فهرس الكتاب

الصفحة 999 من 1226

• التصريح بأنها (أمَرَتْه أن يبيعه) ، وهذا صريح أنه نائب عنها في البيع، لا أنه هو المشتري.

• قوله: (أنا أبيعه لكِ) . وهذا معناه أنه يبيع نيابة عنها، لا أنه يشتري منها، وهذا معروف عند السلف، إذا قال: أبيعه لك، أي أبيعه لمصلحتك نيابة عنك (4) . ولو كان هو المشتري لقال: أنا أبتاعه منك.

• قولها: (انظر لي من يبتاعه مني) ، وهذا يدل على أنها طلبت البحث عن المشتري بعد شرائها من أخيها بأجل، ولو كان المقصود أن يشتريها هو نفسه لما كان هناك حاجة للبحث عن مشتر.

• أن عبد الرزاق وابن أبي شيبة ذكرا هذا الأثر في باب آخر خلاف أبواب العينة الثنائية (5) .

فهذه المعاملة من باب التورق المنظم وليست من العينة الثنائية التي ترجع فيها السلعة للبائع.

2.إن فتوى سعيد بن المسيب رحمه الله كانت بتحريم هذه المعاملة لأنها ربا، بل وصفها بأنها (الربا محضًا) ، وأن داود ليس له من أخته إلا رأسماله الذي يعادل الثمن النقدي، وتبطل الزيادة فوق ذلك.

3.إن فتواه رحمه الله كانت حاسمة وواضحة، وهذا يشعر أن هذه المعاملة لم تكن جديدة على سعيد، بل وقف عليها وعلم حكمها قبل ذلك. وإذا كان سعيد بن المسيب رحمه الله لقي جمعًا كبيرًا من الصحابة، وكان صهر أبي هريرة رضي الله عنه، وكان مقيمًا بالمدينة النبوية وفيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أعلم الناس بأقضية النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فيَبعد والحال كذلك أن تكون هذه الفتوى، بهذا الجزم، محض اجتهاد منه رحمه الله، بل الأقرب أن له فيها سلفا يتصل بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

4.أن أخت داود سمّت معاملتها عينة، لأنها قالت: أريد أن تشتري متاعًا عينة، مع أن مقصودها ليس العينة الثنائية وإنما التورق. فدل على أن التورق كان يسمى عينة. ويؤيد ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف عن سليمان التيمي: (أن إياس بن معاوية كان يرى التورق يعني العينة) (6) . ففسر التورق بأنه عينة. وسيأتي إن شاء الله ما يؤكد ذلك عند الفقهاء.

2.الحسن بن يسار البصري (110هـ)

من سادات التابعين علمًا وعملًا، وفقيه البصرة ومفتيها. قال أبو قتادة: ما رأيت أحدًا أشبه برأي عمر بن الخطاب منه. وقال قتادة: ما جمعتُ علم الحسن إلى أحد من العلماء إلا وجدتُ له فضلًا عليه، غير أنه إذا أشكل عليه شئ كتب فيه إلى سعيد بن المسيب (7) .

روى عبد الرزاق عن أبي كعب، عبد ربه بن عبيد الأزدي، أنه قال: قلت للحسن: إني أبيع الحرير، فتبتاع مني المرأة والأعرابي، يقولون: بعه لنا فأنت أعلم بالسوق. فقال الحسن: (لا تبعه، ولا تشتره، ولا ترشده، إلا أن ترشده إلى السوق) .

وروى أيضًا عن رزيق بن أبي سلمى أنه قال: سألت الحسن عن بيع الحرير، فقال: (بع واتق الله) . قال: يبيعه لنفسه؟ قال: (إذا بعته فلا تدل عليه أحدًا، ولا تكون منه في شئ. ادفع إليه متاعه ودعه) (8) .

وهذا الأثر يتضمن عددًا من الدلالات:

1.قوله: إني أبيع الحرير، كان الغالب آنذاك هو استعمال الحرير للحصول على النقد من خلال شرائه بأجل ثم بيعه نقدًا، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنه في العينة: (دراهم بدراهم وبينهما حريرة.) وتسمى العينة أحيانًا: (بيع الحريرة) (9) ، وسيأتي ما يؤيد ذلك من كلام الفقهاء. ويفهم أن أبا كعب ربما باع بأجل لمن يريدون العينة، ولهذا قال الحسن في الرواية الثانية: (بع واتق الله) أي لكثرة ما يلابس بيع الحرير من الوقوع في العينة بصورها المختلفة.

2.إن جواب الحسن صريح في منع البائع بأجل من أن يتدخل بأي صورة من الصور لتحصيل النقد للمشتري، ولهذا قال: (لا تكون منه فيه شئ ادفع إليه متاعه ودعه.) وهذا يقتضي منع توسط البائع بأجل لمن يريد النقد حتى لو كان بمجرد الدلالة على من يشتريه نقدًا، وهذا صريح في منعه للتورق المنظم.

3.وقول الحسن رحمه الله: (لا تبعه) أي لا تبع الحرير نيابة عمن اشتراه منك بأجل، وهذا منع للتورق المنظم. وقوله: (ولا تشتره) أي لا تشتره منه، وهذا منع للعينة الثنائية. وقوله: (ولا ترشده) أي لا تدله على من يشتريه منه نقدًا. وقال في الرواية الأخرى: (إذا بعته فلا تدل عليه أحدًا) يعني والله أعلم إذا بعت الحرير واشتراه منك المتورق فلا تدل عليه من يشتري منه بنقد. فمجموع الروايتين منعٌ للدلالة من الجهتين. وعلى كل تقدير فهو نهي عن التدخل في عملية التورق، ولهذا قال: (ادفع إليه متاعه ودعه) .

4.إن هذا التدخل ممنوع وإن كان المشتري لا يحسن التعامل في السوق، لقوله: (فتبتاع مني المرأة والأعرابي، يقولون: بعه لنا فأنت أعلم بالسوق) ، ومع ذلك نهاه الحسن رحمه الله عن التدخل، لعلمه أن مراد هؤلاء النقد. ولو كان هذا المراد حلالًا طيبًا لكانت الإعانة عليه مشروعة مطلوبة. فلما كانت الإعانة على تحصيل النقد بهذا الطريق ممنوعة، علم أن هذا الغرض محل شبهة على أقل تقدير.

3.الإمام مالك بن أنس (179هـ)

إمام دار الهجرة، وعالم المدينة الذي ضربت إليه أكباد الإبل في طلب العلم، فلم يجد الناس أعلم منه، كما ورد في الحديث النبوي (10) .

قال ابن القاسم: (سألتُ مالكًا عن الرجل يبيع السلعة بمائة دينار إلى أجل، فإذا وجَبَ البيع بينهما قال المبتاع للبائع: بعها لي من رجل بنقد فإني لا أبصر البيع. فقال مالك: لا خير فيه، ونهى عنه) (11) .

ويلاحظ من هذا النص:

1.أن المعاملة التي سَأل ابنُ القاسم عنها مالكًا هي عماد التورق المنظم، لأن المشتري بأجل يطلب من البائع أن يبيع السلعة نقدًا نيابة عنه لرجل آخر. فقوله: (فإذا وجَبَ البيع بينهما قال المبتاع للبائع: بعها لي من رجل بنقد) ، أي قال المشتري للبائع: بعها لي، أي بعها نيابة عني، كما سبق. وقوله: (من رجل) أي غير البائع نفسه كما هو ظاهر.

2.إن الإمام مالكا منع هذا التعامل بقوله: (لا خير فيه) وبنهيه عنه أيضًا. ونحوه ما جاء في النوادر والزيادات: (قال مالك: ولا يلي بيعها لمبتاعها منه يسأله ذلك. قال أشهب: لا خير فيه.) (12) .

وهذا يوافق فتوى سعيد بن المسيب رحمه الله في هذه المسألة. ولا غرابة في ذلك، فالإمام مالك وارث علم أهل المدينة قبله، ومن أبرزهم سعيد بن المسيب.

3.وقول المشتري: (إني لا أبصر البيع) هو نفس التعليل الذي سُئل عنه الحسن البصري رحمه الله. ومع ذلك فإن الإجابة كانت حاسمة بالمنع. وهذا يؤكد أنه لو كان مقصود المشتري من تحصيل النقد بهذا الأسلوب أمرًا مشروعًا ومحمودًا، لكانت إعانته عليه محمودة كذلك، فلما كانت الإعانة مذمومة، علم أن هذا الأسلوب غير محمود أصلًا.

4.وقول الإمام مالك هذا رحمه الله يوافق ما ورد عنه من مسائل التورق التي ذكرها عنه أصحابه، وتتفق جميعها على أن أي تدخل للبائع لتسهيل التورق للمتورق يجعل المعاملة محرمة (13) .

4.الإمام محمد بن الحسن الشيباني (189هـ)

الفقيه المجتهد المحدّث، صاحب أبي حنيفة ومن أئمة المذهب الحنفي.

وقد جاء عنه أكثر من نص:

(أ) جاء في كتاب الأصل: (ولو باعه لرجل، لم يكن ينبغي له أن يشتريه بأقل من ذلك قبل أن ينقد، لنفسه ولا لغيره. ولا ينبغي للذي باعه أن يشتريه أيضًا بأقل من ذلك، لنفسه ولا لغيره، لأنه هو البائع) (14) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت