فهرس الكتاب

الصفحة 958 من 1226

وكذلك يقال في الشركات والبنوك ونحوها أن في عدم العفو عن تلك العقود والقبوض قبل إعلان الشركة توقفها عن التعامل بالمحرم تنفير عظيم عن الإقلاع عن التعاملات المحرمة وتنفير عن التوبة؛ لما يلزم الشركة بعد توبتها وإعلان توقفها من الحرام من الآصار والأغلال الثقيلة الموضوعة على لسان النبي -صلى الله عليه وسلم- عن التائبين، فإن الأمر برد جميع ما كسبته الشركة من الأموال الربوية وغيرها، والخروج عما تحبه منها، تُصَيِّر التوبة وإعلان التوقف في حقها عذابًا، وكان الاستمرار على ما كانت عليه في السابق حينئذ أحب إليها من إعلان توقفها، ويضاف إلى ذلك أن التخلص منها أمر في غاية الصعوبة والمشقة، ولو قيل: من شرط توبتها أن ترد كل ما كسبته بالحرام ربما نفرت عن التوبة، وكان هذا القول معينًا للشيطان عليها، بخلاف ما لو قيل للشركة: لا يلزمك الخروج من الأموال الربوية المقبوضة في السابق، ويكون لكِ حلالًا إذا تبتِ، و أعلنتِ بصدق تصحيح وضعكِ من جديد، وتركتِ التعامل بالربا بكل أشكاله وأنواعه، فإن هذا يكون لها حافزًا إلى التوبة و الإعلان عنها، كما قد يكون حافزًا للشركات الأخرى أن تحذو حذوها.

ثالثًا: أننا بهذه الطريقة نكون قد قضينا على كثير من الشركات والبنوك المحرمة والمعاملات الفاسدة التي ربما استمرت على نشاطاتها وتعاملاتها المحرمة لولا القول بالعفو عما قبضوه مما سلف، بخلاف ما لو قيل لها: لابد لكِ - كشرط من شروط التوبة - أن تُخْرِجِي كل ما قبضتِ بالعقود الفاسدة المحرمة ما دمتِ تعلمين حرمتها وكنتِ عاصية بذلك (32) ، ربما كان هذا في حقها شاقًا، وربما يترتب عليها خسائر مالية ضخمة كانت التزمتها في السابق، وبالتالي يكون هذا عائقًا لها، ومنفرًا عن التوبة، فتحجم الكثير من الشركات عن التوبة بسبب هذا، وهذه نظرة ماراعًا فيها جانب المصلحة الراجحة مقابل المفسدة المرجوحة، قال ابن تيمية: ( ومن تدبر أصول الشرع علم أنه يتلطف بالناس في التوبة بكل طريق ) (33) .

لكن قد يرد على هذه الحال - أعني توبة الشركات والبنوك - إشكال وهو أن توبة الشركات ونحوها عن التعامل بالحرام والفاسد غير متمكنة أو ضعيفة، فهي ليست كالأشخاص والأفراد الذين يملكون أموالهم بأنفسهم فالشركات والبنوك عبارة عن شخصية معنوية قائمة بعدد من الأشخاص، وكل عامل فيها لا يعنيه توبة الشركة من عدمها، فمن التائب فيها؟

ويجاب: بأن هذه طبيعة الشخصيات المعنوية لا يطالب فيها شخص بعينه، وإنما هي قائمة بإرادة الجميع ومتخذي القرار فيها، فإذا كانت الإرادة قائمة من الإدارة ومتخذي القرار فيها كانت هذه الإرادة - وأعني بها التوبة- مقبولة، فهي مثل توبة الفرد والشخص العادي.

ويؤيده إمكانية وجود شرائط التوبة في هذه الشركات والبنوك ونحوها المساهمة، وهي العزم على عدم العود إلى الحرام من ربا وغيره في المستقبل، والإقلاع عنه في الحال، وأن تكون صادقة لا بقصد التلاعب بعقول الناس ونحوه، والندم على ما صدر منها في السابق (34) ، والعزم الجازم على فعل المأمور والإتيان به (35) .

وأما الأموال الربوية المقبوضة فهي محرمة لحق لله وقد عفى عنها، وليست حقًا لآدميين فيؤمروا بإرجاعها إلى أصحابها، والله أعلم.

وأخيرًا أقول: أيضًا يمكن إرجاع الفتوى في هذه المسألة إلى المفتي فينظر في ذلك المصلحة، فإن رأى من الشركة القدرة والاستعداد للتخلص من الأموال الربوية المقبوضة وصدق في التوبة مهما كلفها ذلك، فإنه يفتيها بالتخلص من هذه الأموال بالتصدق بها في مصالح المسلمين بنية التخلص لا التطوع.

