لحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فيحصل أحيانًا من بعض الشركات أو البنوك أو غيرها من المؤسسات ذات الشخصية المعنوية أن تعزم على إيقاف التعاملات المحرمة كالإيداع والإقراض بالفوائد توبة منها إلى الله، ورجوعًا إلى الحق بإرادة جازمة، واقتناعًا منها بخطورة الربا ونحوه .
هذا الموضوع نحتاج إليه في هذا الوقت؛ لكثرة الأسئلة الواردة على طلاب العلم والمفتين عن الآثار المترتبة على إقلاع الشركات والبنوك عن التعاملات المحرمة من جواز المساهمة فيها وحكم الأنشطة المحرمة السابقة قبل التوبة.
وتزداد الحاجة إليه بعد أن بدأنا نسمع بين الفينة والأخرى احتمال توجه كثير من الشركات إلى الأسلمة الحقيقية والتوقف عن الأنشطة المحرمة.
وهذا البحث عبارة عن مشاركة متواضعة في هذا الموضوع ولا أزعم أني أوفيته حقه من كل جوانبه ولعله يكون مفتاح باب لمن أراد أن يلج بحثه بأوفى مما ذُكر فيه؟
فأقول: هل إذا تابت هذه الشركات وأقلعت عن التعاملات المحرمة يقضى لها بما سلف من الأموال المحرمة وبالتالي يجوز المساهمة فيها وتملُك أسهمها بعد إعلان توبتها أو أنه يجب عليها التخلص مما سبق من الأموال المقبوضة بالربا، ولا تملكها بالقبض والتوبة، وبالتالي لا يجوز المساهمة فيها وتَملُّك أسهمها حتى تتخلص من التعاملات المحرمة المقبوضة قبل التوبة كالربا وغيره؟
هذه المسألة يمكن تخريجها على العاصي الذي عاش مدة في مستنقع الفجور والكبائر، وقد تعامل بالحرام والمعاملات الفاسدة والباطلة دهرًا من الزمن لا بجهل يعذر به ولا بتأويل سائغ، ولكن إعراضًا عن طلب العلم الواجب عليه الذي يجنبه الوقوع في هذه المعاملات مع تمكنه من العلم، أو سمع بتحريم هذه البيوع والمعاملات ولم يتركها إعراضًا لا كفرًا بالرسالة، فهذان نوعان يقعان كثيرًا .
الأول: من ترك طلب العلم الواجب عليه مع تمكنه منه حتى وقع في هذه المعاملات المحرمة غير عالم بتحريمها .
الثاني: من بلغه الخطاب بتحريمها، وعلم بالحكم الشرعي ولم يلتزم اتباعه، تعصبًا لمذهبه أو اتباعًا لهواه وعصيانًا لربه، وهذا هو الأكثر.
فهل يكون حال هذا إذا تاب إلى الله عز وجل ورجع وأناب، وأقر بالتحريم تصديقًا والتزامًا كحال الكافر إذا أسلم على أموال محرمة قد قبضها قبل إسلامه؛ لأن التوبة تجب ما قبلها كما أن الإسلام يجب ما قبله، وبالتالي لا يفسخ العقد، و يقر على أمواله التي قبضها حال فسقه، وليس عليه التخلص منها،وتكون له حلالًا طيبًا، ويملكها كما في العقد الصحيح.
أو يجب عليه رد جميع ما اكتسبه من الأموال المحرمة، والتخلص منها، ويجب فسخ العقود الفاسدة المقبوضة، ولم يتملكها طوال تلك المدة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
أنه يجب عليه فسخ تلك العقود والقبوض، ولا يقر عليها، ويؤمر برد جميع ما قبضه من الأموال المحرمة من ربا وميسر ومخدرات ويانصيب ونحو ذلك، أو التخلص منها.
وعلى هذا القول يجب على الشركة رد جميع ما قبضته من الأموال المحرمة من ربا وميسر إن أمكن، وإلا تتخلص منها، ولا تقر عليها، وهذا قول في مذهب الحنابلة (1) ، واختيار اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (2) .
وهو قول المالكية (3) في الربا خاصة، فإنه مفسوخ أبدًا فات أم لم يفت، وليس له إلا رأس ماله، أما غيره من العقود فإنه يجب فسخه ما لم يفت (4) .
قال ابن عبد البر: (قال مالك: ومن البيوع ما يجوز إذا تفاوت أمره وتفاحش رده، فأما الربا فإنه لا يكون فيه إلا الرد أبدًا، ولا يجوز منه قليل ولا كثير ولا يجوز فيه ما يجوز في غيره؛ لأن الله تعالى يقول في كتابه:"وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ"(5) .
ثم قال: (هذا قول صحيح في النظر وصحيح من جهة الأثر فمن قاده ولم يضطرب فيه فهو الخيِّر الفقيه...) (6) .
وقال: ( وقد اتفق الفقهاء على أن البيع إذا وقع بالربا مفسوخ أبدا ) (7) .
جاء في سؤال موجهٍ إلى اللجنة الدائمة:
(س: أنا كنت أساهم في البنوك، واستفدت منها بعض الشيء، فإذا هي حرام ونويت التوبة والابتعاد عنها، فهل هذا يكفي أو لا ؟
ج: أولًا: عليك التوبة والاستغفار من ارتكاب جريمة المشاركة في هذا الأمر المحرم، والإقلاع عن ذلك، وسحب مساهمتك عسى الله أن يتوب عليك، فهو سبحانه القائل:"وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى" (8) .
ثانيًا: عليك التخلص من الأرباح التي حصلت لك بسبب هذه المساهمة بصرفها على الفقراء والمساكين) (9) .
وقالت في جوابٍ لسؤال آخر:
(إذا تاب العبد من المعاملة الربوية، وهي لا تزال قائمة بينه وبين الناس، فيجب عليه استلام رأس ماله فقط، ويترك الزيادة الربوية؛ امتثالًا لقوله تعالى:"وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ"(10) ، وإذا استلم قيمة المعاملة الربوية مع ربحها فيجب عليه تملك رأس ماله الأصلي فقط، والربح الربوي ينفقه في وجوه البر ) (11) .
واستدل أصحاب هذا القول بأربعة أدلة:
الدليل الأول:
قوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ" (12) .
وجه الدلالة من الآية: أن هذه الآية عامة في الجاهل والعاصي والكافر إذا أسلم وغيرهم، تجب عليهم التوبة، ويذرون ما قبضوه من الربا والأموال المحرمة، وليس لهم إلا رؤوس أموالهم.
وقد يناقش: بأن المقصود بالآية هو ما لم يقبض من العقود، فإن غير المقبوض يجب إبطاله وترك ما بقي منه، وليس للعاقد إلا رأس ماله، وليس المراد هو ما قبض من العقود بجهل وتأويل ونحو ذلك، فإن هذه له بقوله تعالى:"فله ما سلف"، أي: من العقود المقبوضة حال العذر.
الدليل الثاني:
استدلوا بحديث عائشة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (( من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ) ) (13) .
وجه الدلالة من الحديث: أن هذا النص عام في العبادات والمعاملات فكل ما وقع منهما على خلاف الشرع يجب رده وإبطاله، والعقود المقبوضة بهذه الحال يجب ردها وإبطالها؛ لدخولها تحت هذا الحديث.
قال الخطابي: (في هذا الحديث بيان أن كل شيء نهى عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من عقد نكاح وبيع وغيرهما من العقود، فإنه منقوض مردود؛ لأن قوله فهو رد يوجب ظاهره إفساده وإبطاله إلا أن يقوم الدليل على أن المراد به غير الظاهر فينزل الكلام عليه؛ لقيام الدليل فيه) (14) . قال ابن حزم (ولم يستثن -صلى الله عليه وسلم- عالمًا من غير عالم، ولا مكلفًا من غير مكلف، ولا عامدًا من غير عامد(15) ، والعقود المحرمة ليست من أمر الدين فيجب ردها).
الدليل الثالث:
ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: (( جاء بلال بتمر برني، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( من أين هذا؟ ) )فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع؛ لمطعم النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند ذلك: (( أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر ثم اشتر به ) ) (16) وفي رواية لمسلم: (( فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا ) ) (17)