(1) انظر العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي 3 \ 135، دار إحياء التراث العربي ط1 سنة 1417 هـ 1996م، وقال: ورد ذكره في إحياء علوم الدين 3 \ 155 .
يصب في خدمة البنوك الربوية .
ولا أريد أن أذكر أسماء في هذا المقام ، ولكن أحيل إلى بعض المراجع لمن أحب الاستزادة والاستفادة (1) .
(1) موقف الشريعة الإسلامية من المصارف \ د. إبراهيم بن عبد الله الناصر، بحوث في الربا \ محمد أبو زهرة. مجلة البحوث الإسلامية، القروض الإنتاجية وموقف الإسلام منها، د. فاروق النبهان، مصادر الحق في الفقه الإسلامي، د. السنهوري 3 \ 68.
الربا .. آثام وأضرار
مجلة البيان - (ج 166 / ص 6)
دراسات في الشريعة والعقيدة
الربا .. آثام وأضرار
إبراهيم بن محمد الحقيل
بناء النفس والأسرة ، وبناء المجتمع والأمة لا يكون إلا باكتساب ، ولا
اكتساب إلا بعمل . والعمل لا يكون إلا بالتعامل مع الآخرين ، سواء كان العمل
والاكتساب مشروعًا أم غير مشروع ، أخلاقيًا أم غير أخلاقي .
وأحكام الإسلام لم تكن كنظريات الاشتراكيين التي ألغت الملكية الفردية ،
وقتلت أبناءها ، وأدت بهم إلى العطالة والبطالة . وهي كذلك ليست رأسمالية تعطي
الحرية المطلقة في الأموال ليسحق الأقوياء والضعفاء ، ويكونوا بمثابة العبيد والخدم
لهم ، والعمال لديهم . كلا ! ليست أحكام الإسلام في التعاملات كذلك ؛ إذ وازنت
بين حق الفرد في الملكية الخاصة وبين حاجة المجتمع بما يحقق التقارب والألفة
والأمن ، فأعطت الفرد حق تنمية ماله بالكسب المشروع ، ولم تحرمه من ابتكارات
في التجارة ما دامت في حدود الحلال . وفي الوقت ذاته أغلقت تشريعات الإسلام
منافذ الاستبداد المالي ، والاحتكار التجاري ، واستغلال الطبقات الفقيرة وحاجاتها
إلى المال ، وفتحت أبواب الإحسان والقرض والصدقة ، والمضاربة المشروعة ..
إلخ .
وفي هذه المقالة عرض لبعض آثام الشرعية ، وأضراره الدينية والدنيوية ؛
تلك الكبيرة من الذنوب التي عمت وطمت في العصر الرأسمالي ، وتمت عولمتها
قبل عولمة أي شيء آخر ؛ إذ إن الربا انتشر في كل بلاد العالم انتشار النار في
الهشيم منذ عشرات السنين ، أي قبل أن يتحدث الناس عن العولمة .
ومع بالغ الأسف فإن انتشار هذه الجريمة النكراء هُوَّن وقعها على القلوب ،
حتى ألفتها فلم تعد تنكرها ؛ بل صار الإنكار على من ينكرها في عصر أصبح
الباطل فيه حقًا ولا حول ولا قوة إلا بالله . ومن كان يظن أن هذه الكبيرة المقيتة
ستوجد لها المسوغات وتوضع لها المبررات ؟ وممن ؟ من شيوخ معممين يحملون
أعلى الإجازات العلمية في الدراسات الإسلامية ، ويتربعون على سدة مناصب
الإفتاء في بلادهم .
وأضحت اليوم كثير من المعاملات المحرمة بالأمس تصنع لها المخارج
الشرعية ، وتتحول تدريجيا من دائرة الحرمة المغلظة إلى الأخف إلى المشتبه ، إلى
مسائل خلافية يجيزها بعض ويحرمها الأكثر ، ثم العكس يجيزها الأكثر ويحرمها
بعض ، حتى يخفت صوت المُحرَّم لها شيئًا فشيئًا فتصبح حلالًا .
ولإقناع جمهور الأمة التائه في غابة تلك التعاملات التي تخرج لنا الآلة
الرأسمالية كل يوم منها عشرات الصور ، عمدت كثير من صروح الربا المشهورة
-التي تحاد الله ورسوله وتعلن الربا صراحة - إلى إقناع الواقفين على عتبتها
مترددين بفتاوى تجيز بعض أساليبهم وتعاملاتهم . تصورها وتوزعها وتعلقها على
جدران الصرح الربوي الشامخ ، وإنها لمهزلة أن يكون سند من يجاهر بحرب الله
ورسوله فتوى خطتها أنامل من يدعو إلى الله - تعالى - وإلى سنة رسوله صلى الله
عليه وسلم .
أضرار الربا الشرعية:
1-الربا من معاملات اليهود والمشركين:
كان من أعظم أمور الجاهلية ، وتعاملاتهم المالية ممارسة الربا وكسب الأموال
عن طريقة ، ولذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعلن إلغاءه على مسمع من الناس
في حجة الوداع حينما خطبهم فقال:( ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي
موضوع ، ثم قال: وربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضع ربانا ربا العباس ابن
عبد المطلب فإنه موضوع كله ) [1] .
واليهود يتعاملون بالربا حتى كان أكلهم له سببًا من أسباب عقوبتهم كما قال
الله - تعالى -:[ فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ
وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ] ( النساء: 160-161 ) .
قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى -:( أي أن الله قد نهاهم عن الربا
فتناولوه وأخذوه واحتالوا عليه بأنواع الحيل وصنوف من الشبه ) [2] .
ولم يفارق اليهود عادتهم القديمة ؛ فأباطرة الربا في هذا العصر وملاك
كبريات مؤسساته ومصارفه هم من اليهود ، وهم الذين أفسدوا اقتصاد العالم ،
ونشروا المعاملات المحرمة ، وحطموا أسعار كثير من العملات ، وأفقروا كثيرًا من
الشعوب .
فمن تعامل بالربا فقد تشبه بأعداء الله - تعالى - من المشركين واليهود ،
وكفى بذلك إثمًا وخسرانا .
2-أنه محاربة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم:
جاء الزجر عن الربا في كتاب الله - تعالى - عنيفًا شديدًا ؛ إذ هو من الذنوب
العظائم القلائل [3] التي وصف اقترافها بمحاربة الله ورسوله .
وإذا كان قطاع الطريق يحاربون الله - تعالى - بإشهار السلاح ، وإزهاق
الأرواح ، واغتصاب الأموال ، وترويع الآمنين ، وقطع السبيل ؛ فإن أكلة الربا
يحاربون الله - تعالى - بدمار المجتمعات ، والإفساد في الأموال مما يؤدي إلى
الفساد في الأرض ، وتوسيع الهوة بين الطبقات مما يلزم منه حدوث الجرائم وكثرة
الخوف ، وقلة الأمن .
إن أكلة الربا لا يرفعون السلاح كما يرفعه قطاع الطريق ، ولا يأخذون المال
عنوة ؛ ولكنهم يمتصون دماء الفقراء وهم يبتسمون لهم ! ! وينتبهون أموال الناس
وهم يربتون على أكتافهم ! !
إنها محاربة ماثلت في بشاعتها محاربة قطاع الطريق ؛ ولكنها أوسع نطاقًا ،
وأكثر تنظيمًا ومخادعة ؛ ففاقت في انتشارها وقبحها رفع السلاح وانتهاب الأموال
بالقوة ، وقد قال الله - تعالى - محذرًا منها:[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا
مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن
تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ] ( البقرة: 278-279 ) .
وويل ثم ويل لمن حارب الله - تعالى - وهو يمشي على أرضه ، ويأكل
رزقه ، وينعم بفضله ، قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: يقال يوم القيامة
لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب [4] . وعنه - رضي الله عنه - قوله في معنى
الآية: [ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ] ( البقرة: 279 ) [5] .
وقال قتادة السدوسي - رحمه الله تعالى -( أوعدهم الله بالقتل كما تسمعون ؛
فجعلهم بهرجا أينما ثقفوا ) [6] ويرى بعض المفسرين أن هذه الآية قد أومأت إلى
سوء خاتمة أكلة الربا [7] .
3-أن فيه كفرًا لنعمة المال:
لم يكتف المتعامل بالربا بما رزقه الله من مال ، ولم يشكر نعمة الله - تعالى-
به عليه ؛ فأراد الزيادة ولو كانت إثمًا ، فكان كافرًا لنعمة ربه عليه ؛ فمال ماله إلى