وحين جاء رجل للإمام مالك يقال له أبو الجويرية ـ متَّهم بالإرجاء ـ فقال له:اسمع منِّي،فقال مالك:احذر أن أشهد عليك . فقال هذا الرجل:والله ما أريد إلَّا الحق ،فإن كان صوابًا ، فقل به ، أو فتكلَّم . فقال مالك:فإن غلبتني . فقال الرجل:اِتَّبِعْني.فقال مالك:فإن غلبتك ، قال:اتَّبعتك .فقال مالك:فإن جاء رجل فكلَّمنا، فغلبنا؟قال:اتَّبعناه.فقال مالك:يا هذا ، إنَّ الله بعث محمدًا ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بدين واحد ، وأراك تتنقل!!) (سير أعلام النبلاء 8/99ـ106) (الفتوى الحموية الكبرى/ ص277) ولا يعني ذلك بحال ألاَّ يتطلب المسلم الحق ويبحث عنه ، فإنَّ هذا الأمر غير ذاك،والفارق بينهما أن من يريد تتبع الحق في أصول الإسلام وقضاياه الكلية يرجع إلى كتاب الله ، وسنَّة رسوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ فيستقي منهما الحقَّ والصواب،على طريقة علماء أهل السنَّة والجماعة، ومنهجيَّتهم في الاستدلال.
فصل
حتى لا نقع في الانحرافات
صفة متَّبع الحق أنه يدور مع الأدلة الشرعية حيث تدور،فهمُّه التسليم لكلام الله ورسوله ؛ لأنه عابدٌ لله ، ولا يكون العبد مسلمًا لله إلا إذا ابتعد عن هواه وسلَّم عقله ونفسه لحكم الله وأمره ، أمَّا من يريد تتبع الحق لأقوال من عرفوا بالزيغ والهوى،فإنَّه قلَّ أن يصل للمنهج الإسلامي الصحيح ، ومن دلائل معرفة هؤلاء أنَّهم يبعدون النجعة كثيرًا عن الأدلة الشرعية،ولا يتحاكمون إلاَّ إلى عقولهم ومن ثمَّ يختارون من الشريعة ما يوافق هواهم ، بل لو قيل لبعضهم: إنَّ هذا القول خطأ والدليل عليه من كتاب الله كذا وكذا ، لضجُّوا وأكثروا وقالوا أنت رجل مماحك ؛ فما أشبههم بقوله تعالى: (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون) نسأل الله العافية والسلامة!
ومن هنا يلزم كلِّ متبع لمنهج أهل السنة أن يكون فكره مبنيًَّا على كتاب الله وسنة رسول الله بالفهم المنضبط على منهج أهل السنة والجماعة ، خشية الوقوع في الشبهات ووصولها إلى ذهنه، ومن ثمَّ صعوبة الانفكاك عنها، حيث ترسَّخت في العقل ، ولعلَّ هذا يفسِّر لنا ما ذكره الإمام أبو بكر بن العربي عن أبي حامد الغزالي ـ رحمهما الله ـ حيث إنَّه من المعلوم أنَّ الإمام الغزالي تنقل في عدة أطوار عقدية ومنهجية من اعتزالية فلسفيَّة، فكُلاَّبيَّة ، فصوفية ، فأشعريَّة ، ثمَّ أراد الانفكاك عنها والخروج من لوازمها ، لكنَّه لم يستطع أن يتقيأ كلَّ ما انغرس في فكره من تلك العقائد البدعية ، فقال عنه أبو بكر بن العربي: (شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة، ثمَّ أراد أن يخرج منهم فما قدر) "درء تعارض العقل والنقل1/5"وكذا الإمام أبو الحسن الأشعري فقد كان معتزليًَّا ، ثم تبنَّى الفكر الأشعري ، وبعد هذه التنقلات الفكرية ترك أبو الحسن الأشعري ذلك كلَّه وأقبل على منهج أهل السنَّة والجماعة وألَّف كتابين جليلين فيه هما: (الإبانة عن أصول الديانة) وكتاب: (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلِّين) ولكنَّه مع ذلك لم يخل من بعض الأخطاء بسبب التكوين العقدي المركَّب في عقله، وممَّن ألمح لذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ حيث قال: (لم يستطع التخلُّص من مذهب المعتزلة لأنَّه نشأ عليه مع قلَّة خبرته بمذهب أهل السنَّة وعدم تمكنه من علم الكتاب والسنة) (فتاوى ابن تيميَّة)
عرضت هذين النموذجين لأبيِّن دور البناء والتأصيل للتكوين العقدي في الخريطة الذهنية لدى الفرد المسلم ، وأنَّ الانفكاك عن كلِّ ما يثبت بالذهن من الأخطاء العقديَّة قد يكون صعبًا ، إلاَّ من أراد الله له ذلك وتفلَّت فكره من كلِّ مخالفة شرعيَّة.
فصل
استدراك لابدَّ منه
لا يعني التحذير من القراءة لكتب أهل الزيغ والهوى ، أو متابعة آرائهم وأفكارهم بأي حال ؛ ألاَّ يُنتَدَب أناس منَّ الله عليهم بالعمق العلمي في معرفة منهج أهل السنة ، ورصانة الدفاع عنه ، مع ما آتاهم الله من قوة وحجَّة في الكلام ، وجزالة في المعاني والتبيان، بالتصدِّي لأهل البدع والضلالات ، وكشف زيف شبههم ؛ فإنَّ أهل السنة محتاجون أشد الحاجة لأولي العلم الربانيين المتمكِّنين ، وخاصة في هذا الزمان ، الذي كثرت فيه الشبهات وتسلط فيه الجهال على منابر الإعلام ، وانتشر فيه الرويبضات الذين ينطقون في أمر العامة ، فإننَّا بحاجة ماسَّة لمن منَّ الله عليهم بذلك وتكونت لديهم الحصانة العقدية ، لأن يُنتدَبوا لجدال الزائغين ، ومناقشة المغرضين ، وقد كان في السابق من أهل العلم من ينتدب لذلك إذا رأى الشبهات قد كثرت ، بل قد يناظر ويجادل أمام العامة ، إذا خشي أن تتسرب الفكرة الضالة إلى عقولهم من أهل الضلال ، حماية لهم منهم ، وردًا لكيد الضُّلاَّل في نحورهم ، كما ناقش الإمام أحمدُ ابنَ أبي دؤاد ، وكما جادل الكنانيُّ بِشْرَ المريسي ، وابنُ تيميةَ علماءَ الأشاعرة ، وغيرهم كثير . وكانت هذه الحالة عند العلماء استثنائية ، من أصل عدم مناظرة هؤلاء ، أو الاستماع إليهم ، إلاَّ إن اضطروا إلى ذلك ، وخشوا أن تستفحل الفتنة أكثر فأكثر ؛ فإنَّ أهل السنَّة استحبُّوا أن ينتهض الربَّانيون لمجادلة الضلاَّل .
وممَّن نبه على ذلك من علماء الإسلام: الآجرِّي ـ رحمه الله ـ بقوله عن أهل الضلالة والبدع: (فإن قال قائل:فإن اضطر في الأمر وقتًا من الأوقات إلى مناظرتهم ، وإثبات الحجة عليهم ألا يناظرهم؟قيل:الاضطرار إنَّما يكون مع إمام له مذهب سوء ، فيمتحن الناس ، ويدعوهم إلى مذهبه ، كفعل من مضى ، في وقت الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله:ثلاثة خلفاء امتحنوا الناس ، ودعوهم إلى مذهبهم السوء ، فلم يجد العلماء بدًَّا من الذبِّ عن الدين ، وأرادوا بذلك معرفة الحق من الباطل ، فناظروهم ضرورة لا اختيارًا،فأثبت الله ـ عزَّ وجل ـ الحق مع الإمام أحمد بن حنبل ، ومن كان على طريقته ، وأذلَّ الله العظيم المعتزلة وفضحهم ، وعرفت العامة أنَّ الحقَّ ما كان عليه أحمد بن حنبل ومن تابعه إلى يوم القيامة) (الشريعة للآجرِّي/ص66) ، ولهذا فلا يُذْكَر أن أُفحِمَ أهل السنة في مناقشاتهم لأهل البدع ، أو مناظراتهم لهم ـ ولله الحمد والمنة ـ لأنَّ الله هاديهم ، ومنوِّر طريقهم ، وحقًَّا:
إذا تلاقى الفحول في لَجَبٍ فكيف حال البعوض في الوسط
أمَّا من أرادوا جرَّ أهل البدع والهوى لمناقشات لا يحسنون الجدل معهم فيها ، بل يلقون في أذهانهم شبهًا تلجلج في عقولهم أيَّامًا حتى يفرجها الله بإزالة تلك الإشكالات من أهل العلم الربانيين ، بعد أن يطوف عليهم هؤلاء المغمورون...إنَّ هؤلاء القوم لا يقال لهم ، إلاَّ لا تعرضوا أنفسكم للفتنة ، فتكونوا للناس فتنة ، حين لا يجدوا لديكم قوَّة في الحجَّة ، وعمقًا في المناظرة ، وكم أُتي أهل السنة والجماعة من أمثال هؤلاء !