فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 1226

وهذه الانتقادات دفعت الاشتراكيين في روسيا إلى التزام جانب الاعتدال فاعترفوا بالملكية الخاصة بالأموال الاستهلاكية من أدوات منزلية ونقود وسلع ودخول ومدخرات متأتية من العمل ويحترم ميراث هذه الأشياء. كما أن الروس سمحوا بملكية خاصة لأموال الإنتاج عن طريق قيام مشاريع زراعية صغيرة خاصة بالفلاحين ومشروعات حرفية للصناع، وكذلك أجازو للأفراد مزاولة المهن الحرة كالطب والكتابة والفن، وبالرغم من محاولات إصلاح هذا النظام وتدارك سلبياته وعيوبه، فلم يكتب له النجاح، حتى أدى أخيرًا إلى سقوطه كنظام اقتصادي شامل في عهد جورباتشوف رئيس جمهوريات الاتحاد السوفييتي عام 1989م في خطته المسماة بالبيروستريكا أي إعادة البناء والإصلاح.

الفروق الأساسية بين الفكر الإسلامي والفكر الماركسي:

من أهم هذه الفروق مايأتي:

أولًا - إن الفكر الماركسي فكر ملحد يقوم على أساس المادة، وأن المادة وتطور قوى الإنتاج هو الذي يحدد علاقات الأفراد ويصنع تطور المجتمع. بخلاف الأمر في الإسلام فهو فكر مؤمن بالله وحساب اليوم الآخر، وإن خشية الله تعالى وابتغاء مرضاته والتزام تعاليم الإسلام، هي التي تصوغ علاقات الأفراد بعضهم ببعض وتحدد مسار المجتمع.

ثانيًا - إن الفكر الماركسي يستهدف إلغاء الملكية الخاصة، لتحل محلها الملكية العامة أيًا كانت صورتها: ملكية الدولة ( قطاع عام ) أو ملكية الجماعة (ملكية جماعية أو تعاونية) بخلاف الأمر في الإسلام، فالتأميم ليس هدفًا، وإنما هو وسيلة. وتبدو أهمية هذا الفارق في أن الملكية العامة في الاقتصاد الماركسي هو الأصل، والملكية الخاصة هي استثناء، أما في الاقتصاد الإسلامي فالملكية الخاصة والملكية العامة كلاهما على السواء أصل. فإن الإسلام أقر الملكية الخاصة، وفرض عليها عدة قيود، كما أنه أوجد منذ أربعة عشر قرنًا الملكية العامة بالقدر الذي تتطلبه احتياجات المجتمع وقتئذ ودرجة تطوره الاقتصادي، ومن قبيل ذلك أرض الحمى للرعي.. والوقف الخيري.. ومؤسسات المساجد، وانتزاع الملكية الخاصة من أجل توسيعها.. وموقف عمر من الأراضي المفتوحة ورفض تمليكها للفاتحين، وتحويلها إلى ملكية جماعية. ويمكن فقهًا التوسيع من دائرة أي نوع من الملكية بحسب ظروف الزمان والمكان.

ثالثًا ـ إن الفكر الماركسي يقوم على أساس الصراع بين الطبقات، وإقامة دكتاتورية الطبقة الواحدة وهي طبقة البروليتاريا (العمال) . وفي حين إن الفكر الإسلامي يقوم على أساس تعاون جميع أفراد المجتمع، وإقامة تحالف قوى الشعب العاملة.

وقد استطاع المسلمون الروس مثل سلطان جالييف وحنفي مظهر التوفيق بقدر الإمكان بين الاشتراكية والإسلام، وحاولوا إقناع القادة الروس بما يعارض الإسلام.

أولًا ـ أوضح سلطان جالييف أنه لا علاقة بين المادية والاشتراكية، وأن محاولة الربط بين التفسير المادي للكون الذي يرفض الدين بالضرورة وبين الاشتراكية هي محاولة لا ضرورة لها ولا محل لها، فقد يكون المادي (الملحد) اشتراكيًا وقد يكون غير اشتراكي. كما أن الاشتراكي قد يكون ماديًا أو غير مادي. ثم إن التصور المادي للوجود والقول بأن المادة هي سبب كل موجود هو من قبيل التصورات الميتافيزيقية، وهو على هذا النحو نوع من عملية الاستبدال بإله حقيقي هو الله إلهًا آخر هو المادة. وقد بدأ كثير من الماركسيين يسلمون بهذه الحقيقة.

