قالوا لأن الحساب الجاري تحت طلب المودع يملك رده متى شاء وهذا معنى الوديعة .
ولا شك أن ما ذهب إليه مجمع الفقه الإسلامي هو الصواب في هذه المسألة وكونه يملك رده متى شاء أيضًا القرض يملك رده متى شاء فهذا الدليل كما أنه يكون في الوديعة أيضًا يكون في القرض بل إن الحنابلة يقولون بأن القرض لا يتأجل بالتأجيل أي إذا أقرضته ألف ريال لمدة سنة لك أن تطالبه الآن , وحتى لو قلنا بأنه يتأجل بالتأجيل نقول أنت إذا أودعت البنك هذه الدراهم فإنك اشترطت عليه أن تستردها متى شئت , والمسلمون على شروطهم .
هذا هو التكييف الشرعي لهذه الودائع التي تكون في المصارف وبهذا نفهم أنها تكون من قبيل الديون التي تكون على مليء , والدين على مليء تجب فيه الزكاة بل المصرف أشد ملاءة من المدينين لأن المصرف أي وقت وأي ساعة تستطيع أن تأخذ مالك .
فإذا كنا نرجح أن الزكاة تجب في الديون إذا كانت على مليء فوجوب الزكاة في الديون التي في المصارف من باب أولى لأن ملاءة المصارف أشد من غيرها لأنك في أي وقت تستطيع أن تسحب مالك , فكأن المال تحت يدك .
المسألة الثالثة: كيفية إخراج زكاة الحساب الجاري .
هذه الموال التي يودعها أصحابها في هذه المصارف تزيد وتنقص تقدم لنا في الراتب الشهري أنه الأحسن كما أفتت اللجنة الدائمة أن الإنسان يحدد له وقتًا أنه من أول راتب يتملكه ينظر بعد أن يحول الحول ينظر إلى ما تجمع عنده من الأموال فإن كانت حال عليها الحول يؤدي زكاتها في وقتها وإن كانت لم يحل عليها الحول فإن يكون قد عجل زكاتها .
ومثل هذا يأخذ الحكم في الأموال التي تودع إن كانت ليست ربح تجارة ولا نتاج سائمة وإن كانت ربح تجارة أو نتاج سائمة فحولها واحد لكن ليست ربح تجارة ولا نتاج سائمة فعنده مال وأضاف إليه مال آخر اكتسبه عن طريق الهبة أو راتب أو إرث فلكل له حول مستقل إما أن يجعل له جدولًا حسابيًا وينظر متى أودع هذا المال ومتى حال عليه الحول وهذا فيه مشقة وعسر أو أنه يحدد له زمنًًا ويخرج فيه زكاة هذه الأموال . ينظر كم تجمع عنده فإذا حال عليه الحول ينظر قد يكون قليلًا وقد يكون كثيرًا وما حال عليه الحول يكون قد أدى زكاته وما لم يحل عليه الحول فإنه عجل زكاته , اللهم إلا إذا سحب من الأموال بحيث أنه نقص النصاب أي ما عنده شيء . أي البنك ليس فيه شيء فليس عنده أموال أخرى - انتبه لهذه المسألة - قد يكون عنده أموال أخرى أي قد يكون هذا الحاسب ما فيه شيء لكن عنده حساب ثاني أو عنده في البيت مال أو عنده ذهب .
مثلًا إذا سحب المال وبقي أقل من النصاب انقطع الحول فإذا تم النصاب ابتدأ الحول لكن نتنبه إلى مسألة وهي أن بعض الناس يقول أن الحاسب ما فيه شيء وما عليه زكاة قد يكون فيه مثلًا 200 ريال والنصاب خمس مئة ريال , لكن عنده أموال ثانية في حساب آخر أو في البيت يضمها في تكميل النصاب فقد يكون عنده ذهب قد يكون عنده عروض تجارة فتضم ويخرج زكاة هذا المال الذي في الحساب وإن كان أقل من النصاب .
المسألة التاسعة: زكاة الصناديق الاستثمارية
وفيها مسألتان:
المسألة الأولى: تعريف الصناديق الاستثمارية .
المسألة الثانية: كيفية زكاة الصناديق الاستثمارية .
المسألة الأولى: تعريف الصناديق الاستثمارية:
الصناديق الاستثمارية: هي وعاء للاستثمار له ذمة مالية مستقلة يهدف إلى تجميع الأموال واستثمارها في مجالات متعددة ، وتدير هذه الصناديق شركة استثمار .
وهناك تعاريف أخرى لكن نقتصر على هذا التعريف .
المسألة الثانية: زكاة الصناديق الاستثمارية:
نقول أن هذه الصناديق تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكون استثمارها في نشاط معين مثل النشاط الصناعي أو الزراعي ، فهذه حكم زكاتها حكم زكاة هذا النشاط كما تقدم لنا:
فإذا كان نشاطها صناعيًا فإن الزكاة على صافي الأرباح: ربع العشر .
وإن كان نشاطها زراعيًا فزكاتها زكاة الزروع: العشر أو نصف العشر .
القسم الثاني: أن يكون استثمارها في النشاط التجاري بتقليب المال بالبيع والشراء ، وهذا هو الغالب اليوم على الصناديق الاستثمارية .
فالذي يودع أمواله في هذه الصناديق فلا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يكون الاتفاق بين رب المال والقائمين على هذه الصناديق الاستثمارية هو المضاربة بهذا المال بمعنى أنهم يعملون في هذه الأموال بالبيع والشراء بجزء معلوم مشاع من الربح مثلًا بـ 2% .
فنقول بالنسبة لرب المال - المضارب - يجب عليه أن يزكي زكاة عروض التجارة ، فينظر إذا حال الحول إلى قيمة أسهمه السوقية كم تساوي ، ثم يخرج ربع العشر، وإذا أعطي شيئًا من الأرباح فإنه يخرج زكاتها مباشرة ربع العشر .
وأما بالنسبة للقائمين على الصناديق الاستثمارية هذا ينبني على خلاف أهل العلم رحمهم الله المضارَب - من أعطى المال وهم هذه الشركة القائمة على هذه الصناديق الاستثمارية - هل يجب عليه أن يزكي على الربح أو لا ؟
الرأي الأول: إذا ظهر الربح أي إذا اشتغلت ثم ربحت هذه الشركة ، فالآن ملكت فيجب عليها أن تزكي إذا حال عليها الحول من حين الربح.
الرأي الثاني: وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه لا تجب على الشركة - القائمين على هذه الصناديق - الزكاة حق تقبض هذا الربح ويحول عليه الحول.
الأمر الثاني: أن تكون حقيقة العلاقة بين رب المال والقائمين على هذه الصناديق هي الوكالة بمعنى أنه يوكَّلهم في العمل بأمواله بجزء .
فبالنسبة لرب المال فإنه يزكي زكاة عروض تجارة فينظر إلى قيمة الأسهم السوقية ويخرج ربع العشر ، وإذا قبض شيئًا من الربح أخرج ربع عشره لأن الربح هذا حوله حول الأصل .
وأما بالنسبة للقائمين على هذه الصناديق فما يأخذونه هو أجرة على عملهم .
والصحيح من أقوال أهل العلم أن الأجرة لا تجب فيها الزكاة حتى يحول عليها الحول من حين العقد فنقول إذا حال الحول على هذه الأجرة من حين العقد نقول تجب فيها الزكاة .
المسألة العاشرة: زكاة المصانع
وفيها أربع مسائل:
المسألة الأولى: هل تجب الزكاة في زكاة غلة هذه المصانع وعن أعيان المستغلات ؟ .
المسألة الثانية: زكاة السلع المصنعة .
المسألة الثالثة: زكاة المواد الخام .
المسألة الرابعة: زكاة المواد المساعدة في التصنيع .
الفقهاء في الزمن السابق تحدثوا عن زكاة المستغلات ، والمراد بالمستغلات هي كل أصل ثابت يدر دخلًا تتجدد منفعته . وفي زماننا هذا خاض الفقهاء في الهيئات والمؤتمرات الفقهية في الحديث عن زكاة المستغلات وخصوصًا فيما يتعلق بالمصانع لأن المصانع نشأت حديثًا وتطورت سريعًا وهي من أكبر قنوات الاستثمار في العصر الحاضر لضخامة رؤوس أموالها وكثرة إنتاجها .
المسألة الأولى: هل تجب الزكاة في زكاة غلة هذه المصانع وفي أعيان المستغلات ؟
والمراد"بأعيان المستغلات": ما تحتويه هذه المصانع من آلات ومكائن ... الخ .
والمراد"غلة الأعيان": أي غلته ما تنتجه هذه المصانع .
فهذه اختلف فيها العلماء رحمهم الله تعالى على أقوال نقتصر على قولين:
القول الأول: أن الزكاة لا تجب في أعيان المستغلات أي ما يوجد في هذه المصانع الضخمة من آلات ومكائن ومعدات يُحتاج إليها في المصنع إنما تجب الزكاة في الغلة التي ينتجها المصنع بعد أن يمضي حولٌ على إنتاجها .
وهذا رأي مجمع الفقه الإسلامي .
واستدلوا بأدلة منها:
* أن النبي r قال: « ليس على المسلم في فرسه ولا عبده صدقة » (27) .