ولقد أصبح هم كثير من الناس جمع المال من أي طريق سواء كان حلالًا أو حرامًا، وهذا تصديق لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: (( يأتي على الناس زمان لا يبالي الرجل من أين اكتسب ماله من الحلال أم من الحرام ) ). وكما قال عليه الصلاة والسلام: (( يأتي على الناس زمان لا يبقى بيت إلا ويدخله الربا، وإن لم يدخله نالهم من غباره ) ). وهذا الواقع المؤلم في مجتمعات المسلمين مؤذن بحلول غضب الله ونقمته التي سوف تعم الصالح والطالح حيث قال سبحانه وتعالى محذرًا ومنذرًا من شؤم المعاصي والذنوب: وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:25] . فهمُّ كثير من الناس اليوم هو جمع المال واستغلال حاجة بعضهم بعضًا لنهب ما في أيديهم وإثقالهم وتحميلهم الديون بالحيل الموقعة في المعاملات الربوية والاحتيال على شرع الله ومشابهة اليهود الذين يرتكبون المحرمات بأدنى الحيل، وقد أصبح هذا الشبه والخلق اليهودي في مجتمعات المسلمين بما يروجه شياطين الإنس والجن من تزيين المكاسب المحرمة وتلبيسها لباس الحلال باسم البيع، حيث دخلت المعاملات الربوية تأخذ أشكال الحلال في الظاهر ولكن القصد منها هو الوقوع في الربا والتعامل به ولكن بطرق ملتوية ظاهرها الحِلّ وباطنها الحرمة ظانين بأن ذلك يخفى على رب العزَّة والجلال إذا هو خفي على البشر. فما أقل الورع في هذه الأيام وما أكثر الوقوع في المحرمات وفي الشبهات التي أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن من وقع فيها فسوف يقع في الحرام لا محالة بقوله عليه الصلاة والسلام قبل نهاية الحديث: (( ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ) ).
فاتقوا الله عباد الله واحذروا الوقوع في الربا والتعامل به والمساهمة والمساعدة والمعاونة عليه بالإيداع لغير ضرورة أو غيرها في المصارف الربوية المسماة بالبنوك أو لدى المرابين أفرادًا أو جماعات أو مؤسسات وشركات لأنه تعاون على الإثم والعدوان ومحاربة لله ورسوله، وتوبوا إلى الله عز وجل كما أمر الله تبارك وتعالى حيث قال عز وجل في التوبة من الربا بعد التحذير منه وَإِن تُبتُمْ فَلَكُمْ رُءوسُ أَمْوالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ [البقرة:279] . وكما قال ذلك بعد ذكر تحريم الربا: فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275] . وقال تعالى آمرًا عباده المؤمنين بالتعاون على البر والتقوى وناهيًا ومحذرًا لهم من التعاون على أي إثم وعدوان: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] .
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده عز وجل وأشكره وأثني عليه الخير كله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
فلقد استمرأ بعض المسلمين الكسب الحرام وانتشر انتشارًا يؤذن بالعقوبة إن لم يؤخذ على أيدي مرتكبيه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأطر أصحابه على الحق أطرًا، لأن سفينة نجاة المجتمع الماخرة في هذه الحياة الدنيا لا تنجو إلا بالقيام بهذا الركن العظيم الذي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله عمومًا.
وحينما يأخذ المنكر والأمر المحرم صبغة الحلال في نظر الناس واعتقادهم حينئذٍ يجب البيان والتوضيح إجمالًا وتفصيلًا على حسب الحالة دون إخلال بقواعد الشرع المطهر، وعليه يجب التنبيه إلى أمر انتشر وليس على مستوى المؤسسات الربوية لكن على مستوى الأفراد حيث يتم التعامل بالربا الذي هو المقصود من تلك المعاملة ولكن باسم البيع في الظاهر، حيث المؤسسات أو الأفراد يبيعون ما لا يملكون، وإنما هي الأوراق التي يتم التوقيع عليها من الطرفين، وكذلك الطرف الثالث المالك والبائع الحقيقي، حيث يأتي صاحب الحاجة إلى المؤسسة أو الفرد المرابي حقيقة، وفي الظاهر تعامله إسلامي شرعي لا غبار عليه، يأتي يريد منه أرضًا، أو عقارًا، أو سيارة، أو أثاثًا، أو أدوات أيًا كانت وهو لا يملكها ويذهبان إلى الذي يملكها أو بمكالمة هاتفية ليدفع الطرف الثاني الثمن للطرف الثالث الذي يملك دون أن يمتلك الثاني تلك السلعة أو يحوزها لملكيته، ولو حازها وملكها على الأوراق فلا يخرجها ذلك عن الوقوع في الربا المحرم شرعًا والذي يستغل به حاجة أخيه المسلم لينهب ما في يديه ويثقل كاهله بالديون ويأكل ماله حرامًا وسحتًا، مع أن أطول آية في القرآن وهي آية الدين معطل العمل بها بين المسلمين اليوم والتي جاءت بعد ذكر الآيات المحرمة للربا والناهية والزاجرة والمتوعدة لمن يتعامل بالربا بالعذاب الأليم والتي أمر عز وجل في نهايتها باتقاء يوم يرجع فيه العباد إلى الله ويقفون بين يديه ثم أعقبها بأطول آية تبث الرحمة والألفة والتعامل الكريم بين المسلمين الطالبين للأجر متى عملوا بهذه الآية كتابة وشهادة وأداءً وطلبًا للأجر الموعود به على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن يقرض أخاه المسلم ويمهله بضعفين من الأجر إلى ثمانية عشر ضعفًا، وجعل القرض من حق المسلم على المسلم حين قال عندما عد الحقوق: (( وإذا استقرضك أقرضته ) ).
إنه لما غاب عن واقع المسلمين تطبيق الآيات والأحاديث في كثير من معاملاتهم صار همُّ أكثرهم نهب ما في أيدي إخوانهم المسلمين بالحرام الصريح وبالمشتبه وبالتحايل سواء بالربا أو بأكل المال حرامًا عنوة واقتطاعه منهم ظلمًا أو الرشوة أو الغش المنتشر في البيع والشراء الذي لا تكاد تخلو منه سلعة أو التحايل على الربا باسم البيع وغيرها من المعاملات البعيدة عن روح الإسلام وسماحته وأخلاق أهله العاملين به نصًا وروحًا والمطبقين له في كل صغيرة وكبيرة.
وعلينا أن نبتعد عن طريق اليهود في العمل بالحيل التي لا تحل الحرام أبدًا والتي انتشرت بين المسلمين في معاملاتهم واتخذت أشكالًا وصورًا متعددة وهي محرمة شرعًا مهما تحايل أصحابها المتعاملون بها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم: (( قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها ) ). وفي رواية للجماعة - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه ) ). أي لما حرمت عليهم شحوم البقر والغنم التي حول المعدة والكليتين احتالوا على التحريم بِجَمْلِهَا على النار في القدور وبيعها وأكل ثمنها، كذلك الحال في احتيالهم على صيد السمك يوم السبت عندما اختبرهم الله وامتحنهم بذلك فاحتالوا على انتهاك محارم الله بما تعاطوه من الأسباب الظاهرة التي هي في الباطن تعاطي الحرام. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ) ).