فهرس الكتاب

الصفحة 450 من 1226

وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران وكانوا ذمة نصارى: « إما أن تذروا الربا وإما أن تأذنوا بحرب من الله ورسوله ، » وروى أبو عبيد القاسم بن سلام قال حدثني أيوب الدمشقي قال حدثني سعدان بن يحيى عن عبد الله بن أبي حميد عن أبي مليح الهذلي: « أن رسول الله صلى عليه وسلم صالح أهل نجران فكتب إليهم كتابا في آخره: على أن لا تأكلوا الربا ، فمن أكل الربا فذمتي منه بريئة » . فقول الله تعالى { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } (1) عقيب قوله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا } (2) هو عائد عليهما جميعا من رد الأمر على حاله ومن الإقامة على أكل الربا مع قبول الأمر ، فمن رد الأمر قوتل على الردة ، ومن قبل الأمر وفعله محرما له قوتل على تركه إن كان ممتنعا ولا يكون مرتدا ، وإن لم يكن ممتنعا عزر بالحبس والضرب على ما يرى الإمام .

وقوله تعالى { فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } (3) إعلام بأنهم إن لم يفعلوا ما أمروا به في هذه الآية فهم محاربون لله ورسوله ، وفي ذلك إخبار منه بمقدار عظم الجرم وأنهم يستحقون به هذه السمة ؛ وهي أن يسموا محاربين لله ورسوله ، وهذه السمة يعتورها معنيان: أحدهما الكفر إذا كان مستحلا والآخر الإقامة على أكل الربا مع اعتقاد

(1) سورة البقرة الآية 279

(2) سورة البقرة الآية 278

(3) سورة البقرة الآية 279

التحريم على ما بيناه ، ومن الناس من يحمله على أنه إعلام منه بأن الله تعالى يأمر رسوله والمؤمنين بمحاربتهم ، ويكون إيذانا لهم بالحرب حتى لا يؤتوا على غرة قبل العلم بها ؛ كقوله تعالى: { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ } (1) فإذا حمل على هذا الوجه كان الخطاب بذلك متوجها إليهم إذا كانوا ذوي منعة ، وإذا حملناه على الوجه الأول دخل كل واحد من فاعلي ذلك في الخطاب ، وتناوله الحكم المذكور فيه فهو أولى .

(1) سورة الأنفال الآية 58

( ب) قال أبو بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي في كتابه"أحكام القرآن": الآية السابعة والثمانون قوله تعالى { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا } (1) هذه الآية من أركان الدين ، وفيها خمس مسائل:

( المسألة الأولى ) في سبب نزولها . ذكر من فسر أن الله تعالى لما حرم الربا قالت ثقيف: وكيف ننتهي عن الربا وهو مثل البيع ؟! فنزلت فيهم الآية .

(المسألة الثانية) قال علماؤنا: قوله تعالى: { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا } (2) كناية عن استيجابه في البيع وقبضه باليد لأن ذلك إنما يفعله المربي قصدا لما يأكله فعبر بالأكل عنه وهو مجاز من باب التعبير عن الشيء بفائدته وثمرته وهو أحد قسمي المجاز كما بيناه في غير موضع .

(المسألة الثالثة) قال علماؤنا: الربا في اللغة هو الزيادة ولا بد في الزيادة من مزيد عليه تظهر الزيادة به ، فلأجل ذلك اختلفوا: هل هي عامة في تحريم كل ربا أو مجملة لا بيان لها إلا من غيرها ، والصحيح أنها عامة لأنهم كانوا يتبايعون ويربون ، وكان الربا عندهم معروفا يبايع الرجل الرجل إلى أجل فإذا حل الأجل قال: أتقضي أم تربي , يعني أم تزيدني على ما لي عليك وأصبر

(1) سورة البقرة الآية 275

(2) سورة البقرة الآية 275

أجلا آخر ، فحرم الله تعالى الربا وهو الزيادة ، ولكن لما كان كما قلنا لا تظهر الزيادة إلا على مزيد عليه ، ومتى قابل الشيء غير جنسه في المعاملة لم تظهر الزيادة ، وإذا قابل جنسه لم تظهر الزيادة أيضا إلا بإظهار الشرع ، ولأجل هذا صارت الآية مشكلة على الأكثر معلومة لمن أيده الله تعالى بالنور الأظهر وقد فاوضت فيها علماء وباحثت رفعاء فكل منهم أعطى ما عنده حتى انتظم فيها سلك المعرفة بدرره وجوهرته العليا: أن من زعم أن هذه الآية مجملة فلم يفهم مقاطع الشريعة فإن الله تعالى أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوم هو منهم بلغتهم ، وأنزل عليهم كتابه تيسيرا منه بلسانهم ، وقد كانت التجارة والبيع عندهم من المعاني المعلومة فأنزل عليهم مبينا لهم ما يلزمهم فيهما ويعقدونهما عليه فقال تعالى { لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } (1) والباطل كما بيناه في كتب الأصول هو الذي لا يفيد وقع التعبير به عن تناول المال بغير عوض في صورة العوض ، والتجارة هي مقابلة الأموال بعضها ببعض وهو البيع وأنواعه في متعلقاته بالمال كالأعيان المملوكة ، أو ما في معنى المال كالمنافع ، وهي ثلاثة أنواع:

عين بعين: وهو بيع النقد ، أو بدين مؤجل: وهو السلم ، أو حال: وهو يكون في الثمن ، أو على رسم الاستصناع ، أو بيع عين بمنفعة وهو الإجارة .

والربا في اللغة هو الزيادة ، والمراد به في الآية كل زيادة لم يقابلها عوض , فإن الزيادة ليست بحرام لعينها بدليل جواز العقد عليها على وجهه ولو كانت حراما ما صح أن يقابلها عوض ولا يرد عليها عقد كالخمر والميتة وغيرهما ، وتبين أن معنى الآية: وأحل الله البيع المطلق الذي يقع فيه العوض على صحة القصد والعمل وحرم منه ما وقع على وجه الباطل ، وقد كانت الجاهلية تفعله كما تقدم ، فتزيد زيادة لم يقابلها عوض ، وكانت تقول: إنما البيع مثل الربا أي إنما الزيادة عند حلول

(1) سورة النساء الآية 29

الأجل آخرا مثل أصل الثمن في أول العقد فرد الله تعالى عليهم قولهم وحرم ما اعتقدوه حلالا عليهم ، وأوضح أن الأجل إذا حل ولم يكن عنده ما يؤدى أنظر إلى الميسرة تخفيفا ، يحققه أن الزيادة إنما تظهر بعد تقدير العوضين فيه ، وذلك على قسمين:

أحدهما: تولي الشرع تقدير العوض فيه وهو الأموال الربوية ، فلا تحل الزيادة فيه ، وأما الذي وكله إلى المتعاقدين فالزيادة فيه على قدر مالية العوضين عند التقابل على قسمين: أحدهما ما يتغابن الناس بمثله فهو حلال بإجماع ، ومنه ما يخرج عن العادة ، واختلف علماؤنا فيه: فأمضاه المتقدمون وعدوه من فن التجارة ، ورده المتأخرون ببغداد ونظرائها وحدوا المردود بالثلث .

والذي أره أنه إذا وقع عن علم المتعاقدين فإنه حلال ماض لأنهما يفتقران إلى ذلك في الأوقات وهو داخل تحت قوله تعالى: { إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } (1) وإن وقع عن جهل من أحدهما فإن الآخر بالخيار ، وفي مثله ورد الحديث: « أن رجلا كان يخدع في البيوع فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا بايعت فقل: لا خلابة » (2) زاد الدارقطني وغيره: « ولك الخيار ثلاثا » وقد مهدناه في شرح الحديث ومسائل الخلاف فهذا أصل علم هذا الباب .

فإن قيل: أنكرتم الإجمال في الآية وما أوردتموه من البيان والشروط هو بيان ما لم يكن في الآية مبينا ولا يوجد عنها من القول ظاهرا .

قلنا: هذا سؤال من لم يحضر ما مضى من القول ولا ألقي إليه السمع وهو شهيد وقد توضح في مسائل الكلام أن جميع ما أحل الله لهم أو حرم عليهم كان معلوما عندهم لأن الخطاب جاء فيه بلسانهم فقد أطلق لهم حل ما كانوا يفعلونه من بيع وتجارة ويعلمونه ، وحرم عليهم أكل المال بالباطل وقد كانوا يفعلونه

(1) سورة النساء الآية 29

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت