قالوا: إذا أوجبنا فسخ العقود والقبوض على الجاهل المعذور فعلى العالم بالتحريم العاصي أولى وأحرى، فهو عاصٍ ظالم بترك التعلم والالتزام، ولا يلزم من العفو عن الجاهل العفو عن هذا .
ويجاب عنه:
بأن المسلم العاصي إذا تاب ليس بأشقى من الكافر، فإذا لم نوجب الفسخ على الكافر وصححنا عقوده وقبوضه فالمسلم التائب أولى .
القول الثاني:
أن تلك العقود والقبوض الفاسدة تملك بعد التوبة، ويقر عليها، ولا يجب عليه ردها، ولا فسخها والتخلص منها إلا من تاب من الحرام وكان بيده فإنه يجب عليه رده، فإن لم يعرف مالكه تصدق به عنه، أو صرفه في مصالح المسلمين، وعليه فإن تلك العقود والقبوض الفاسدة التي قبضتها الشركة تملك بعد التوبة، وتقر عليها، ولا يجب عليها ردها لأصحابها، ولا فسخها ولا التخلص منها إلا إن تابت من الحرام وكان بيدها، فإنه يجب عليها ردها إلى أصحابها إن أمكن، وإلا تتصدق به عنه، أو تصرفه في مصالح المسلمين، وهذا قول في المذهب (18) ، وانتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية (19) .
واستدلوا على ذلك بأربعة أدلة:
الدليل الأول:
القياس على الكافر إذا أسلم قياسًا أولويًا وبيانه:
أن هذا المسلم الذي تاب وأناب ليس بأسوأ حال من الكافر المعاند الذي ترك استماع القرآن كبرًا وحسدًا وهوىً، أو سمعه وتدبره واستيقنت نفسه أنه حق من عند الله، ولكن جحد ظلمًا وعلوًا كحال فرعون وأكثر أهل الكتاب والمشركين الذين لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (20) ، فإذا عفي عن الكافر ما قبضه من المحرمات إذا أسلم، فالمسلم كذلك يعفى عنه إذا تاب بجامع أن كليهما رجع وأناب إلى الله وعرف الحق.
وقد يناقش: بوجود الفرق بينهما من حيث إن الكافر وقعت معاملته وهو غير مكلف، وغير مخاطب بآيات أصول الربا، بخلاف المسلم العاصي العالم، فإن معاملته وقعت في حال هو مكلف فيها.
الدليل الثاني:
أن التوبة كالإسلام (21) فإن الذي قال: (( الإسلام يهدم ما كان قبله ) ) (22) هو الذي قال: (( التوبة تهدم ما كان قبلها ) ) (23) وذلك في حديث واحد رواه مسلم في صحيحه .
فإذا عفي عن الكافر إذا أسلم أنواع المحرمات التي ارتكبها، وأبيحت له الأموال المقبوضة بالحرام، فكذلك المسلم إذا تاب إلى الله، ولا فرق، فالحديثان مخرجهما واحد، ولا يجوز تفسير أحدهما بخلاف الآخر.
ويناقش: بأن من مقتضى التوبة أن يتخلص من هذه الأموال المحرمة، ويبعدها عنه، ويعدل إلى غيرها من المكاسب (24) ؛ فإن التوبة قول وفعل فالقول بإكثار الاستغفار، والفعل بالإقلاع عن هذه الأموال، والتخلص منها بالتصدق بها على المحتاجين.
الدليل الثالث:
ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولًا الجنة، وآخر أهل النار خروجًا منها، رجل يؤتى به يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها فتعرض عليه صغار ذنوبه فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول: رب قد عملت أشياء لا أراها ها هنا، فلقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضحك حتى بدت نواجذه ) ) (25) .
وجه الدلالة من الحديث: أنه إذا كانت تلك التي تاب منها صارت حسنات لم يبق في حقه بعد التوبة سيئة أصلًا، فيصير ذلك القبض والعقد من باب المعفو عنه، فلا يكون بذلك فاعلًا لمحرم ولا تاركًا لواجب (26) .
وقد يناقش: أن هذا حديث يحكي أحوال يوم القيامة، ولا يبنى على الأحكام الأخروية، أحكامًا فقهية في الدنيا، فلا تقاس أحوال الآخرة على أحوال الدنيا، والله أعلم.
الدليل الرابع:
قوله تعالى:"فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف"
وجه الدلالة من الآية: أن هذه الآية عامة في كل من جاءه موعظة من ربه فقد جعل الله له ما سلف، ويدل على أن ذلك ثابت في حق المسلم ما بعد هذا:"يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا"فأمرهم بترك ما بقي، ولم يأمرهم برد ما قبضوه. فدل على أنه لهم مع قوله:"فله ما سلف وأمره إلى الله"والله يقبل التوبة عن عباده (27) .
ونوقش: بأن هذا مختص بالكافرين (28) .
وأجيب: بأنه ليس في القرآن ما يدل على ذلك، إنما قال:"فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف"وهذا يتناول المسلم بطريق الأولى (29) .
الموازنة والترجيح:
هذه المسألة من أعقد المسائل لقوة أدلة الفريقين وتضاربها في نظر الباحث، وإن كنت أميل إلى القول الثاني، وهو أن تلك العقود معفو عنها وتقر عليها و تملكها بعد التوبة، وذلك لثلاثة أمور:
أولًا: أنه إذا كان العفو عن الكافر لأجل ما وجد من الإسلام الماحي، والحسنات يذهبن السيئات، فهذا المعنى موجود في التوبة عن الجهل والظلم والعصيان، فإن الاعتراف بالحق والرجوع إليه حسنة يمحو الله بها السيئات (30) .
ثانيًا: أن في عدم العفو عن تلك العقود والقبوض الماضية في حال العصيان تنفيرًا عظيمًا عن التوبة؛ لما يلزم الداخل فيه من الآصار والأغلال الثقيلة الموضوعة على لسان هذا النبي -صلى الله عليه وسلم- عن التائبين، فإن الأمر برد جميع ما كسبه التائب من الأموال والخروج عما يحبه منها تصير التوبة في حقه عذابًا، وكان الكفر حينئذ أحب إليه من ذلك الإسلام الذي كان عليه، فإن توبته من الكفر رحمة وتوبته -وهو مسلم عذاب- (31) ، فإن كثيرًا من الفساق أصحاب رؤوس أموال هائلة، وغالبها أو كثير منها من الحرام الفاسد، وقد يكون غير متميز عن الحلال، وقد يكون له مصادر تجارة متعددة، ومطالبته بردها، والتخلص مما قبضه في غاية الصعوبة والمشقة، ولو قيل له: من شرط توبتك أن ترد كل ما كسبته بالحرام ربما نفر عن التوبة، وكان هذا القول معينًا للشيطان عليه، لكن لو قيل له: بأن الله قد غفر لك بتوبتك كل ذنوبك المتعلقة في باب العبادات وباب المعاملات، وعليك بالإقبال على الله من جديد، وترك المعاودة لمثل ما سبق لكان هذا حافزًا ومشجعًا له إلى التوبة ومحاولة تصحيح وضعه الجديد، ويكف عن المعاملة بالحرام، وقد يكون هذا قدوة لآخرين مثله إذا رأوا ذلك منه .
وبهذه الطريقة نكون قد قضينا على كثير من المعاملات الفاسدة التي ربما كانت تستمر لولا القول بالعفو عما سلف مما قبضوه.