نظائره من المسائل ، ولا يلزم عليه أن يقتل العبد المبيع قبل القبض ولا يبطل البيع ، وللمشتري اتباع الجاني من قبل أنه لم يطرأ على العقد ما يوجب تحريم العقد لأن العقد باق على هيئته التي كان عليها ، والقيمة قائمة مقام المبيع ، وإنما يعتبر المبيع وللمشتري الخيار فحسب . وفيها دلالة على أن هلاك المبيع في يد البائع وسقوط القبض فيه يوجب بطلان العقد ، وهو قول أصحاب الشافعي ، وقال مالك: لا يبطل والثمن لازم للمشتري إذا لم يمنعه ، ودلالة الآية ظاهرة في أن قبض المبيع من تمام البيع وأن سقوط القبض يوجب بطلان العقد ؛ وذلك لأن الله تعالى لما أسقط قبض الربا أبطل العقد الذي عقداه وأمر بالاقتصار على رأس المال ، فدل ذلك على أن قبض المبيع من شرائط صحة العقد ، وأنه متى طرأ على العقد ما يسقطه أوجب ذلك بطلانه ، وفيها الدلالة على أن العقود الواقعة في دار الحرب إذا ظهر عليها الإمام لا يعترض عليها بالفسخ ، وإن كانت معقودة على فساد ؛ لأنه معلوم أنه كان بين نزول وبين خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ووضعه الربا الذي لم يكن مقبوضا عقود من عقود الربا بمكة قبل الفتح ولم يتعقبها بالفسخ ولم يميز ما كان منها قبل نزول الآية مما كان منها بعد نزولها ، فدل ذلك على أن العقود الواقعة في دار الحرب بينهم وبين المسلمين إذا ظهر عليها الإمام لا يفسخ منها ما كان مقبوضا .
وقوله تعالى: { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ } (1) يدل على ذلك أيضا لأنه قد جعل له ما كان مقبوضا منه قبل الإسلام .
وقد قيل إن معنى قوله الله تعالى: { فَلَهُ مَا سَلَفَ } (2) من ذنوبه على معنى أن الله يغفرها له ، وليس هذا كذلك لأن الله تعالى قد قال: { وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ } (3) يعني فيما يستحقه من عقاب أو ثواب فلم يعلمنا حكمه في الآخرة ، ومن جهة أخرى أنه لو كان هذا مرادا لم ينتف به ما ذكرنا فيكون على الأمرين جميعا لاحتماله لهما فيغفر
(1) سورة البقرة الآية 275
(2) سورة البقرة الآية 275
(3) سورة البقرة الآية 275
الله ذنوبه ويكون له المقبوض من ذلك قبل إسلامه وذلك يدل على أن بياعات أهل الحرب كلها ماضية إذا أسلموا بعد التقابض فيها لقوله تعالى: { فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ } (1) وقوله عز وجل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (2) { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } (3) قال أبو بكر يحتمل ذلك معنيين:
أحدهما: إن لم تقبلوا أمر الله تعالى ولم تنقادوا له
الثاني: إن لم تذروا ما بقي من الربا بعد نزول الأمر بتركه فأذنوا بحرب من الله ورسوله ، وإن اعتقدوا تحريمه ، وقد روي عن ابن عباس وقتادة والربيع بن أنس فيمن أربى أن الإمام يستتيبه فإن تاب وإلا قتله ، وهذا محمول على أن يفعله مستحلا له لأنه لا خلاف بين أهل العلم أنه ليس بكافر إذا اعتقد تحريمه . وقوله تعالى: { فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } (4) لا يوجب إكفارهم لأن ذلك قد يطلق على ما دون الكفر من المعاصي ، قال زيد بن أسلم عن أبيه: أن عمر رأى معاذا يبكي فقال: ما يبكيك؟ فقال: سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: « اليسير من الرياء شرك ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة » (5) . فأطلق اسم المحاربة عليه وإن لم يكفر .
وروى أسباط عن السدي عن صبيح مولى أم سلمة عن زيد بن أرقم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم: « أنا حرب لمن حاربتم سلم لمن سالمتم » (6) وقال تعالى: { إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا } (7) .
والفقهاء متفقون على أن ذلك حكم جار في أهل الملة وأن هذه السمة تلحقهم بإظهارهم قطع الطريق ، وقد دل على أنه جائز إطلاق اسم المحاربة لله ورسوله على من عظمت معصيته وفعلها مجاهرا بها وإن كانت
(1) سورة البقرة الآية 275
(2) سورة البقرة الآية 278
(3) سورة البقرة الآية 279
(4) سورة البقرة الآية 279
(5) سنن ابن ماجه الفتن (3989) .
(6) سنن الترمذي المناقب (3870) ,سنن ابن ماجه المقدمة (145) .
(7) سورة المائدة الآية 33
دون الكفر وقوله تعالى: { فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } (1) إخبار منه بعظم معصيته وأنه يستحق بها المحاربة عليها وإن لم يكن كافرا وكان ممتنعا على الإمام ، فإن لم يكن ممتنعا عاقبه الإمام بمقدار ما يستحقه من التعزير والردع .
وكذلك ينبغي أن يكون حكم سائر المعاصي التي أوعد الله عليها العقاب إذا أصر الإنسان عليها وجاهر بها ، وإن كان ممتنعا حورب عليها هو ومتبعوه ، وقوتلوا حتى ينتهوا ، وإن كانوا غير ممتنعين عاقبهم الإمام بمقدار ما يرى من العقوبة .
وكذلك حكم من يأخذ أموال الناس من المتسلطين الظلمة ، وآخذي الضرائب واجب على كل المسلمين قتالهم وقتلهم إذا كانوا ممتنعين ، وهؤلاء أعظم جرما من آكلي الربا؛ لانتهاكهم حرمة النهي وحرمة المسلمين جميعا ، وآكل الربا إنما انتهك حرمة الله تعالى في أخذ الربا ، ولم ينتهك لمن يعطيه ذلك حرمة لأنه أعطاه بطيبة نفسه ، وآخذو الضرائب في معنى قطاع الطريق المنتهكين لحرمة نهي الله تعالى وحرمة المسلمين إذ كانوا يأخذونه جبرا وقهرا لا على تأويل ولا شبهة ، فجائز لمن علم من المسلمين إصرار هؤلاء على ما هم عليه من أخذ أموال الناس على وجه الضريبة أن يقتلهم كيف أمكنه قتلهم وكذلك أتباعهم وأعوانهم الذين بهم يقومون على أخذ الأموال .
وقد كان أبو بكر رضي الله عنه قاتل مانعي الزكاة لموافقة من الصحابة إياه على شيئين: أحدهما الكفر والآخر منع الزكاة ، وذلك لأنهم امتنعوا من قبول فرض الزكاة ومن أدائها فانتظمها به معنيين أحدهما الامتناع من قبول أمر الله تعالى ؛ وذلك كفر ، والآخر الامتناع من أداء الصدقات المفروضة في أموآله م إلى الإمام ، فكان قتاله إياهم للأمرين جميعا ، ولذلك قال: لو منعوني عقالا ، وفي بعض الأخبار عناقا مما كانوا يؤدونه إلى رسول صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه . فإنما قلنا: إنهم كانوا كفارا ممتنعين من قبول فرض الزكاة لأن الصحابة سموهم أهل الردة وهذه السمة لازمة لهم إلى يومنا هذا ، وكانوا سبوا نساءهم وذراريهم ، ولو لم
(1) سورة البقرة الآية 279
يكونوا مرتدين لما سار فيهم هذه المسيرة وذلك شيء لم يختلف فيه الصدر الأول ولا من بعدهم من المسلمين ؛ أعني في أن القوم الذين قاتلهم أبو بكر كانوا أهل ردة ، فالمقيم على أكل الربا إن كان مستحلا له فهو كافر ، وإن كان ممتنعا بجماعة تعضده سار فيهم الإمام بسيرته في أهل الردة إن كانوا قبل ذلك من جملة أهل الملة ، وإن اعترفوا بتحريمه وفعلوه غير مستحلين له قاتلهم الإمام إن كانوا ممتنعين حتى يتوبوا ، وإن لم يكونوا ممتنعين ردعهم عن ذلك بالضرب والحبس حتى ينتهوا .