هذا الوضع بالنسبة لليابان في الثمانينيات والدول الآسيوية الأخرى في التسعينيات أدى إلى انتشار ظاهرة اقتصاد الفقاعة ويقصد بها المبالغة في التفاؤل باستمرار أيام الازدهار وما صاحبها من إقدام الناس على شراء البيوت وغيرها من العقارات أو المنقولات بأسعار مرتفعة وتمويل ذلك عن طريق الإقراض الربوي. فبدأت الأموال الربوية تتراكم سنة بعد أخرى حتى تعرض قطاع العقارات في اليابان وأسواقها المالية إلى هزة عنيفة عام 1990 بسبب كبر حجم القروض التي لا يستطيع أصحابها سدادها مما أثر على النظام المالي، وخاصة البنوك، وظهر ما كان مخفيًا لعدة سنوات من أن النظام المالي في اليابان يعاني من مشكلات ولابد له من إصلاحات لتجاوزها.
وكان من بين الحلول المطروحة أن تدع الحكومة اليابانية المؤسسات المعسرة تلاقي مصيرها المحتوم - وهو الإفلاس وإغلاق الأبواب - غير أنها لم تر العمل بتلك السياسة وأن لديها من الأموال ما يكفي لتغطية تلك الديون المعدومة وإنقاذ المؤسسات التي سيؤثر انهيارها على عملية استقرار النظام المالي برمته.
استمر الوضع على هذا المنوال حتى جاءت عملية إفلاس شركة ياماييشي في النصف الثاني من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1997، وهي رابع أكبر شركة سمسرة مالية في اليابان ويعد سقوطها أكبر حدث سلبي شهده الاقتصاد الياباني منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد تزامن سقوط ياماييشي مع انهيار مؤسستين ماليتين أخريين وهما: شركة سانيو للسمسرة المالية وبنك هوكايدو طاكوشوكو (8) . وقد قدرت المستحقات التي على هذه الشركة عند إغلاقها (9) بـ 3509 مليار ين (27.8 مليار دولار) مع تسريح آلاف العمال في اليابان وخارجها.
وإذا كان سقوط ياماييشي لن يؤثر كثيرًا على أداء الاقتصاد الياباني الذي لديه من الاحتياطات المالية ما يغطي مثل تلك المبالغ المستحقة عليها؛ غير أن هذه الجزئية لا يجب فصلها عن وضع النظام المالي في اليابان الذي أظهرت التقارير والتحاليل الرسمية وغيرها عن وضعه الأمور التالية:
1 -من المتوقع أن يعلن 13 مصرفًا من مجموع الـ 19 مصرفًا كبيرًا عن خسائر في تقاريرها المالية هذا العام، وذلك نتيجة إسقاط القروض المعدومة الكبيرة من ميزانيتها. وإذا كان بنك اليابان - البنك المركزي - مستعدًا لدفع مبالغ لأية مصرف يمكن أن يؤثر سقوطه على استقرار النظام المالي فإن حل مشكلة القروض المعدومة في التسعة عشر بنكًا الكبيرة سيكلف مبالغ تتجاوز قيمتها 8 تريليون ين (62.5 مليار دولار) (1) .
2 -مجموع القروض التي قدمها بنك اليابان للنظام المصرفي ازدادت من مستوى 373 مليار ين (2.8 مليار دولار) إلى مستوى 3.6 تريليون ين (27.3 مليار دولار) مع نهاية شهر 11 عام 1997 (2) .
3 -ولا يقتصر تأثير القروض المعدومة على البنوك لوحدها بل يتعداه إلى شركات التأمين على الحياة التي قدمت ما مجموعه 434 مليار ين (3.4 مليار دولار) من القروض غير المضمونة من قبل وزارة المالية (Subordinated Loans) لشركات السمسرة المالية، وما مقداره 14 تريليون ين (111 مليار دولار) للبنوك التجارية، فإذا ما أفلست البنوك أو شركات السمسرة معنى هذا أن شركات التأمين على الحياة ستتبعها في ذلك.
4 -نظرًا للحصة الكبيرة، 320 مليار دولار حتى نهاية 8/1997، التي تملكها البنوك اليابانية في سوق السندات الأمريكية، فإن تعرضها لأزمة قد يضطرها إلى بيع تلك السندات، مما قد يؤدي إلى حدوث انخفاض في أسعار السندات والأسهم في سوق نيويورك ثم باقي الأسواق العالمية الكبرى.
وإذا انتقلنا إلى كوريا الجنوبية التي يحتل اقتصادها المركز الحادي عشر على المستوى العالمي، فإن الصورة أكثر وضوحًا وجلاء مما عليه وضع اليابان، وذلك لأن قاعدة الاقتصاد وهذا الازدهار الذي شهده بني على الاقتراض الربوي، بل الإفراط فيه وفي الاستثمارات الخارجية، وقد ذكرنا مقولة رئيسها في بداية المقال، هذه التركيبة جعلت وضعها الاقتصادي يخضع لرحمة مستوى أسعار الفائدة العالمية. وعلى المستوى الداخلي فإن الحكومة المركزية (3) ألزمت البنوك التجارية بإعطاء قروض للشركات الصناعية الكبيرة - وهي لا تستحق ذلك في كثير من الأحيان عند تطبيق المعايير المالية والاقتصادية - ومع مرور الأيام بدأت بعض هذه الشركات تعجز عن سداد ما عليها مما اضطرها إلى إعلان إفلاسها مثل شركة هانبو (HANBO) (صناعة الحديد) ، وكيا KIA )) (قطاع السيارات) تاركتين البنوك بقروض ربوية معدومة كبيرة، مما أثر على وضع هذه الأخيرة التي كان يتطلب الوضع الذي آلت إليه في نهاية 1996 إلى إغلاق العديد منها بسبب حجم القروض المعدومة وخسائر الشركات الكبيرة التي تستحوذ على النصيب الأكبر في قطاع الاقتصاد، لكن هذا لم يحدث.
فبدأ الوضع يزداد سوءًا حتى وصلت نسبة القروض التي لا يمكن استردادها إلى مستوى 18% من مجموع القروض التي قدمتها تلك البنوك، ومع انهيار قيمة الوون (العملة الكورية) لم تجد الدولة بدًا من التوجه إلى صندوق النقد الدولي وأخذ قرض مشروط بقيمة 20 مليار دولار من أجل عدم ترك الأمور تصل إلى وضع أسوأ مما هي عليه الآن، أما عملية إصلاح النظام المالي المتعفن على حد قول مجلة الإكونوميست فإنها تكلف ما بين 60 إلى 100 مليار دولار، ومن جهة أخرى فإن الديون الخارجية لكوريا تقدر الآن بـ 122 مليار دولار معظمها قصيرة الأجل - أي تستحق السداد في أجل لا يزيد عن السنة.
وما يدهش حقًا في مسألة كوريا الجنوبية هو أن اقتصادها نما بمعدل 8.6% خلال العقود الثلاثة الماضية، وأن صادراتها نمت من مستوى 33 مليون دولار عام 1960 إلى مستوى 130 مليار دولار العام الماضي، أي أن قطاع الصادرات نما بمعدل 3939% من عام 1960 إلى 1996. ومع كل هذا فإن هذه التطورات لم تصمد في وجه حقيقة الربا؛ لأن أصل البناء أقيم على جرف هار توعد الله بمحقه واستئصال بركته.
وبشكل عام فإن الأنظمة المالية - خاصة البنوك - في الدول الآسيوية تعاني من مشاكل جمة لعل أبرزها مشكلة القروض المعدومة التي تتراوح نسبها بالنسبة إلى مجموع القروض التي قدمتها بين 10 و 20% بينما في أمريكا لا تتعدى هذه النسبة مستوى 1%.
هذه هي النتيجة الحتمية والعاقبة المنطقية بالنسبة لمعالجة مشاكل الربا عندما تتفاقم كما يراها الذين يدافعون عنها والذين يقعون في حمأتها، وذلك بدفع الأموال المتراكمة من وقت إلى آخر حتى تحين اللحظة التي يتضح فيها أن عملية التأخير لا تسمن ولا تغني من جوع، فتحدث الاضطرابات والهزات كتلك التي شهدها العالم عام 1982 في ما عرف بأزمة ديون العالم الثالث، وشهدتها أمريكا في الثمانينيات بسقوط مئات المؤسسات المالية للقروض والمدخرات (4) ، والمكسيك عام 1994، وغيرها من الدول الأخرى.
الأثر الثاني: استغراق أموال الربا جميع الموجود.