ثانيًا ـ وأظهر سلطان جالييف أن إلغاء الملكية الخاصة والتأميم الكامل ليس هدفًا في ذاته، وليس هو السبيل الوحيد للاشتراكية، وإنما المهم هو سيطرة الشعب على أدوات الإنتاج. وقد اعتنق هذا الاتجاه المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي سنة 1956.

ثالثًا ـ أبرز سلطان جالييف أنه بعد انتصار الثورة البلشفية، لم يعد هناك محل لفكرة صراع الطبقات أو الكراهية، كما لم يعد هناك محل لتمييز العمال على الفلاحين، أو إقامة دكتاتورية الطبقة الواحدة. وحل محل كل ذلك فكرة تعاون أفراد المجتمع، وإقامة تحالف قوى الشعب العاملة. وقد أخذت بذلك دول أوربا الشرقية.

رابعًا ـ يرى سلطان جالييف أن المجال الحيوي لثورة أكتوبر البلشفية هو الشرق وليس الغرب (1) .

ثانيًا ـ وظيفة المال وحق الملكية الفردية والقيود الواردة عليه في الإسلام: المال في الحقيقة لله سبحانه وتعالى كما قال: {لله ملك السموات والأرض وما فيهن} [المائدة:120/5] والناس جميعًا عباد الله ، فهم شركاء في توزيع المال، سواء تمثّل هذا المال في سلعة اقتصادية أو في سلعة حرة، وتملك الإنسان للمال يعتبر تملكًا مجازيًا، أي إنه مؤتمن على المال ومستخلف فيه ونائب أو خليفة عن الله فيه لقوله تعالى: {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} [الحديد:7/57] {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} [هود:61/11] {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض، ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم} [الأنعام:165/6] {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا} [البقرة:29/2] .

ويترتب على هذا التصور للمال واستخلاف الإنسان فيه، أو وكالته عليه أنه يجب التقيد بأوامر الله تعالى، في التملك حسبما يريد صاحب الملك الحقيقي. والناس على السواء لهم حق في تملك خيرات الأرض، والمال ليس غاية مقصودة لذاتها، وإنما هو وسيلة للانتفاع بالمنافع وتأمين الحاجات، وإذا كانت الخلافة عن الله في المال للجماعة، فإن الملكية الخاصة تعتبر أسلوبًا من أساليب قيام الجماعة بمهمتها في الخلافة، وإن لها صفة اجتماعية، لا صفة حق مطلق وسيطرة واستبداد. وللجماعة حق مراقبة ذوي الملكيات الخاصة لاستخدامها في سبيل الصالح العام، فيعتبر صاحب المال حينئذ مسؤولًا أمام الله عن ماله، ومسؤولًا أمام الجماعة أيضًا.

وليس المال مقياسًا للاحترام والتعظيم، ولا لاحتكار النفوذ ، فمن قواعد فقهنا: «من عظم غنيًا لماله وغناه فقد كفر» .

بهذه النظرة الإسلامية إلى المال بأنه وسيلة لا غاية مقصودة لذاتها، ولا للتجميع والتكديس، يدق الإسلام أول معول في هدم الرأسمالية الظالمة.

وأما حق الملكية في الإسلام فهو نزعة فطرية وحق شخصي أقرته الشريعة وصانته الديانات السماوية، لقوله تعالى: { زُيِّن للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة} [آل عمران:14/3] {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء:29/4] {والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم} [المعارج:24/70-25] .

وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم» «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه» «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» (2) .

إلا أن هذا الحق الشخصي مقيد بقيود كثيرة ستذكر قريبًا، ومن أهمها عدم جواز الإضرار بالغير، مما يدل على أن لحق الملكية الفردية في تقدير الإسلام صفتين مزدوجتين: صفة الفردية وصفة الجماعية العامة في وقت واحد.

(1) - من مقال الدكتور محمد شوقي الفنجري في مجلة العربي عدد 180 سنة 1973م.

(2) - الحديث الأول أخرجه البخاري ومسلم عن أبي بكرة رضي الله عنه، والحديث الثاني أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. والحديث الثاني أخرجه الدارقطني عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت