5 -تسميته كفارا أي مبالغا في كفر النعمة بقسوته على العاجز عن القضاء واستغلاله لما يعرض له من الضرورة بدلا من إنظاره وتأخير دينه إلى الميسرة وإسعافه بالصدقة أو كفار الكفر المخرج من الملة إن استحله .
6 -تسميته أثيما وهي صيغة مبالغة من الإثم , وهو كل ما فيه ضرر في النفس أو المال أو غيرهما .
7 -إعلامه بحرب من الله ورسوله ؛ لأنه عدو لهما إن لم يترك ما بقي من الربا .
8 -وصفه بالظلم في قوله: { فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ } (3) .
9 -عد النبي صلى الله عليه وسلم إياه من أهل الموبقات وهي أكبر الكبائر كما في الصحيحين (4) .
10 -ورود عدة أحاديث صحيحة في لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه .
11 -ورود أحاديث كثيرة في الوعيد الشديد عليه ، منها: أن « درهما من ربا أشد من ثلاث وثلاثين زنية في الإسلام » (5) , وفي بعضها ست وثلاثين زنية , وفي بعضها بضع وثلاثين وفي بعضها « الربا اثنان وسبعون بابا أدناها مثل إتيان الرجل أمه » (6) .
(1) سورة البقرة الآية 276
(2) سورة البقرة الآية 276
(3) سورة البقرة الآية 279
(4) صحيح البخاري 5 \ 294 ، وصحيح مسلم الحديث 89 .
(5) مسند أحمد بن حنبل (5/225) .
(6) سنن ابن ماجه التجارات (2274) .
مقارنة بين الربا والميسر
تحريم الربا أشد من تحريم الميسر الذي هو القمار ؛ لأن المرابي قد أخذ فضلا محققا من محتاج , والمقامر قد يحصل له فضل وقد لا يحصل له , فالربا ظلم محقق لأن فيه تسلط الغني على الفقير بخلاف القمار فإنه قد يأخذ فيه الفقير من الغني وقد يكون المتقامران متساويين في الغنى والفقر , فهو وإن كان أكلا للمال بالباطل وهو محرم فليس فيه من ظلم المحتاج وضرره ما في الربا ، ومعلوم أن ظلم المحتاج أعظم من ظلم غير المحتاج (1) .
(1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ص341 -347 .
متى حرم الربا:
قد كان تحريم الربا قديما وقد ذكر الله تحريمه على اليهود حيث يقول سبحانه: { فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا } (1) { وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ } (2) (3) .
إلا أن العلامة القرطبي (4) يرى أن المراد بالربا المذكور في حق اليهود عموم الكسب المحرم ولم يرد به خصوص الربا الذي حكم بتحريمه علينا , وإنما أراد المال الحرام كما قال تعالى: { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ } (5) يعني به المال الحرام من الرشا وما استحلوه من أموال الأميين حيث قالوا: { لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ } (6) وعلى هذا فيدخل فيه النهي عن كل مال حرام بأي وجه اكتسب , وكان الربا معروفا في الجاهلية عند العرب ، وقد ذكره الله تعالى في"سورة الروم"وهي مكية نزلت قبل الهجرة ببضع سنين مقرونا بذمة ومدح الزكاة وذلك قبل فرض الزكاة كما في قوله تع الى: { وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ } (7) , وقد جاء في السور المكية بيان أصول الواجبات والمحرمات بوجه إجمالي كما في هذه الآية , ثم قال تعالى في سورة آل عمران: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (8) ثم نزلت آيات"سورة البقرة"المشتملة على الوعيد الشديد قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بقليل (9) ويستمر تحريمه إلى يوم القيامة .
(1) سورة النساء الآية 160
(2) سورة النساء الآية 161
(3) النساء الآيتان: 160 ومن الآية 161 .
(4) تفسير القرطبي ص348 ج 3 .
(5) سورة المائدة الآية 42
(6) سورة آل عمران الآية 75
(7) سورة الروم الآية 39
(8) سورة آل عمران الآية 130
(9) الربا والمعاملات في الإسلام ص57 - 58 بتصرف .
هذا تاريخ الربا عبر التاريخ وكابوسه الثقيل على الأمم وموقف الشرائع السماوية منه ومحاربته لإنقاذ البشرية من ويلاته , ولكن يأبى الذين استحوذ عليهم الشيطان واستولى عليهم الشح إلا عتوا ونفورا ليستمروا على التحكم بأموال الناس بغير حق .
3-المقارنة بين الربا والصدقة:
قد جعل الله سبحانه الربا ضد الصدقة فالمرابي ضد المتصدق , قال تعالى: { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ } (1) , وقال تعالى: { وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ } (2) , وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (3) { وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } (4) (5) , ثم ذكر الجنة التي أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء (6) .
فالمتصدق ضد المرابي ؛ لأن المتصدق يحسن إلى الناس والمرابي يظلم الناس , ولهذا قال سبحانه: { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } (7) { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ } (8) الآيات .
وهكذا تساق آيات الربا بعد آيات الصدقة في القرآن لما بين المتصدقين والمرابين من التضاد ، ليتفكر المسلم في صفات الفريقين وجزاء كل منهما , وليقارن بين آثارهما على المجتمع , فالمتصدق يعطي المال بغير عوض يقابله , والمرابي يأخذ المال بغير عوض يقابله , المتصدق يوسع على المحتاجين ويفرج كرب المكروبين , والمرابي يضيق على المحتاجين وينتهز فرصة عوزهم ليثقلهم بالديون فيزيدون كربة إلى كربتهم , المتصدق قد وقاه الله شح نفسه فانتصر عليها , والمرابي قد تملكه الجشع وأهلكه الشح كما أهلك من قبله فاستحل محارم الله بأدنى الحيل .
(1) سورة البقرة الآية 276
(2) سورة الروم الآية 39
(3) سورة آل عمران الآية 130
(4) سورة آل عمران الآية 131
(5) آل عمران الآيتان 130 - 131 .
(6) الربا والمعاملات في الإسلام .
(7) سورة البقرة الآية 274
(8) سورة البقرة الآية 275
4 -الحكمة في تحريم الربا:
يلخص العلامة ابن حجر الهيتمي في كتاب الزواجر (1) تلك الحكمة في النقاط التالية:
1 -انتهاك حرمة مال المسلم بأخذ الزائد من غير عوض .
2 -الإضرار بالفقير لأن الغالب غنى المقرض وفقر المستقرض فلو مكن الغني من أخذ أكثر من المثل أضر بالفقير .
3 -انقطاع المعروف والإحسان الذي في القرض ؛ إذ لو حل درهم بدرهمين ما سمح أحد بإعطاء درهم بمثله .
4 -تعطل المكاسب والتجارات والحرف والصناعات التي لا تنتظم مصالح العالم إلا بها ؛ إذ من يحصل درهمين بدرهم كيف يتجشم مشقة كسب أو تجارة .