وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وما ظهر الربا والزنا في قوم إلا ظهر فيهم الفقر والأمراض المستعصية التي لم تكن في أسلافهم وظلم السلطان. إن الربا يهلك الأموال ويمحق البركات وإن تراءت لأصحابها بأنها كثيرة في نظرهم. قال تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الْرّبَوااْ وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ [البقرة:276] . لقد شدد الله الوعيد على آكل الربا وجعل أكله من أفحش الخبائث وأكبر الكبائر وبين عقوبة المرابي في الدنيا والآخرة وأخبر بأنه محارب لله ولرسوله، فعقوبة الربا في الدنيا أنه يمحق بركة المال، ويعرضه للتلف والزوال حتى يصبح صاحبه من أفقر بني آدم، وكم نسمع من تلف الأموال العظيمة بالحريق والغرق والفيضانات فيصبح أهلها فقراء بين الناس، وإن بقيت هذه الأموال الربوية بأيدي أصحابها فهي ممحوقة البركة لا ينتفعون منها بشيء، بل هي شر عليهم يعانون منه ويلاقون العذاب من أتعابها. ويتحملون حسابها ويَصْلَوْنَ عذابها يوم القيامة ويرثها غيرهم في الدنيا.
والمرابي مبغض عند الله وعند الناس لأنه يأخذ ولا يعطي، يجمع ويمنع، لا ينفق ولا يتصدق، شحيح جشع جموع منوع، تنفر منه القلوب وينبذه المجتمع، وهذه عقوبات عاجلة، وأما عقوبته الآجلة فهي أشد وأبقى، وقد ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة ما يلاقيه المرابي، فورد في القرآن الكريم عن حال المرابي عند قيامه من قبره للحشر والنشور قول الله عز وجل: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرّبَوااْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسّ [البقرة:275] . وذلك أن الناس إذا بعثوا من قبورهم خرجوا مسرعين إلى المحشر كما قال الله عز وجل: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الاْجْدَاثِ سِرَاعًا [المعارج:43] . إلا آكل الربا فإنه يقوم ويسقط كحالة المصروع الذي يقوم ويسقط بسبب الصرع، لأن أكلة الربا في الدنيا تكبر بطونهم بسبب تضخم الربا فيها فكلما قاموا سقطوا لثقل بطونهم، وكلما همّوا بالإسراع مع الناس تعثروا وتأخروا عقوبة وفضيحة لهم ثم يأتيهم بعد ذلك العذاب الأليم.
وفي حديث الإسراء أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يسبح في نهر من الدم وكلما جاء ليخرج من هذا النهر استقبله رجل على شاطئ النهر وبين يديه حجارة يرجمه بحجر منها في فمه حتى يرجع حيث كان، فسأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم فأُخبر أنه آكل الربا. وجاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى ليلة أسري به على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، فقلت: (( من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا ) ).
وورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( الربا ثلاثة وسبعون بابًا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه ) ). وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء ) ).
أيها المسلمون: إن الربا حرام في جميع الشرائع السماوية قال الله تعالى في حق اليهود: فَبِظُلْمٍ مّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء:160-161] .
وفي الإسلام مر تحريم الربا بأدوار أربعة تدرج فيها في تقرير التحريم حيث نزلت الآية السالفة الذكر وفي المرة الثانية حيث التلويح فيها بالتحريم لا التصريح، وقد سبقتها الآية الكريمة حيث قال تعالى: وَمَا ءاتَيْتُمْ مّن رِبًا لّيَرْبُوَاْ فِى أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ وَمَا ءاتَيْتُمْ مّن زكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم:39] . ثم نزل قوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً [آل عمران:130] . ثم نزل التحريم الكلي القاطع الذي لا شك فيه لدى كل مؤمن ولا تفريق فيه بين قليل أو كثير حيث قال تعالى: يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرّبَوااْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبتُمْ فَلَكُمْ رُءوسُ أَمْوالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ [البقرة:278-279] . وذلك بعد الحكم الصريح بالتحريم في الآية التي سبقت هذه الآيات حيث قال عز وجل: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرّبَوااْ فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275] . ومع هذا الوعيد الشديد لمن أكل الربا فإن كثيرًا من المسلمين لا يبالون في جمع المال من أي طريق، لا يهمهم إلا تضخيم الثروة وتكديس الأموال _ التي سوف يجدون عاقبة الخسران فيها في الدنيا والآخرة، فالحرام عندهم ما تعذر عليهم أخذه، والحلال في عرفهم ما تمكنوا من تناوله من أي طريق، وهذا يدل على عدم خشية الله في قلوبهم وإعراضهم عن دينهم وعدم مبالاتهم بأحكام الشريعة وتطبيقها في حياتهم، وإذا وصل حال المجتمع إلى هذا المستوى فعقوبة ذلك قريبة، ولا خير في حياة تبنى على الربا ولا في كسب مورده حرام، إن مالًا يجمع من حرام كالمستنقع المتجمع من الماء النجس القذر، يتأذى من نتن ريحه كل من قرب منه أو مرّ عليه.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى أحمده تبارك وتعالى وأشكره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
فلقد اعتبر الإسلام الربا من أكبر الجرائم الاجتماعية والدينية، وشن عليه حربًا لا هوادة فيها، وتوعد الله جل جلاله المتعاملين بالربا بالعذاب الأليم، ويكفي أن نعلم عظم هذه الجريمة النكراء من خلال تصوير حالة المرابين ذلك التصوير الشنيع الفظيع الذي صورهم به في القرآن الكريم، صورة الشخص الذي به مسٌّ من الجن، فهو يتخبط ويهذي كالمجنون الذي أصيب في عقله وجسمه، ولم يبلغ من تفظيع أمر من أمور الجاهلية _ أراد الإسلام إبطاله _ ما بلغ من تفظيع أمر الربا، ولا بلغ من التهديد في منكر من المنكرات كما بلغ في شأن الربا والمرابين، فالربا في الإسلام جريمة وكبيرة من الكبائر ومن السبع الموبقات التي حذر منها الرسول صلى الله عليه وسلم، والربا أساس المفاسد وأصل الشرور والآثام، وهو الوجه الكالح الطالح الذي يقابل الصدقة والبر والإحسان والزكاة والدين المأمور بها في الإسلام، ولو تدبر المسلمون ووعوا قرآنهم وقرأوا الآيات التي قبل هذه الآيات التي تحرم الربا وفي ثناياها وبعدها لو فعلوا ذلك لأدركوا سر التحريم وكذلك ما يصلح المجتمع المسلم ويجعل حياته آمنة مطمئنة قائمة على المحبة والإخاء والإيثار، بعيدة عن حب الذات والأنانية والأثرة.