فهرس الكتاب

الصفحة 782 من 1226

فالمطلوب لمن أراد الهداية والتثبيت على سلَّم الشريعة ، ليدفع بها الأهواء ، ومكائد أهل الضلال ، أن يكون معتنيًا بحماية عقله، بسياج الشريعة الإسلاميَّة وأصولها، والتي تكوِّن له ثوابت عقدية تحميه ـ بعون الله ـ من سريان الأفكار المضلِّلَة إلى منهجه ، من أهل الأهواء والعصرنة والعلمنة. أمَّا أن يظنَّ العبد بنفسه حين قرأ شيئًا في عقيدة أهل السنة والجماعة أنَّه صار مدركًا لها بالكليَّة ، أو مفكِّرًا ألمعيًا ، ثمَّ يطالع كتب أولي الأهواء والبدع، ويشاهد بعض البرامج الدينية أو الفكرية في بعض القنوات الفضائية ، بحجَّة الاستنارة وعدم التعصُّب الفكري، أو بغية العثور على فكرة ضالة ، فيبدأ مشاهدًا ومطالعًا متوجسًا من كلام المتحدث ، وما أن تمضي عدَّة شهور أو سنوات ، حتَّى يدمن ذاك الذي ظنَّ أنَّه قد أحاط علمًا بأصول الإسلام ، على مشاهدة الفضائيات وملاحقة الصحف والمنتديات الثقافية ، فتبدأ الشبهات تقع في ذهنه ، لقلَّة علمه ، بل قد يأتي بعضهم لأهل العلم في مجالس خاصة أو عامة ، يحدثونهم سرًا أو علانية ، بأنَّ في ذلك البرنامج الفلاني ، أو الصحيفة الفلانيَّة، ذكر الكاتب كذا ، وأقام الأدلة على حديثه ، فهل كلامه صواب ؟ وكيف نرد عليه؟! والحقُّ أنَّ هؤلاء أحسنهم ، وإلاَّ فقد ينخدع هؤلاء ببعض أهل الهوى ممَّن أوتوا فصاحة وبيانًا بل علمًا ، فتختلط المعايير لديهم، ويضطربون فكريًا، ثمَّ يلتفتون مرَّة أخرى إلى منهجهم الذي ساروا عليه سنوات فيدَّعون أهمِّية نقضه ونسفه ، ومعاودة النظر في كلام علمائه بحجَّة أنَّهم رجال وعلماء السلف رجال؛ لأنَّه لم يقم على الأصول العلمية الصحيحة!! وصدق عمر بن عبدالعزيز ـ رضي الله عنه ـ حين قال: (من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل) (تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة/صـ115) .

فصل

الحذر من مخالفة منهج أهل السنَّة والجماعة

من يتابع مسيرة سلفنا الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ يجدهم يتحاشون الاستماع لأهل البدع والهوى ، أو محادثتهم ، أو مجالستهم ، وفي هذا يقول سفيان الثوري:(من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة ، وهو يعلم ، خرج من عصمة الله ، ووكل إلى نفسه ، وقال كذلك:من سمع بدعة فلا يحكها لجلسائه ، لا يلقها في قلوبهم .

علَّق الإمام الذهبي على مقولة الإمام سفيان الثوري بقوله:أكثر الأئمة على هذا التحذير يرون أن القلوب ضعيفة والشُّبه خطَّافة )"السير7/261"، وقد أحسن من قال:

لا تستمع إلاَّ لقول صادق يغنيك عن خطل من الأقوال

فالأذن نافذة العلوم وخيرها أذنٌ وعت ذكرًا تلاه التالي

بل إننا نجد أنَّ من منهج أهل العلم الراسخين تجاه المدارس الضالَّة ؛ التحذير منها ، بله محاولة انتزاعها من أيدي أصحابها، لئلاَّ تفسد عقول الناس بتلك الأفكار المضلِّلة ، ويذكر شيخ الإسلام ابن تيميَّة ـ رحمه الله ـ شيئًا من هذا قائلًا: (وقد أمر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح بانتزاع مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي ، وقال: أخذُها منهُ أفضلُ من أخذِ عكا ـ وقد كانت بأيدي الصليبيين ـ مع أن الآمدي لم يكن في وقته أكثر تبحرًا في الفنون الكلامية ، والفلسفية منه ، وكان من أحسنهم إسلاما، وأمثلهم اعتقادًا) "مجموع الفتاوى 18/53"

وقد يقول قائل: أليس ذلك مصادرة للرأي ، وحجرًا على الأفكار ؟

وإجابة على ذلك ؛ أنَّ هذه المصادرة لرأي الآخر ليس كما يظنُّه بعض أهل الهوى أو المنهزمين ممَّن ينتسبون إلى الإسلام ؛ بسبب الخوف والجبن من الاستماع لأهل البدع والهوى ، بل لأنَّه حفظ لعقول المسلمين ، والاحتياط لدينهم من سماع كلام أهل الضلال والكفر ، استدلالًا بقوله تعالى: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإمَّا ينسينَّك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) وقوله تعالى: (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتَّى يخوضوا في حديث غيره) "النساء/140".

ومن الأدلَّة على ذلك قوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (وإنَّه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين ، تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ وإيَّاكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كلَّ محدثة بدعة وكلُّ بدعة ضلالة) أخرجه أحمد في مسنده (4/126) والترمذي برقم (2676) وقال: حديث حسن صحيح ، فإنَّه ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ حذَّرنا من محدثات الأمور، ودعانا إلى اجتنابها .

ومن الأدلة كذلك ما رواه عمران بن حصين عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنَّه قال: (من سمع بالدجَّال فلينأ عنه ، من سمع بالدجَّال فلينأ عنه ، من سمع بالدجَّال فلينأ عنه، فإنَّ الرجل يأتيه وهو يحسب أنَّه مؤمن، فما يزال به بما معه من الشبه حتَّى يتَّبعه) أخرجه الإمام أحمد في المسند (4/431) بسند صحيح،وجوَّد إسناده الإمام ابن مفلح في الآداب الشرعية (1/220) . بل إنَّ المصطفى ـ عليه الصلاة والسلام ـ حين أتاه عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه عليه ، غضب ـ عليه الصلاة والسلام ـ وقال: (أوفيَّ شكٌّ ياابن الخطَّاب ؟! لقد جئتكم بها بيضاء نقيَّة ، لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبوا به ، أو بباطل فتصدقوا به . والذي نفسي بيده ، لو أنَّ موسى كان حيًَّا ما وسعه إلاَّ أن يتبعني) أخرجه أحمد في مسنده (3/338) ، وابن أبي شيبة في مصنَّفه (6/228) بسند حسَّنه الألباني.

كان ذلك منه ـ عليه الصلاة والسلام ـ تربية لأصحابه على أن يكون الينبوع الذي يتلقون منه واحدًا عذبًا نقيًَّا: (يسقى بماء واحد) ، ليفارقوا أهل الضلالة ويستقوا المنهج من غيرهم، لأنَّ مفارقتهم منهج لأهل السنة والجماعة ، وليست من إنشاءات بعض المتشدِّدين كما يزعمه بعضهم ، ويكفينا أنَّه ـ سبحانه وتعالى ـ يقول في محكم التنزيل لمن يطلب النظر في غير كتاب بدعوى عدم الحجر الفكري: (أولم يكفهم أنَّا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) !!

وأمَّا ما يدَّعيه بعضهم من أولي التوجهات الحديثة العصريَّة: بأنَّ ذلك التحفظ من باب الحجر على الأفكار ، والاسترقاق الفكري ، والإرهاب الثقافي تجاه الناس ، وأنَّه لا بأس بأن يستمع من شاء إلى من يشاء ، سواء أكان سنِّيَّ المنهج أو نقيضه، بلا توجيه أو رعاية أو تربية وعناية ؛ بزعم أنَّ الحق أبلج ناصع ، ومن خلال نصاعة الحق سيتبين للناس أنَّه حق ويأخذون به،لأنَّ الله يقول: (فأمَّا الزبد فيذهب جفاء وأمَّا ماينفع الناس فيمكث في الأرض) ويقولون: إنَّه ليس من إشكال أن يقلِّب المرء بصره في كلام الناس ، ويستمع لجدال المجادلين ، ثمَّ يرى من كان كلامه حقًا فيأخذ به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت