القول الأول: بأن هذه الأوراق النقدية تعتبر سندًا بدين على مصدرها لحاملها ، مثلًا ورقة مئة ريال أصدرها البنك المركزي أو مؤسسة النقد فحامل هذه المئة ريال يستحق دينًا بمقدار الرقم المكتوب على هذا السند على من قام بإصدارها: إما مؤسسة النقد أو البنك المركزي في هذه الدولة .
ذهب إليه بعض المتأخرين واستدلوا على ذلك: بأن الحكومات تلتزم بهذه الأشياء فدل ذلك على أنها ديون .
القول الثاني: قالوا بأن هذه الأوراق النقدية هي من عروض التجارة ، وليس لها وصف الثمنية مثل: الكتب ، ومثل الثياب .
واستدلوا على ذلك قالوا بأن هذه الأوراق النقدية ليست ذهبًا ولا فضة ولا مكيلًا ولا موزونًا فهذه عروض تجارة .
وهذا القول من أضعف الأقوال لأننا لو قلنا بأنها عروض تجارة يؤدي ذلك إلى عدم وجوب الزكاة فيها وكذلك يترتب على ذلك عدم جريان الربا في هذه الأوراق .
القول الثالث: أن هذه الأوراق النقدية بدل عن الذهب ،والفضة .
واستدلوا على ذلك: بأن التعامل في الأصل في الذهب والفضة ثم خرجت هذه الأوراق النقدية فقالوا بأن البدل له حكم المبدل فأخذت حكمها .
القول الرابع و الأخير: أن هذه الأوراق النقدية عبارة عن نقد مستقل قائم بذاته يجري عليه ما يجري على الذهب والفضة من الأحكام .
وهذا القول هو قول أكثر العلماء وبه أفتت هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية وكذلك أيضًا هو قرار المجمع الفقهي بمكة المكرمة وكذلك أيضًا هو قرار مجمع الفقه الإسلامي وهذا القول هو الصواب .
فنقول بأن هذه الأوراق عبارة عن نقد مستقل قائم بذاته يجري عليه ما يجري على الذهب والفضة من الأحكام .
ويترتب على ذلك: أن الزكاة تجب في هذه الأوراق النقدية كما أن الزكاة تجب في الذهب والفضة ، وإن لم يحركها بالبيع والشراء كما أن الإنسان لو كان عنده ألف جنيه أو ألف سبيكة من سبائك الذهب تجب فيها الزكاة ، بخلاف من قال: بأنها عروض تجارة مثل الكتب ومثل الألبسة فهذه لا تجب فيها الزكاة إلا إذا كان يباع ويشترى فيها فقط .
والصواب أنها نقد قائم بذاته وأن الزكاة واجب فيها ويجري عليها ما يجري على الذهب والفضة من الأحكام ، ويستثنى من ذلك حلي النساء على الخلاف المعروف ما عدا ذلك تجب الزكاة في ذاتها .
3-نصاب الأوراق النقدية:
اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في نصاب الأوراق النقدية . هل يقدر بالذهب أو يقدر بالفضة أو يقدر بالأحظ للفقراء من الذهب والفضة , المتأخرون لهم في ذلك ثلاثة أراء:
الرأي الأول: قالوا بأن نصاب الأوراق النقدية يقدر بالفضة يعني إذا بلغ نصاب الفضة وجبت فيه الزكاة وإذا لم تبلغ نصاب الفضة لا تجب فيها الزكاة . واستدلوا على ذلك:
* بأن التقدير بالفضة مجمع عليه لثبوت الفضة .
* لأن هذا أنفع للفقراء لأن الغالب أن الفضة هي أرخص من الذهب .
الرأي الثاني: أن هذه الأوراق يقدر نصابها ببلوغ نصاب الذهب واستدلوا على ذلك:
* بأن قيمة الذهب ثابتة لا تتغير بخلاف قيمة الفضة فإنها تهبط .
الرأي الثالث: أنه ينظر إلى الأحظ للفقراء من الذهب أو الفضة ، واستدلوا على ذلك:
* أن الشريعة جاءت بإثبات نصاب الذهب ، وإثبات نصاب الفضة .
* ولأنه أحوط وأبرأ للذمة وأنفع للفقراء .
وهذا القول هو الأقرب ، نقول: بأن نصاب هذه الأوراق النقدية يعتبر بنصاب الذهب أو نصاب الفضة بنظر الأقل منهما ، فينظر للأقل من نصاب الذهب أو نصاب الفضة .
وعلى هذا إذا أردت أن تخرج نصاب الأوراق النقدية اليوم بالريالات السعودية أو بالجنيهات المصرية أو بالجنيهات السودانية أو غير ذلك من هذه العملات ، فإنك تنظر لنصاب الفضة كم يساوي اليوم وتنظر أيضًا إلى نصاب الذهب كم يساوي بالأوراق النقدية ، فنصاب الفضة بالغرامات يساوي: خمس مئة وخمسة وتسعين (595) جرامًا من الفضة .
وأما نصاب الذهب بالغرامات يساوي: خمسة وثمانون (85) جرامًا على الصحيح وهو موضع خلاف ؛ الدينار يساوي مثقال .
و اختلف العلماء رحمهم الله في وزن المثقال بالجرامات: قيل ثلاث ونصف (3.5) جرامًا ، وقيل ثلاث وستين (3.60) جرامًا ، وقيل أربعة وربع (4.25) جرامًا ، وهذا القول هو الأقرب أنه أربعة وربع جرامًا ، فعندنا نصاب الذهب يساوي عشرين مثقالًا فنضرب أربعة وربع في عشرين مثقال يساوي خمسة وثمانين جرامًا من الذهب (4.25×20= 85 جرامًا ) .
وأما نصاب الفضة فيساوي خمس مئة وخمسة وتسعين (595) جرامًا من الفضة ، ونصاب الذهب يساوي 85 جرامًا من الذهب .
فإذا قلنا أن المعتبر هو نصاب الفضة نصاب ، فكم يساوي غرام الفضة اليوم ؟ الظاهر أن غرام الفضة ما يقرب من ريال ، ولنفرض أنه ريال فيكون نصاب الأوراق النقدية: فنضرب الريال بعدد الغرامات فيساوي خمس مئة وخمسة وتسعين (595) ريال (595جرامًا × 1 ريال = 595 ريالًا ) فالذي عنده من الأوراق النقدية نصاب خمس مئة وخمسة وتسعين (595) ريالًا وجبت عليه الزكاة ، والذي عنده أقل من هذا النصاب فلا تجب عليه الزكاة.
وإذا قلنا أن المعتبر هو نصاب الذهب: فنصاب الذهب اليوم مرتفع ، وسمعت أنه وصل الغرام الواحد إلى سبعين ريالًا: فنضرب خمسة وثمانين جرامًا من الذهب في سبعين ريالًا فيساوي خمسة آلاف وتسعمائة وخمسين (5950) ريالًا .
فإذا قلنا بأن المعتبر نصاب الذهب فلا تجب الزكاة في هذه الأوراق النقدية حتى تبلغ هذا المقدار وهو خمسة آلاف وتسع مئة وخمسين (5950) ريالًا سعودي ، لكن إذا قلنا أن المعتبر هو نصاب الفضة فتجب الزكاة إذا بلغت هذه الأوراق النقدية خمس مئة وخمسة وتسعين (595) ريالًا . فأيهما الأحظ للفقراء فهل بأن نقدر بالذهب أو نقدر بالفضة ؟ نقول: نقدر بالفضة فالأحظ اليوم ومن زمان قديم أن الأحظ هو الفضة .
وعلى هذا إذا أردت أن تعرف مقدار نصاب الأوراق النقدية عليك أنك تسأل كم قيمة الغرام الفضة فإذا قيل لك إن غرام الفضة يساوي ريالًا أو ريالين فاضربه في خمس مئة وخمسة وتسعين (595) جرامًا من الفضة وحينئذ يتبين لك كم مقدار النصاب في هذه الأوراق النقدية ، ومثل ذلك أيضًا العملات الأخرى: الجنيه المصري أو الجنيه السوداني أو الليرة اللبنانية أو السورية فاضرب هذا الجنيه أو الليرة بخمس مئة وخمسة وتسعين غرامًا من الفضة ويخرج لك نصاب الأوراق النقدية بتلك العملة .
المسألة الثانية: ما يتعلق بزكاة الراتب الشهري
تعريف الراتب الشهري: هو الأجر الذي يتقاضاه الأجير الخاص مقابل عمله كل شهر وهذا هو الغالب الآن على الموظفين فإنهم يأخذون أجورًا شهرية لا سنوية ولا كل شهرين.
بالنسبة للراتب الشهري لكي نعرف كيف تكون زكاته لا بد أن نبين المال المستفاد في أثناء الحول هل يستأنف له حول مستقل أو أن حوله حول المال الذي عنده ؟.
الأموال المستفادة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يكون المال المستفاد ربح تجارة أو نتاج سائمة:
فإذا كان ربح تجارة أو نتاج سائمة فحوله حول أصله ، ولنضرب مثالًا على نتاج السائمة: هذا رجل عنده خمس من الإبل سائمة ابتدأ عليها الحول من محرم ، وفي شهر ذي الحجة في آخر السنة أنتجت خمسًا أخرى فالخمس الثانية هذه هل لها حول مستقل أو نقول حولها حول أصلها ؟ نقول حولها حول أصلها وحينئذ إذا جاء شهر محرم نقول يزكي عن عشر من الإبل مع أن الخمس الجديدة هذه من الإبل ما مكثت عنده إلا شهرًا .