وإن رأى منها ضعفًا في هذا الباب وخشي نفورها من التوبة، فإنه يفتي بعدم وجوب التخلص من المقبوض الفاسد، ولا يجب رده باعتبار أن هذه الفتوى أخف المفسدتين.

فإنها-أي: الشركة- لو أفتي لها بوجوب التخلص، لم تتخلص من المقبوض بعقد فاسد ولم تعلن التوقف عن التعاملات المحرمة بخلاف ما لو أفتي لها بعدم الوجوب، فإنها لن تتخلص من المقبوض بعقد فاسد، وسوف تقلع عن التعاملات المحرمة في المستقبل بعد إعلان توبتها، والله تعالى أعلم.

ومن خلال ما سبق، فمن قال بصحة توبة الشركة، وتَملِك ما قبضته من العقود الفاسدة، فإن من لازم قولهم جواز المساهمة فيها، وأنها تملك أسهمها بعد إعلان توبتها .

ومن قال بعدم صحة توبتها إلا برد جميع الأموال المحرمة أو التخلص منها فإن من لازم قولهم تحريم المساهمة فيها وتملك أسهمها حتى تتخلص من التعاملات المحرمة المقبوضة قبل التوبة، والله تعالى أعلم.

وصلى الله على بينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

(1) مجموع الفتاوى (22/16) وما بعدها، والدرر السنية في الفتاوى النجدية (3/133) .

(2) فتاوى اللجنة الدائمة (14/29) و (14/32) و (14/48) و (14/62) .

(3) المدونة الكبرى (4/148) ، ومواهب الجليل (4/381) ، ومقدمات ابن رشد ص (503) ، والتمهيد (5/129) ، والاستذكار (19/146) و (21/139) ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (2/355-356) ، ومسائل لا يعذر فيها بالجهل على مذهب الإمام مالك شرح العلامة الأمير على منظومة بهرام ص (49) ، والفروق وحواشيه (2/164) ، والمالكية أوجبوا على الجاهل التخلص منه، وبناء على ذلك فإنه من باب أولى أن يوجبوه على العالم العاصي .

(4) الفوات عند المالكية يعني أحد خمسة أشياء: الأول: تغير الذات وتلفها كالموت والعتق وهدم الدار وغرس الأرض وأكل الطعام ونماء المبيع ونقصانه . والثاني: حوالة الأسواق. والثالث: البيع. والرابع: حدوث عيب. والخامس: تعلق حق الغير كرهن السلعة . انظر القوانين الفقهية لابن جزيء ص (265) والشرح الصغير للدردير

(5) سورة البقرة، آية (279) .

(6) الاستذكار (21/139) .

(7) التمهيد (5/129) ، والاستذكار ( 19/146) وهذا النقل لاتفاق الفقهاء في هذه المسألة فيه نظر، فإن جمهور الحنفية يرون أن المقبوض بعقد ربوي يملك وإن كان واجب الفسخ، وخالفهم شمس الدين السرخسي في هذه المسألة، فوافق الجمهور.

(8) سورة طه، آية (82) .

(9) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (14/48) .

(10) سورة البقرة، آية (279) .

(11) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (14/51) ، وانظر (13/400) و (13/429) وما بعدها.

(12) سورة البقرة، آية (278-279) .

(13) رواه مسلم بهذا اللفظ من طريق القاسم بن محمد عن عائشة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- (كتاب الأقضية -باب نقض الأحكام الباطلة ، ورد محدثات الأمور ) رقم 3243 (9/119) .

(14) عون المعبود (12/234) .

(15) المحلى (8/135) .

(16) رواه البخاري في صحيحه (كتاب الوكالة- باب إذا باع الوكيل شيئًا فاسدًا فبيعه مردود) 2188 (2/613) ومسلم في صحيحه (كتاب المساقاة -باب بيع الطعام مثلًا بمثل) 1594 (3/1215)

(17) رواه مسلم في صحيحه (كتاب المساقاة -باب بيع الطعام مثلًا بمثل) (3/1215)

(18) مجموع الفتاوى (22/16) وما بعدها.

(19) مجموع الفتاوى (22/16) وما بعدها و (30/328) و تفسير آيات أشكلت (2/577-595) .

(20) مجموع الفتاوى (22/17) بتصرف.

(21) المرجع السابق بتصرف.

(22) رواه مسلم في صحيحه (كتاب الإيمان-باب كون الإسلام يهدم ما كان قبله وكذا الهجرة والحج) (1/112) .

(23) المرجع السابق .

(24) انظر فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية و الإفتاء (14/62) .

(25) صحيح مسلم (كتاب الإيمان- باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ) رقم 190 (1/177) .

(26) مجموع الفتاوى (22/18) بتصرف.

(27) تفسير آيات أشكلت (2/586)

(28) تفسير آيات أشكلت (2/586)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت