فهرس الكتاب

الصفحة 823 من 1226

والصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه أكثر أهل العلم من وجوب الزكاة فيها وكما ذكرنا أن هذا هو الذي دلت له العمومات وأيضًا هو الوارد عن أكثر الصحابة كعثمان ، وابن عمر وجابر ، وعائشة ، وعلي - رضي الله تعالى عن الجميع - .

القسم الثاني: الدين الذي يكون على معسر أو مليء مماطل أو جاحد فهل تجب فيه الزكاة أو لا تجب فيه الزكاة ؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم:

الرأي الأول: مذهب الإمام الشافعي ومذهب الحنابلة:

قالوا تجب فيه الزكاة مطلقًا لجميع السنوات إذا كان الدين على معسر أو على مليء مماطل فإذا قبضه يزكيه عن جميع السنوات.

واستدلوا على ذلك:

* بأن هذا وارد عن علي رضي الله عنه فإنه قال: « إذا كان صادقًا فليزكيه إذا قبضه » (18) .

* أنه وارد عن ابن عباس رضي الله عنهما (19) .

* ويؤيد ذلك أيضًا ما سبقت الإشارة إليه من أن الديون أموال يصح للإنسان أن يتصرف فيها بالإبراء والحوالة والبيع وغير ذلك من التصرفات بشروطها المعتبرة عند العلماء رحمهم الله والله عز وجل يقول a خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ? (20) .

* وفي حديث معاذ يقول النبي r: « فإن هم أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد عل فقرائهم » (21) .

الرأي الثاني: أن الدين إذا كان على معسر أو مماطل أو جاحد أنه لا زكاة فيه ، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله (22) .

استدلوا على ذلك:

* بأنه وارد عن علي رضي الله عنه أيضًا فإنه قال: « لا زكاة في الدين الضمار » أي الدين الذي لا يرجى رجوعه .

وعلى هذا القول فإن الدين إذا كان عل معسر أو مماطل فلا زكاة فيه ، فإذا قبضه يستأنف فيه حولًا مستقلًا .

الرأي الثالث: وسط بين الرأيين ، ذهب إليه الإمام مالك أن الدين الذي يكون على المعسر أو على المماطل إذا قبض فإنه تجب فيه الزكاة لسنة واحدة فقط (23) .

واستدل على هذا بالقياس على الثمرة فإن الثمرة معدومة أو في حكم المعدوم ثم بعد ذلك إذا حصلت هذه الثمار وأثمرت الأشجار فإن الإنسان يزكي هذه الثمار مرة واحدة فقط والله عز وجل يقول a:وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ? (24) فإذا أثمرت هذه النخيل يزكيها مرة واحدة فقط ، والثمرة هذه معدومة أو في حكم المعدوم قد تحصل لها شيء من الآفات التي تتلفها ومع ذلك لا يجب فيها إلا زكاة مرة واحدة ولو بقيت عنده الثمار سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات لا يجب أن يزكيها إلا مرة واحدة فقط .

وهذا قول وسط بين القولين فنقول الأموال التي تكون على معسرين أو مماطلين أو جاحدين هذه لا تجب أن تزكى إلا مرة واحدة ومثل ذلك أيضًا الأموال المنسية أو الأموال المسروقة أو المغصوبة أو المنتهبة أو المختلسة فإذا قدر عليها الإنسان فإن يزكيها مرة واحدة فقط .

القسم الثالث من أقسام الديون: الديون المؤجلة: وهذا يكثر اليوم في حياة الناس فهذه الديون المؤجلة هل تجب فيها الزكاة أو لا تجب فيها الزكاة ؟

هذه موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى:

الرأي الأول: مذهب الإمام أحمد والشافعي أنه يجب الزكاة في الديون واستدلوا على ذلك:

* بقول الله عز وجل: aوَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ ? (25) فهذه الديون تعتبر أموالًا .

* وبقول الله عز وجل: a خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ? (26) فهذه الديون وإن كانت مؤجلة فإنها تعتبر مالًا ويصح أن يتصرف فيها بالإبراء , وبالحوالة , وبالبيع , وبالشراء بشروطها المعتبرة فإذا كان كذلك فتدخل تحت العمومات .

الرأي الثاني: مذهب الظاهرية أن الديون المؤجلة أنه لا زكاة فيها وهذا ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى . وهو وجه عند الشافعية ووجه عن الحنابلة .

والظاهرية هم أضيق الناس في مسألة الديون فلا يوجبون الزكاة مطلقًا في الدين سواء كان الدين على مليء أو معسر أو كان الدين حالًا أو مؤجلًا.

وأوسع الناس في مسألة إيجاب الزكاة في الديون هم الشافعية والحنابلة .

واستدل الظاهرية بما تقدم مثل: ما ورد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «لا زكاة في الدين » .

وأيضًا الدين هذا غير موجود فلا يكلف الإنسان بإخراج الزكاة فيه .

والراجح بالنسبة للديون المؤجلة: أنها تجب فيها الزكاة كسائر الأموال فإن كانت هذه الديون المؤجلة على مليء باذل يجب أن يزكي كل عام وإن كانت على معسر أو مماطل لا تجب الزكاة إلا مرة واحدة إذا قبضها .

ومما يؤيد بأن الديون المؤجلة تجب فيها الزكاة:

أولًا: لما ذكرنا من أن هذه الديون تعتبر أموال .

ثانيًا: أن التأجيل إنما كان باختيار صاحب المال فهو الذي اختار أن يؤجل هذا المال أي كونه غير نامي الآن بيده ولا يملك أن يطالب فيه فهو الذي اختار ذلك .

ثالثًا: أن التأجيل قد يكون مقابل فائدة استفادها صاحب المال وهذا ما يحصل في تقسيط السلع مثل السيارات أي عن طريق مسائل التورق وبيع السلع بأجل فالغالب أن الذي يبيعون السلع بأجل وتكون أثمان المبيعات مؤجلة الغالب أنهم استفادوا من هذا التأجيل فهذا يدل على أن هذا التأجيل لهم فائدة فيه وإذا كان لهم فائدة فيه فيطالبون بزكاة هذه الأموال .

قد يكون الدين إذا كان غير مؤجل ما استفاد لكن إذا كان مؤجلًا فإنه يكون استفاد فائدةً كبيرة .

قد يقول بعض الناس بأن هذه الفائدة تأكلها الزكاة نقول هذا غير مسلم فبالنظر إلى واقع الناس نجد أن الزكاة لا تساوي شيئًا بالنسبة لما يستفيده من التأجيل .

فتلخص لنا أن الديون المؤجلة تجب فيها الزكاة لكن كما ذكرنا على حسب التقسيم .

بعد هذا العرض لأقسام الديون الثلاثة يتبين لنا زكاة السندات وسبق أن تعرضنا لزكاة المال المحرم فنلخص لنا أن المال المحرم لا تجب عليه .

السندات عبارة عن ديون بفوائد والغالب أن الذي يصدر هذه السندات شركات أو بنوك أو دول وهذه الشركات أو البنوك أو الدول في حكم المليء الباذل, فتأخذ هذه السندات حكم القسم الأول من أقسام الديون فنقول تجب الزكاة في هذه السندات لأنها عبارة عن ديون على هذه البنوك أو الشركات أو الدول وهذه تكون في حكم المليء الباذل ولو كانت مؤجلة كما سلف لنا أن الزكاة تجب في الأموال المؤجلة .

أما ما يتعلق بالفائدة الربوية فهذه موضع خلاف وسبق أن ذكرنا أن الأموال المحرمة لا تجب الزكاة فيها ، فنقول هذه القروض تجب الزكاة فيها أما بالنسبة لفوائدها الربوية فنقول لا يزكيها فلو كان مثلًا القرض عشرة ألاف ريال وفائدته الربوية ألفان أو ثلاثة آلاف ريال نقول يزكي عن عشرة وأما الفائدة الربوية فهذه كما تقدم لنا أن الأموال المحرمة لا تجب الزكاة فيها .

المسألة السابعة: زكاة أسهم الشركات

ومما لا شك فيه أن كثيرًا من الناس اليوم صار لهم تعامل مع هذه الأسهم سواء كان ذلك عن طريق الاكتتاب أو كان عن طريق البيع والشراء والمضاربة ونحن ذلك .

وأسهم الشركات فيها مسألتان:

المسألة الأولى: تعريف أسهم الشركات.

المسألة الثانية: خلاف العلماء رحمهم الله في زكاة أسهم الشركات وكيفية زكاتها .

المسألة الثالثة: بيان الراجح في كيفية إخراج زكاة أسهم الشركات .

المسألة الأولى في بيان تعريف أسهم الشركات:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت