فالجواب عن ذلك:بأنَّ هذا الطرح متولد من العقلية الغالية في تحكيم النصوص ، والتي تزايد في إعطاء العقل ما لا يقدر عليه ، ولم يُبْنَ على الأصول الشرعية، وإلَّا فإنَّ هدي رسول الهدى ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ والصحابة والتابعين ممن بعده يقوم على تحصين الأفكار ، وصيانة العقول من الاستماع لكلِّ من هبَّ ودبَّ ، وعلى هذا قام منهج أهل السنَّة والجماعة ، ورحم الله عمر بن عبد العزيز، حين قال: (سنَّ رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ وولاة الأمر بعده سننًا،الأخذ بها تصديق لكتاب الله ،واستكمال لطاعته ، وقوَّة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ، ولا النظر في رأي من خالفها،فمن اقتدى بما سنُّوا فقد اهتدى ، ومن استبصر بها بصر ، ومن خالفها واتَّبع غير سبيل المؤمنين ولَّاه الله ماتولى وأصلاه جهنَّم وساءت مصيرًا) أخرجه الآجري في الشريعةص48،والَّلالكائي شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعةبرقم (134) (1/94) ،وعبدالغني المقدسي في الاقتصاد في الاعتقادص216)وحين جاء رجل للإمام الأوزاعي ـ رحمه الله ـ فقال:أنا أجالس أهل السنَّة ، وأجالس أهل البدع . قال الأوزاعي: (هذا رجل يريد أن يساوي بين الحقِّ والباطل) أخرجه ابن بطَّة في الإبانة (2/456) والَّلالكائي (252) في شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة والجماعة.
وكم أعجبتني فتوى الشيخ العلاَّمة السيد محمد رشيد رضا ـ رحمه الله ـ حين سئل: ما هو حكم الله فيمن يطالع الكتب السماوية الأخرى مثل التوراة بقصد الإحاطة خبرًا بما جاء في غير شريعتنا , وهل كان النهي عن قراءتها عامًّا ، وإذا سلمنا ذلك تكون الشعوب غير الإسلامية متميزة على المسلمين بعدم منع أنفسهم إجالة النظر في القرآن ، فيستفيدون مما جاء فيه من الآيات البينات , ويحتجّون به علينا , ونحن لا نقدر أن نقابلهم بالمثل ؛ لأن كتبهم مغلقة في وجوهنا . أفيدونا بما علمكم الله ؟.
فأجاب فضيلته: بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:
الأمور بمقاصدها , فمن يطالع كتب الملل بقصد الاستعانة على تأييد الحق وردّ شبهات المعترضين ونحوه وهو مستعد لذلك , فهو عابد لله تعالى بهذه المطالعة , وإذا احتيج إلى ذلك ؛ كان فرضًا لازمًا .
وما زال علماء الإسلام في القديم والحديث يطلعون على كتب الملل ومقالاتهم , ويردّون بما يستخرجونه منها من الدلائل الإلزامية , وناهيك بمثل ابن حزم وابن تيمية في الغابرين ، وبرحمة الله الهندي صاحب إظهار الحق في المتأخرين ، أرأيت لو لم يقرأ هذا الرجل كتب اليهود والنصارى ، هل كان يقدر على ما قدر عليه من إلزامهم وقهرهم في المناظرة , ومن تأليف كتابه الذي أحبط دعاتَهُم في الهند وغير الهند ، أرأيت لو لم يفعل ذلك هو ولا غيره أما كان يأثم هو وجميع أهل العلم , وهم يرون عوام المسلمين تأخذهم الشبهات من كل ناحية ولا يدفعونها عنهم ؟
نعم إنه ينبغي منع التلامذة والعوام من قراءة هذه الكتب لئلا تشوش عليهم عقائدهم وأحكام دينهم ، فيكونوا كالغراب الذي حاول أن يتعلم مشية الطاووس فنسي مشيته ولم يتعلم مشية الحجل ، والله أعلم .(1(
ولنفترض جدلًا أنَّ علماء أهل السنَّة والجماعة فتحوا المجال للنَّاس أجمعين ليطالعوا ما يشاؤون،ويشاهدوا مايريدون، فالظنُّ أنَّه سيخرج كلُّ واحد منهم بمنهج يدَّعي أنَّه الحق الذي لا مرية فيه ، وخاصة إذا استصحبنا أنَّ في القلوب ركيزة الهوى ، وتزيين السوء باسم المصلحة تارة والحق أخرى ووجهة النظر ثالثة والحرية رابعة ، وتكون النتيجة المحصِّلة لنا من هذه الآراء ؛ التمذهب بمذهبية الـ (حيص بيص!) في المعتقدات والأفهام ، والكل يقول أنا الذي ! دع عنك حبَّ الاستئثار بالرأي لدى البشر، وتعظيمهم لأقوالهم ، ومن ثمَّ إخراجهم للكتب والمؤلفات لنصرة رأيهم،والانتصار لفكرتهم (وكم كتاب صنع ليطعن حقَّا) كما قاله الشيخ محمد الخضر حسين في كتابه: (نقض كتاب الشعر الجاهلي ص4)
والحقيقة أنَّنا إذا نظرنا فيمن يعظِّم الذي يظنُّ أنَّه عقلاني ، فسنجدهم قد صاروا إلى أقوال متباينة ، وأفكار غريبة، وقلَّ أن نراهم يوافقون الحق والصواب المدَّعى من قِبَلِهم ؛ لأنَّ المعيار بلا معيار لا يكون ، والعقول تختلف ، والآراء تتباين ، والأفكار تتضارب ، فتتكون لديهم رؤية مبعثرة غير متَّزنة ، تسفُّها الرياح العاتية ، وتتلاعب بها الأعاصير الجارفة ، وقد قيل: (للناس بعدد رؤوسهم آراء !) ولهذا فلم نرَ من كبارهم إلَّا الندم والحسرة على تلك الأيام التي خلت حين كانوا يضربون الأخماس في الأسداس في ماهية المنهج الصائب،حتَّى انتهوا بلا نهاية،وقالوا:
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وللَّه درُّ الإمام ابن قتيبة حيث قال عن هؤلاء المتَّبعين للمنهج"الأرأيتي": (وقد كان يجب ـ مع ما يدَّعونه من معرفة القياس وإعداد آلات النظر ـ أن لا يختلفوا كما لا يختلف الحُسَّاب والمسَّاح ، والمهندسون ، لأن آلتهم لا تدلُّ إلاَّ على عدد واحد ، وإلا على شكل واحد ، وكما لا يختلف حذَّاق الأطبَّاء في الماء وفي نبض العروق ؛ لأنَّ الأوائل قد وقفوهم من ذلك على أمر واحد ؛ فما بالهم أكثر الناس اختلافًا ، لا يجتمع اثنان من رؤسائهم على أمر واحد في الدين) (انظر:تأويل مختلف الحديث/صـ63) وصدق الله: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا) .
وأمَّا ما ادَّعاه بعضهم من صحَّة الفكرة القائلة:بأن يقلِّب المرء ناظريه بين الأقوال المتضاربة ، ويرى الحق الذي يبدو له في بعضها فيختاره ، ثم يرى أنَّ هناك شخصًا تَعَقَّبَ ذلك الحق الذي اتَّبعه فجعله باطلًا ، ثمَّ أبدى ما لديه من حق ، فيأتي المرء ليختار الحق الذي اختاره ذلك الشخص المتعقب لكلام من قبله ، ثمَّ يأتي شخص ثالث فيبطل القولين ويصوِّب القول الذي اختاره بعناية وتحقيق، فيأتي هذا المرء المسافر بين عقول هؤلاء ليختار قول هذا الرجل ، لأنَّه قوي في المناظرة ، رابط الجأش في المجادلة ، وهكذا....فإنَّ هذا الرأي المطروح ليس صوابًا ، لأنَّ دين الله لم يأت ليحاكمه العقل البشري، بل ليسمع له ويطيعه ، ولهذا فإنَّ المنهج العقلي وإنْ صوِّر لأصحابه في البداية بأنَّه منهج المنطقية والعقلانية ، إلَّا أنَّه في الحقيقة منهج الحيرة والضلالة ، لأنَّ هذا المنهج وإن كانت له قيود ، فقيوده متفلِّتة ، وقواعده متسيِّبة، فينتج من ذلك ثلاثة أمور:
1ـ إمَّا أن يصاب أصحابه بتبلّد الإحساس فيختاروا قولًا ، يبقون عليه إلى أن يُقْبَضُوا مع تعصب مقيت ، وهوى متَّبع.
2ـ وإمَّا أن يصطدموا بما لا طاقة لعقولهم به فيردُّوا الشريعة جملة وتفصيلًا.
3ـ وإمّا أن يصاب أصحابه بالارتحال الفكري ، والتجوال بين عقول البشر ، ومناهج الفلاسفة أو المفكرين العصريين ، فيعانوا من الدُّوار مع القلق الفكري ، وتغلب عليهم الحيرة والاضطراب المنهجي ـ عياذًا بالله من ذلك ـ وقد ابتلي بعض من سار على هذا المنهج بذلك مثل:الفخر الرازي ، والشهرستاني، والجويني، والكرابيسي،والخونجي، وشمس الدين الخسروشاهي ، وابن واصل الحموي ، والآمدي ، وإبراهيم الجعبري ، وغيرهم ، وإن كان بعض هؤلاء قد منَّ الله عليهم بالرجوع لمنهج أهل السنة والجماعة قبل وفاتهم ـ ولله الحمد والمنَّة ـ.