ويمنع الذمي من أكل الربا في دار الإسلام ، ولو كان المدين ذميا مثله ، أو كان ممن يدينون بحل الربا في بعض مدايناتهم ، كاليهود في الديون التي يعقدونها مع سواهم ، وكفريق النصارى المصلحين . وقد قدمنا ما ثبت في عهود رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الذميين من تحريم الربا عليهم .
وما يراه بعض المحدثين من الترخيص في أخذ المسلمين فوائد أموالهم التي يودعونها المصارف الأجنبية بالبلاد غير الإسلامية ، لا يستند إلى دليل من الكتاب ولا السنة ، ولا يسوغه أن لا يأخذ المودع الربا لنفسه وأن يدفعه إلى بيت مال المسلمين خدمة لصالحهم العام ، ذلك أنهم يغفلون عن أثر الربا ، في تخبط آكليه وما يوهنه من رشدهم بعزلهم عن مجالات تثمير ما يرزقون ، وفي فقد دار الإسلام ثمرات الأموال الخارجة منها إلى البلاد الأجنبية ابتغاء هذا الاستغلال المحرم ، الذي لا يبلغ ما يفيء منه قدر تلك الثمرات ، وإلا ما تهافتت تلك المصارف على اجتذاب المسلمين بشتى وسائل الإغراء إلى دفع أموالهم إليها .
ولا حجة لهؤلاء القائلين فيما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة من جواز الربا بين المسلم والحربي في دار الحرب ، ولا فيما عند الشيعة الإمامية من أن الربا لا يقع بين المسلم والحربي ، سواء في دار الحرب أو في دار السلام ، إذا أخذ المسلم الفضل ، وإنما يكون حراما إذا أعطى المسلم الفضل؛ فقد رد الشافعي بأن ما احتج به أبو حنيفة من الحديث عن مكحول رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب » "أو" « لا ربا بين أهل الحرب وأهل الإسلام » ، ليس هذا الحديث بثابت ، ولا حجة فيه ، فإنه لو صح لتأولناه على أنه لا يباح الربا في دار الحرب جمعا بين الأدلة .
وما استند إليه بعض الحنفية من أن مال الحربي ليس بمعصوم ولا مضمون حقا لصاحبه ، بل هو مباح بنفسه ، فإذا بذله باختياره عن تراض فقد صح أخذه ، والحربي ليس مخاطبا بفروع شريعة الإسلام- رده الشافعية بأنه لا يلزم من كون أموال الحربيين تباح بالاغتنام أنها تستباح بالعقد الفاسد ، وإذا كان الحربي غير مخاطب بفروع الشريعة في تصرفه فالمسلم مخاطب بها فيه ، وقيل حديثا: إن رأي الحنفية إنما يكون واردا إذا كان المسلم هو الذي يأخذ الفضل ، كما اشترط الإمامية ، ولا يصح إذا أعطى المسلم الفضل .
ونجد في كل ذلك خلطا بين زيادة القيمة التي يقع بها الغبن ويصيب بها المتعاقد خيرا مما أعطى ، وبين ربا الفضل ، وهو كما بينا زيادة مقدار فحسب ، لا تقتضي زيادة في قيمة أحد البدلين ، ليصح اشتراط أن يأخذها المسلم ، وقد يضاربها . فقد يكون البدل الأكبر مقدارا أقل قيمة لشدة رداءته من البدل الأصغر وزنا أو كيلا لبالغ جودته . وإذ يدور هذا الخلاف على ربا الفضل في البيوع ، فالحنفية يتحدثون عن جواز بيع الدرهم بدرهمين ، ولا نجد من قول لديهم في ربا الدين يبيح للمسلم أن يأكل هذا الربا من دين يقترضه حربي منه بدار الحرب ، وإذ لا يحل للمسلمين أن يتصدقوا على أهل دار الحرب ، وفي إخوانهم بأرجاء دار الإسلام محاويج ، وإذ كان القرض في النوع هو من قبيل الصدقات؛ فإنه لا يجوز لمسلم أن يذر أمواله بمصارف البلاد غير الإسلامية ولا أن يوظف شيئا من هذه الأموال في السندات ونحوها مما تقترض به حكومات تلك البلاد ديونها العامة . ولا تتم توبة من يفعل ذلك من المسلمين إلا باسترداد رءوس أموالهم من الخارج ، لتفيد أمتهم من تثميرها بين أهلها بالطرق الإسلامية المشروعة ، وينتهي اقتراض بعض البلاد الإسلامية من تلك المصارف الأجنبية التي تتقاضاها من الربا ما يزيد مقداره كثيرا على ما تدفعه هذ5 المصارف من يسير الربا إلى أرباب الودائع المسلمين ، ويخلص ذلك الكسب الطائل للمرابي الأجنبي من مجرد الوساطة بين أخوين مسلمين خالفا عن حكم الله تعالى في تحريم الربا أكلا وإيتاء ، فحاقت بكليهما شروره ، ولم تذر شيئا من فضل حقيقي فيما يأكله المودع المسلم من ربا عن قرضه للحربي يسوغ الترخيص للمسلم في ذلك .
وحظر أكل ربا الدين على المسلم من غير المسلمين بالخارج لا يرجع فيما نرى إلى أن الإسلام ينهى عن التعصب ، يقول تعالى: { وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } (1) ( سورة المائدة ، 9 ) ولا إلى ما فرضه الإسلام من أداء الأمانات إلى أهلها ولو كانوا غير مسلمين ، ونعيه على اليهود ما استحصلوا من بخس الأميين حقوقهم . ولكنا نجد ، مما قدمنا من خصائص الربا وحكمه ، أن ربا الدين لا يتعلق بالعدل بين طرفي المداينة ولا بأداء الدين ذاته ، بل يبتغي الرشد المالي والاجتماعي والسياسي للفرد دائنا كان أو مدينا ، ويرقى بالأمة إلى خير تنظيم في تلك المجالات المتكاملة كلها ، ويكون التعامل بربا الدين في ذاته من قبيل إلقاء النفس إلى التهلكة والعدوان على رشدها ومالها ، ويتعين على المسلم ألا يقرب الربا ، لا إيتاء ولا أخذا ، ولو من حربي في خارج بلاد الإسلام ليحفظ على المسلم رشده ويحفظ أمته ما تستحقه من تنمية بأمواله .
(1) سورة المائدة الآية 8
من نتائج اختلاف الربوين الإسلامي واليهودي
أما وقد تبين الاختلاف بين أحكام الربا التي شرعها الإسلام اختلافا كبيرا عن أحكام الربا عند اليهود الذين يرون الربا في كل دين مؤجل من قرض أو بيع تكون زيادة فيه بسبب التأجيل ، بينما جاء الإسلام بأحكام للربا كثيرة تنظم البيوع الحاضرة ، مما لا عهد لليهود به ، وفي ربا الديون الذي يعرفون أهله ، قصر التحريم على شطر مما عندهم ، هو ربا القرض ، وأحل شطرا مما يحرمون ، فأباح عوض التأجيل في البيوع ، وأحكم توثيق الائتمان سواء التجاري وغير التجاري ، وكفل للأفراد في أموال الأغنياء من أهليهم وفي خزانة الدولة نفقاتهم التي تسد حاجات معيشتهم وعزز موارد الائتمان غير التجاري من الزكاة والصدقات ، بما ييسر نفاذ تحريم الربا فيه . فإن من شأن من يحيط علما بكل أولئك أن يشهد بنتائج شتى من أهمها: أولا: أن ما تضمنته الشريعة الإسلامية من نسخ بعض ما يعلمه اليهود وتفصيل ما لم ينسخ وإكماله بوجه لا يسعه فقههم- يدحض كل تشكيك في وحي الإسلام ، ويفند كل زعم بأخذه شيئا من اليهود ، ويقطع بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويظهر ما أتى به من الأحكام على ما اقتضت حكمة الله تعالى نسخه من فروع شريعة اليهود .
ثانيا: وجوب دراسة الأحكام الإسلامية الاقتصادية في مصادرها الأولى بالقرآن والسنة دراسة مستقلة متعمقة تحصى فيها أحكام الإسلام على حقيقتها المتميزة ، ثم يأتي من بعد الإحاطة بها دور البحث المقارن بينها وبين سائر الشرائع ، فيفقه الدارسون الفروق بين أحكامها وما في غيرها ، ولا يقعون في خلط يجره التجوز في إطلاق مصطلحات لا يعرفها فقه الشريعة ولا تصدق على مسمياتها ، ولا يبلغ بها الباحث الغاية من تفهم دقائق أحكامها .