وتعلن الربا صراحة - إلى إقناع الواقفين على عتبتها

مترددين بفتاوى تجيز بعض أساليبهم وتعاملاتهم . تصورها وتوزعها وتعلقها على

جدران الصرح الربوي الشامخ ، وإنها لمهزلة أن يكون سند من يجاهر بحرب الله

ورسوله فتوى خطتها أنامل من يدعو إلى الله - تعالى - وإلى سنة رسوله صلى الله

عليه وسلم .

أضرار الربا الشرعية:

1-الربا من معاملات اليهود والمشركين:

كان من أعظم أمور الجاهلية ، وتعاملاتهم المالية ممارسة الربا وكسب الأموال

عن طريقة ، ولذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعلن إلغاءه على مسمع من الناس

في حجة الوداع حينما خطبهم فقال:( ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي

موضوع ، ثم قال: وربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضع ربانا ربا العباس ابن

عبد المطلب فإنه موضوع كله ) [1] .

واليهود يتعاملون بالربا حتى كان أكلهم له سببًا من أسباب عقوبتهم كما قال

الله - تعالى -:[ فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ

عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ

وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ] ( النساء: 160-161 ) .

قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى -:( أي أن الله قد نهاهم عن الربا

فتناولوه وأخذوه واحتالوا عليه بأنواع الحيل وصنوف من الشبه ) [2] .

ولم يفارق اليهود عادتهم القديمة ؛ فأباطرة الربا في هذا العصر وملاك

كبريات مؤسساته ومصارفه هم من اليهود ، وهم الذين أفسدوا اقتصاد العالم ،

ونشروا المعاملات المحرمة ، وحطموا أسعار كثير من العملات ، وأفقروا كثيرًا من

الشعوب .

فمن تعامل بالربا فقد تشبه بأعداء الله - تعالى - من المشركين واليهود ،

وكفى بذلك إثمًا وخسرانا .

2-أنه محاربة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم:

جاء الزجر عن الربا في كتاب الله - تعالى - عنيفًا شديدًا ؛ إذ هو من الذنوب

العظائم القلائل [3] التي وصف اقترافها بمحاربة الله ورسوله .

وإذا كان قطاع الطريق يحاربون الله - تعالى - بإشهار السلاح ، وإزهاق

الأرواح ، واغتصاب الأموال ، وترويع الآمنين ، وقطع السبيل ؛ فإن أكلة الربا

يحاربون الله - تعالى - بدمار المجتمعات ، والإفساد في الأموال مما يؤدي إلى

الفساد في الأرض ، وتوسيع الهوة بين الطبقات مما يلزم منه حدوث الجرائم وكثرة

الخوف ، وقلة الأمن .

إن أكلة الربا لا يرفعون السلاح كما يرفعه قطاع الطريق ، ولا يأخذون المال

عنوة ؛ ولكنهم يمتصون دماء الفقراء وهم يبتسمون لهم ! ! وينتبهون أموال الناس

وهم يربتون على أكتافهم ! !

إنها محاربة ماثلت في بشاعتها محاربة قطاع الطريق ؛ ولكنها أوسع نطاقًا ،

وأكثر تنظيمًا ومخادعة ؛ ففاقت في انتشارها وقبحها رفع السلاح وانتهاب الأموال

بالقوة ، وقد قال الله - تعالى - محذرًا منها:[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا

مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن

تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ] ( البقرة: 278-279 ) .

وويل ثم ويل لمن حارب الله - تعالى - وهو يمشي على أرضه ، ويأكل

رزقه ، وينعم بفضله ، قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: يقال يوم القيامة

لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب [4] . وعنه - رضي الله عنه - قوله في معنى

الآية: [ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ] ( البقرة: 279 ) [5] .

وقال قتادة السدوسي - رحمه الله تعالى -( أوعدهم الله بالقتل كما تسمعون ؛

فجعلهم بهرجا أينما ثقفوا ) [6] ويرى بعض المفسرين أن هذه الآية قد أومأت إلى

سوء خاتمة أكلة الربا [7] .

3-أن فيه كفرًا لنعمة المال:

لم يكتف المتعامل بالربا بما رزقه الله من مال ، ولم يشكر نعمة الله - تعالى-

به عليه ؛ فأراد الزيادة ولو كانت إثمًا ، فكان كافرًا لنعمة ربه عليه ؛ فمال ماله إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت