فهرس الكتاب

الصفحة 380 من 1226

إن الله سبحانه وتعالى يشرع لعباده ما يربيهم على التراحم والتعاطف , وأن يكون كل منهم عونا للآخر لا سيما عند شدة الحاجة إليه , ولذلك حرم عليهم الربا الذي هو استغلال ضرورة إخوانهم وأحل البيع الذي لا يختص الربح فيه بأكل الغني الواجد مال الفقير الفاقد ، كما أن الله تعالى جعل طريق تعامل الناس في معايشهم قائما على أن يكون استفادة كل واحد من الآخر في مقابل عمل يقوم به نحوه أو عين يدفعها إليه , والربا خال عن ذلك ؛ لأنه عبارة عن إعطاء المال مضاعفا من طرف لآخر بدون مقابلة من عين ولا عمل .

إن إباحة الربا مفسدة من أكبر المفاسد للأخلاق وشئون الاجتماع تزيد أطماع الناس وتجعلهم ماديين لا هم لهم إلا الاستكثار من الأموال من غير أن يستفيد منها مجتمعهم (2) .

ففي الغالب لا يخضع للزيادة الربوية إلا معدم محتاج إذا رأى أن الدائن يؤخر مطالبته ويصبر عليه بزيادة يبذلها تكلف بذل هذه الزيادة ليفتدي بها من أسر المطالبة

(1) ص180 ج 1 .

(2) تفسير المنار ص108 - 112 ج 3 .

والحبس ويدافع من وقت إلى وقت , فيشتد ضرره وتعظم مصيبته ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوده فيربو المال على المحتاج من غير نفع يحصل له , ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه , فيأكل مال أخيه بالباطل , ويحصل أخوه على غاية الضرر , فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حرم الربا ولعن آكله وموكله وكاتبه وشاهديه , وأذن من لم يدعه بحربه وحرب رسوله , ولم يجئ مثل هذا الوعيد في كبيرة غيره , ولهذا كان من أكبر الكبائر (1) .

(1) من إعلام الموقعين لابن القيم ص135 ج 2 .

5 -أنواع الربا:

الربا نوعان: ربا نسيئة وربا فضل .

فالنوع الأول ربا النسيئة - من النساء بالمد وهو التأخير - هو نوعان:

أحدهما: قلب الدين على المعسر , وهذا هو أصل الربا في الجاهلية:

أن الرجل يكون له على الرجل المال المؤجل , فإذا حل الأجل قال له: أتقضي أم تربي , فإن وفاه وإلا زاد هذا في الأجل وزاد هذا في المال فيتضاعف المال والأصل واحد . وهذا الربا حرام بإجماع المسلمين (1) , قال الله تعالى: { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ } (2) من آية (280) من سورة البقرة ، فإذا حل الدين وكان الغريم معسرا لم يجز بإجماع المسلمين أن يقلب الدين عليه بل يجب إنظاره .

وإن كان موسرا كان عليه الوفاء فلا حاجة إلى القلب لا مع يساره ولا مع إعساره (3) لكن الكفار يعارضون حكم الله في ذلك ويقولون: { إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا } (4) أي سواء زدنا في أول البيع أو عند محل المال , فكذبهم الله في قيلهم فقال سبحانه: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } (5) يعني جل ثناؤه وأحل الله الأرباح في التجارة والشراء والبيع , ( وحرم الربا) يعني الزيادة التي يزاد رب المال بسبب زيادته غريمه في الأجل وتأخيره دينه عليه , يقول عز وجل: فليست الزيادتان اللتان إحداهما من وجه البيع إلى أجل , والأخرى من وجه تأخير المال إذا حل أجله , والزيادة في الأجل سواء فليست الزيادة

(1) أضواء البيان ص230 ج 1 .

(2) سورة البقرة الآية 280

(3) مجموع الفتاوى ص418 ج 29 .

(4) سورة البقرة الآية 275

(5) سورة البقرة الآية 275

من وجه البيع نظير الزيادة من وجه الربا لأني أحللت البيع وحرمت الربا , والأمر أمري والخلق خلقي أقضي فيهم ما أشاء وأستعبدهم بما أريد , ليس لأحد أن يعترض في حكمي , ولا أن يخالف أمري , وإنما عليهم طاعتي والتسليم لحكمي (1) .

وأيضا لو كانت الزيادتان سواء لما اختلف حكمهما عند أحكم الحاكمين .

فالزيادة التي تؤخذ في معاوضة صحيحة خالية من أكل أموال الناس بالباطل هي زيادة حلال , والزيادة التي تؤخذ لأجل التأخير في الأجل إذا حل زيادة محرمة لأنها لا معاوضة فيها ولا مقابل لها فهي ظلم (2) . وأيضا المعسر الذي لا يستطيع الوفاء عند حلول الأجل يجب إنظاره إلى ميسرة لا مضاعفة الدين عليه وإثقال كاهله بالغرامة فيزداد حملا على حمله .

(1) تفسير ابن جرير ص12 - 13 ج 6 ببعض زيادات توضيحية .

(2) انظر تفسير المنار ص96 ج 3 .

مسألة: ( ضع وتعجل ) :

ويتعلق بهذه المسألة مسألة: ( ضع وتعجل ) , وهي أن يصالح عن الدين المؤجل ببعضه حالا - وهي عكس قلب الدين - لأن معناه: زد وأجل , وقد أجمع المسلمون على تحريمه كما سبق , وأما هذه المسألة ( ضع وتعجل ) فقد اختلف العلماء فيها على أقوال:

القول الأول:

تحريم ذلك وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي والمشهور عن أحمد (1) , ووجه ذلك:

أنه شبيه بالزيادة مع الإنظار المجمع على تحريمها ؛ لأنه جعل للزمان مقدارا من الثمن بدلا منه في الموضعين جميعا , فهو في الصورتين جعل للزمان ثمنا لزيادته ونقصه ؛ هذا

(1) انظُر فَتح القَدير ص426 ج 8 ، وبِدايَة المُجتَهِد ص142 ج 2 ، ومُغِني المُحتاج ص179 ج 7 ، والمُبدِع ص279 -280 ج 4 .

معنى ما علل به ابن رشد في بداية المجتهد (1) . وعلل صاحب فتح القدير (2) من الحنفية ذلك بقوله: لأن المعجل خير من المؤجل وهو غير مستحق بالعقد , فيكون بإزاء ما حطه عنه وذلك اعتياض عن الأجل وهو حرام . ا ه .

وهو بمعنى التعليل الذي قبله , وعلل صاحب مغني المحتاج (3) من الشافعية لذلك بقوله: ( لأن صفة الحلول لا يصح إلحاقها . . فإن لم يحصل الحلول لا يصح الترك ) يعني أن صحة ترك البعض تنبني على صحة التعجيل , والتعجيل غير صحيح فالترك غير صحيح , وعلل ذلك صاحب المبدع من الحنابلة بقوله: ( لأنه يبذل القدر الذي يحطه عوضا عن تعجيل ما في ذمته وبيع الحلول والتأجيل لا يجوز ) , وهذا التعليل بمعنى ما علل به صاحب فتح القدير من الحنفية حيث يقول: (4) ( وذلك اعتياض عن الأجل وهو حرام ) , ‍وهما يتفقان مع قول ابن رشد: (5) ( لأنه جعل للزمان مقدارا من الثمن ) فاتفقت كلمتهم على أن بيع الأجل لا يجوز وهو الذي من أجله منعوا مسألة: ( ضع وتعجل ) :

قال ابن القيم في إغاثة اللهفان: (6) . واحتج المانعون بالأثر والمعنى ؛ أما الآثار ففي سنن البيهقي « عن المقداد بن الأسود قال: ( أسلفت رجلا مائة دينار فقلت له: عجل تسعين دينارا وأحط عشرة دنانير ) .

فقال: نعم , فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أكلت ربا مقداد وأطعمته » وفي سنده ضعف . وصح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قد سئل عن الرجل يكون له الدين على رجل إلى أجل فيضع عنه صاحبه ويعجل له الآخر , فكره ذلك ابن عمر ونهى عنه , وصح عن أبي المنهال أنه سأل ابن عمر رضي الله عنهما فقال لرجل: علي دين , فقال لي: عجل لي لأضع عنك , قال: فنهاني عنه . وقال: نهى أمير المؤمنين - يعني عمر - أن يبيع العين بالدين . وقال أبو صالح مولى السفاح واسمه عبيد: بعت برا من أهل السوق إلى أجل ثم أردت الخروج إلى الكوفة فعرضوا علي أن أضع عنهم وينقدوني

(1) انظُر فَتح القَدير ص426 ج 8 ، وبِدايَة المُجتَهِد ص142 ج 2 ، ومُغِني المُحتاج ص179 ج 7 ، والمُبدِع ص279 -280 ج 4 .

(2) انظُر فَتح القَدير ص426 ج 8 ، وبِدايَة المُجتَهِد ص142 ج 2 ، ومُغِني المُحتاج ص179 ج 7 ، والمُبدِع ص279 -280 ج 4 .

(3) انظُر فَتح القَدير ص426 ج 8 ، وبِدايَة المُجتَهِد ص142 ج 2 ، ومُغِني المُحتاج ص179 ج 7 ، والمُبدِع ص279 -280 ج 4 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت