فهرس الكتاب

الصفحة 785 من 1226

وقد قيل: (كثيرًا ما يكون الباطل أهلًا للهزيمة ، ولكنَّه لا يجد من هو أهل للانتصار عليه) وحين كان يتحدَّث الإمام ابن تيميَّة عن مناظرة أهل السنة لأهل البدع والهوى ، بيَّن ـ رحمه الله ـ أنَّ أهل السنة والجماعة لا يؤيِّدون أن يتصدى لمناظرة أهل البدع من كان قليل العلم ، فقال: (وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجَّة وجواب الشبهة ، فيخاف عليه أن يفسده ذلك المضلُّ ، كما يُنهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجًا قويًَّا من علوج الكفَّار ، فإنَّ ذلك يضرُّه ويضرُّ المسلمين بلا منفعة) "درء تعارض العقل والنقل7/173"وعلَّة ذلك أنَّه حين النقاش يظهر السنِّي أمام أهل الضلال والهوى بمظهر ضعف ، وعدم قوَّة في الاحتجاج والطرح ، فيسبِّب ذلك له ولبعض أهل السنَّة حيرة وفتنة في دينهم ، وقد تحدَّث ابن تيمية في موضع آخر حول هذه القضيَّة قائلًا: (وكثيرًا ما يعارضهم من أهل الإسلام من لا يحسن التمييز بين الحقِّ والباطل ، ولا يقيم الحجَّة التي تدحض باطلهم ، ولا يبيِّن حجَّة الله التي أقامها برسله ، فيحصل بسبب ذلك فتنة) "مجموع الفتاوى35/190"

فصل

حلُّ إشكال قد يقع في البال

قد يقول بعض إنَّنا نعيش في زمن الانفتاح ، والقرية الكونية ؛ التي فرضت نفسها على المجتمعات ، وقد يصلح ما أكتبه لبعض المجتمعات المنغلقة على كينونتها الخاصَّة بها ، أو أزمنة سابقة ، وكثير من الناس يعيش في بلاد يكثر بها أهل الهوى والابتداع، فليس من بدٍّ إلا أن يستمع للأفكار حسنها وسيئها ، وقد يكون غير محصَّنٍ فكريًا وعقديًا ، كما تزعم أهميَّته ، فما قولك؟!

فالجواب عن هذا الإيراد:أنَّ هذا الطرح فيه شيء صحيح و باطل ، فأمَّا الصحيح فإنَّ هناك مجتمعات لها خصوصيَّتها الفكرية والعقدية ، وهناك مجتمعات تكثر فيها المذاهب العقديَّة ، والآراء الفكرية المغايرة لمنهج أهل السنَّة والجماعة ، ولكن...هل نقف عند هذا الحد ، ولا ننتقي ونختار علماء أهل السنَّة الموجودين في كلَّ مكان من الأرض ، ممَّا يساعدنا على البناء العقدي المتين ؟

ثمَّ من الذي قال لهؤلاء احضروا لمن تشاؤون ، لقلَّة أهل السنَّة والجماعة الموجودين في أراضيكم ؟

أليس النَّبيُّ ـ عليه الصلاة والسلام ـ أخبرنا بأنَّه سيأتي زمان القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر؟! وذلك لأنَّ صحابة رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ يجدون على الخير أعوانًا وهؤلاء القابضون على الجمر لا يجدون على الحقِّ أعوانًا.

ألم يخبرنا بأنَّه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شرٌّ منه حتى نلقى ربنا ؟ وأوصانا بأن نصبر حتَّى نلقاه على الحوض غير مبدلين ولا مغيرين؟ كما قال القائل:

تزول الجبال الراسيات وقلبه على العهد لا يلوي ولا يتغيَّر

ثمَّ هناك فرق بين أن يجلس إنسان مسلم في مجلس فيتحدَّث متحدثٌ بكلام خاطئ ، ويكون المسلم الجالس في ذلك المجلس عَرَضًَا لا قصدًا ، فإنَّ الأعمال بالنيَّات كما أخبرنا المصطفى ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ والأمور بمقاصدها ، وقد رُفِعَ الحرج عن هذا وأمثاله حين حضر هذا المجلس ، ولكن ليس له إن علم ضلال قول ذلك المتحدِّث أن يبقى جالسًا في المجلس ذاك ، بل يجب عليه مفارقته ، وخاصَّة إن كان قليل العلم ، وقد قال أبو قلابة ـ رحمه الله ـ: (لا تجالسوا أهل الأهواء ، ولا تجادلوهم ، فإنِّي لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم ، أو يلبِّسوا ماتعرفون) (الإبانة2/437) .

إنَّ فرضيَّات الواقع والتي يغلب عليها اللغة الانهزاميَّة ، والأفكار المضلِّلة ، تقتضي أن نكون أشدَّ إصرارًا في مفاصلاتنا العقدية، وأصلب عودًا في التلمُّس الجاد لوجود أهل السنة المعينين لنا بالإبقاء على استنبات الفطرة التي ولدنا عليها، وأهميَّة معرفة مصادر التلقي لنتصورها ونعتقدها مستمسكين بها، ولدينا أهل العلم وحملته الربانيُّون، فلنسألهم ولنستوضح منهم ما أشكل من أصول ديننا.

الفصل الأخير

حلول وأصول في حماية العقل المسلم من شبهات المغرضين

وبعد هذه الأطروحة التي عرضت قضيَّة أحسب أنَّها من مهمَّات قضايا الفكر الإسلامي ، فلابد لسائل أن يقول: وكيف نحصِّن أنفسنا وفكرنا من الداخل ، خشية أن يضلَّنا ما هو زائغ عن المنهج القويم ، وما الأسس والأصول التي تكوِّن لدينا حصانة شرعيَّة ، نستطيع ـ بإذن الله ـ بعدها أن نردَّ الغلط إذا أوردت الشبهات ، وخصوصًا في ظلِّ ما يمارس الآن من الحرب الإعلاميَّة الغازية للأفكار والعقول المسلمة؟

لعلَّ الجواب يكمن في عدَّة نقاط أرى أنَّها ـ بإذنه تعالى ـ تساهم في بناء الحصانة الشرعية للعقليَّة الإسلامية ، وهي كالتالي:

1ـ التعلُّق باللَّه ـ عزَّ وجل ـ والاستعانة والاستعاذة به ، وسؤاله الهداية والثبات والممات على دين الإسلام من غير تبديل ولا تغيير ، ولنا في رسول الله أسوة وقدوة ، فقد كان يسأل ربَّه الهداية ، وكان كثيراًَ ما يسأله الثبات على هذا الدين ، وعدم تقلُّب قلبه عن منهج الإسلام ، ويستعيذ به من أن يضلَّ أو يُضلَّ ، كما كان ـ عليه السلام ـ يستعيذ من الفتن ما ظهر منها وما بطن ، فالدعاء الملازم لذلك والانطراح على عتبة العبوديَّة ، وملازمة القرع لأبواب السماء بـ: (ربَّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنَّك أنت الوهاب) إذا اجتمعت هذه كلَّها ، فلاشكَّ أنَّ رحمته سبحانه سابقة لغضبه وعقابه ، ومحال أن يتعلق العبد بربِّه حقَّ التعلُّق ، ويعرض عنه الله ـ سبحانه وبحمده ـ وهو الكريم الوهاب.

2ـ الثِّقة بمنهج الله ووعده وحكمه وأوامره ، واليقين به ومراقبته ، والشعور بالمسؤوليَّة عن حفظ الدين من شبهات المغرضين ، وعدم خلطه بالباطل ، أو لبسه إياه ، ومن ثمَّ الصبر على مكائد المنفِّذين والمسوِّغين للشُّبهات، فإنَّه سبحانه وتعالى يقول: (وإن تصبروا وتتَّقوا لا يضرُّكم كيدهم شيئًا) وقد قال الإمام سفيان الثوري: (بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين) وممَّا يشهد لذلك قوله تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لمَّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) السجدة (24)

3ـ تلقِّي العلم عن العلماء الربَّانيين ، وإرجاع المسائل المشكلة إليهم ليحلُّوها ويوضِّحوا ما أبهم على صاحبها، فلا يستعجل في قبول فكرةٍ أطلقها من لا يؤمن فكره ، ولا يبقي تلك الشُّبهة في صدره حتَّى تعظم ، بل ينبغي عليه أن يضبط نفسه بالرجوع للراسخين من أهل العلم ؛ فإن الله ـ تعالى ـ يقول: (فاسألوا أهل الذكر إن كنت لا تعلمون) وذلك لأنَّ هذا العلم دين يدين به العبد لربَّه ويلقاه به إذا مات عليه، ولهذا قال الإمام محمد بن سيرين ـ رحمه الله ـ: (إنَّ هذا العلم دين ؛ فانظروا عمَّن تأخذون دينكم) (أخرجه مسلم في مقدِّمة صحيحه(1/14 ) )

4ـ البناء الذاتي بمعرفة مصادر التَّلقي ، ومناهج الاستدلال الصحيحة ، وملء القلب بنور الوحي من الكتاب والسنَّة، مع ملازمة إجماع أهل السنَّة والجماعة ، فإنَّ هذه المصادر عاصمة من قاصمة الوقوع في الخطأ والانحراف والزلل ، وسبب أكيد لسدِّ باب الشبهات المظلمات ، وذلك ـ بعونه تعالى ـ مساعدٌ لحماية العقل المسلم من مضلاَّت الفتن.

قال أبو عثمان النيسابوري: (من أمرَّ السُّنَّة على نفسه قولًا وفعلًا نطق بالحكمة ، ومن أمرَّ الهوى على نفسه قولًا وفعلًا نطق بالبدعة لأنَّ الله تعالى يقول:(وإن تطيعوه تهتدوا) مجموع الفتاوى (14/241) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت