وقولنا:"التي تحتاج إلى حكم شرعي"يخرج الحوادث التي استقر فيها الرأي واتفق على حكمها .
تعريف الزكاة
الزكاة في اللغة: تطلق على معاني منها: النماء والزيادة و التطهير و المدح .
أما في الاصطلاح: هي إخراج نصيب مقدر شرعًا في مالٍ معين لأصناف مخصوصة على وجه مخصوص .
حُكم الزكاة
تعتبر الزكاة الركن الثالث من أركان الإسلام ، وقد قرنها الله عز وجل في كتابه بالصلاة فيما يقرب من اثنتين وثمانين موضعًا .
والأدلة عليها كثيرة جدًا من كتاب الله وسنة رسوله r من ذلك:
* قوله تعالى: aوَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ? .
* حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين أن النبي r قال:« بني الإسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا ) (1) .
* وأجمع المسلمون على فرضيتها (2) .
حُكم تارك الزكاة
من ترك الزكاة لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يتركها جاحدًا لوجوبها نقول هذا كافر لأنه مكذب لله ولرسوله r ولإجماع المسلمين حيث دل الكتاب ودلت السنة على أن الزكاة فرض والمسلمون أجمعوا على فرضيتها .
الأمر الثاني: أن يتركها بخلًا وكسلًا فهل هذا يكفر أو لا يكفر ؟ هذا موضوع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله .
أكثر العلماء على أنه لا يكفر وهذا القول هو الصواب ويدل لذلك ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي r لما ذكر تارك الزكاة وذكر عقوبته في الآخرة قال النبي r: « ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار » .
حِكم الزكاة
الزكاة لها حِكم كثيرة ومقاصد شرعية كبيرة منها:
1-التعبد لله U بإخراج هذا النصيب من المال .
2-الاستجابة لأمر الله ولأمر رسوله r ، كما في قوله تعالى: a وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ? ، وكذلك كما تقدم من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما .
3-شكر الله U على نعمة المال ، فإن الله U أنعم عليك بهذا المال فمن حكم الزكاة ومقاصدها أن تشكره بإخراج جزء من هذا المال لأهله المستحقين والله U يقول: a وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ? (3) .
4-تطهير المزكي من البخل والشح والطمع والتعلق بالدنيا وتحليته بمحاسن الأخلاق ومكارم العادات بالجود والكرم والبذل والله U يقول: aخُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ? (4) .
5-أنها تطهر الفقير من الغل والحسد وما قد يحدثه الشيطان في قلب هذا الفقير على أقدار الله وحكمه فقد يكره قضاء الله وقدره وقد يحسد أخاه الغني وقد يغل عليه ويدل لهذا الآية السابقة aخُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا? فقوله سبحانه وتعالى aتُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا? تطهير للغني وتطهير أيضًا للفقير .
6-تطهير المال المزكى ويحفظ عنه الآفات والمصائب إذا خرج هذا القدر من المال ويدل لذلك ما تقدم عند قوله U aتُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا?،وكذلك أيضًا النبي r وصف الزكاة بأنها أوساخ الناس مما يدل على أن المال يتطهر بإخراج هذا الجزء المعين من المال .
7-مواساة الغني للفقير .
8-طهارة المجتمع بالكلية .
9-ما يحصل من رفعة الدرجات وتكفير السيئات وزيادة الحسنات وفي حديث معاذ أن النبي r قال: « الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار » (5) .
ويقول r: «كل أمريء في ظل صدقته يوم القيامة » ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه . والآثار في ذلك من القرآن والسنة كثيرة جدًا .
10-ما يحصل من تكافل المجتمع .
المسائل المتعلقة بنوازل الزكاة:
المسألة الأولى:: ما يتعلق بزكاة الأوراق النقدية
وهذا تحته مسائل:
1-مراحل تعامل الناس في البيع والشراء قبل تعاملهم بالأوراق النقدية والسندات الموجودة الآن:
المرحلة الأولى:
كان الناس في بداية الحياة البشرية يتبادلون الأشياء عن طريق المقايضة ، مثال ذلك: إذا احتاج شخص إلى ثوب عند التاجر فإنه يذهب ويعطيه كتابًا أو برًا مثلًا ويأخذ هذا الثوب ، وهكذا هذه هي المرحلة الأولى.
المرحلة الثانية:
ومع مرور الزمن وجد الناس أن المقايضة فيها شيئًا من الصعوبة ، فانتقلوا إلى المرحلة الثانية وهي أنهم خصصوا بعض السلع من المواد الغذائية وكذلك أيضًا الجلود لكي تكون ثمن الأشياء عند المبادلة ، فإذا أراد أن يشتري المشتري مثلًا كتبًا أعطى للبائع جلدًا وأخذ الكتاب وإذا أراد أن يشتري ثوبًا أعطاه برًا أو تمرًا وأخذ الثوب .
المرحلة الثالثة:
ومع مرور الزمن وجد الناس أن هذا العمل أيضًا فيه شيء من الصعوبة إذ أنه يحتاج إلى نقل فانتقلوا إلى المرحلة الثالثة وهي أنهم عمدوا إلى الذهب والفضة فجعلوهما أثمانًا عند البيع وعند مبادلة الأموال وسُبِكت هذه المعادن الثمينة وختمت لكي لا يدخلها الغش فظهر ما يسمى بالدينار - والدينار قطعة من الذهب - وظهر ما يسمى بالدرهم - والدرهم قطعة من الفضة- ، فأصبح الناس يبيعون ويشترون وتكون الأثمان هي هذه الدراهم والدنانير .
المرحلة الرابعة:
ثم بعد ذلك تطور الأمر فالتجار لما حصل عندهم مثل هذه الدراهم والدنانير وكثرت في أيديهم خشوا عليها من السرقة فأودعوها عند الصاغة والصيارفة وأخذوا مقابل هذا الإيداع سندًا ، وأن هذا التاجر له عند هذا الصائغ مقدار كذا وكذا من الذهب ومقدار كذا وكذا من الفضة. الآن أصبحت السندات بأيدي الناس والناس يثقون بهذه السندات وأنها تقابل ذهبًا أو تقابل فضةً عند هؤلاء الصيارفة والصاغة لهذا التاجر فوثقوا في مثل هذه السندات فأصبحوا يستعملون هذه السندات في البيع والشراء فظهر عندهم ما يسمى الآن بالأوراق النقدية .
ولما ظهرت هذه السندات أصدرت الدول قانونًا يُلزم الناس بقبول التعامل بمثل هذه السندات وذلك عام 1254هـ ، وكانت هذه السندات التي أصدرتها الدول وأخذت بها في أول الأمر تغطى غطاءً كاملًا بالذهب فالدولة إذا أصدرت هذا السند مثلًا فئة الريال أو المئة ريال تكتب عليه أنها تتعهد لحامله كذا وكذا من الذهب أو كذا وكذا من الفضة .
المرحلة الخامسة:
ثم بعد ذلك تطور الأمر لما احتاجت الدول إلى النقود ، فطبعت الدول كميات كبيرة تفوق ما عندها من الذهب فأصبحت هذه الأوراق النقدية لا تكون مغطاة بالذهب إلا في حالة واحدة فقط وهي عند تعامل الدول بعضها مع بعض، فإنها إذا أرادت أن تتعامل دولة مع دولة تقوم بتحويل هذه الأوراق النقدية على ذهب أي توفر الغطاء الذهبي لهذه الأوراق النقدية, والدولة تحمي مثل هذه الأوراق النقدية ، ووثق الناس بهذه الأوراق النقدية واتخذوها ثمنًا للسلع .
المرحلة السادسة:
ثم بعد ذلك تطور الأمر فلجأت بعض الدول الكبيرة إلى إلغاء مثل هذا التعامل وذلك في عام 1392هـ فأصبحت هذه الأوراق النقدية أيضًا يتعامل بها حتى على المستوى الدولي ولا تكون مغطاة بالذهب .
2-التكييف الفقهي لهذه الأوراق النقدية وهل تجب فيها الزكاة:
اختلف فيها العلماء رحمهم الله في تكييفها وما هي هذه الأوراق ؟ هل هي عروض تجارية ، وهل هي بدل الذهب والفضة ، وهل هي سند بدين على مُصدره لحامله ؟ اختلف المتأخرون في تكييف هذه الأوراق النقدية على أقوال: