يعيش المسلمون في زمن انفتحت فيه الدنيا على مصراعيها ؛ فقد تعدَّت مقولة العيش في قرية واحدة مرحلتها ، وصرنا في حقيقة الأمر نعيش في عالم يجتمع في غرفة واحدة ، فالقنوات الفضائية دخلت البيوت ، والمواقع الإلكترونية استقطبتها أروقة الدور والعمل ، فصار المرء يتلقَّى آراء عديدة، وتوجهات متغايرة، تجعله يتابعها وهو في غرفته ليل نهار.
وفي خِضَمِّ هذه التحديات ، والاختلافات البينيَّة يجدر بالمرء الذي منَّ الله عليه بالإسلام ، أن تكون لديه رؤية ناضجة في كيفية التعامل مع هذه التحديات ، فإنَّ فيها الحق والباطل ، ومواجهتنا لهذه التحديات الثقافية تتطلَّبُ منَّا قوَّة عقدية، وركائز ثابتة، تأخذنا لبرِّ الأمان ، وشاطئ النجاة.
وليس من شكٍّ أنَّ الله ـ تعالى ـ قد منَّ علينا بنعمة عظيمة ، وهي:نعمة العقل ، والتي يُعرف من خلالها ـ في كثير من المسائل ـ الخير من الشر، والهدى من الضلالة ، والصواب من الخطأ ، بيد أنَّ الإنسان إذا استقلَّ بها وأعرض عن الوحي ، فسيرتكب ما تهواه النفس، ولذا نزلت الشريعة الإلهية على عباد اللَّه ، لتميِّز للناس ما يفيدهم ويضبط عقولهم ، فتتوازن الحياة ، وتنضبط المسيرة.
والعقل على شرف منزلته ، لن يستقلَّ بالهداية إلاَّ باتِّباعه لشريعة الإسلام ، وشريعة الإسلام لن تتبين مراداتها إلّا بواسطة العقل ، فكلا الأمرين يحتاج أحدهما الآخر، ولن يعارض العقل الصحيح النقل الصريح أبدًا كما بيَّنه علماء الإسلام.
فصل
التعريف بـ: (الحصانة الشرعية) :وأهميَّة هذا الموضوع
من أهمِّ القضايا العلميَّة في دين الإسلام معرفة حقائق الأشياء وتعريفاتها ؛ لتكون الصورة واضحة في الذهن ، جليَّة في الفكر (إذ المرء ما لم يحط علمًا بحقائق الأشياء التي يحتاج إليها يبقى في قلبه حسكة) كما قال الإمام ابن تيميَّة"الفتاوى10/368".
ومن خلال تأمُّل فكري لاستخراج تعريف لهذا المفهوم: (الحصانة الشرعية) وتبيين المقصود منه ، أرى أنَّه: (البناء العقدي المتين من خلال الفهم الناضج لمنهاج الله كتابًا وسنَّة ، ووقاية الفكر والعقل عن كلِّ ما يخلُّ بهما من الآراء الفاسدة ، المخالفة لمنهج أهل السنَّة والجماعة في التلقي والاستدلال) .
فالحصانة الشرعيَّة مشابهة لجهاز مناعة واقٍ من أن يتسرَّب إليه شيء من الخلل والعطب ، فيفسده ويخلُّ به. وهكذا المسلم ، فإنَّه محتاج لما يحوط عقيدته ويرعاها حقَّ رعايتها من أن تتلقَّى شيئًا من شبه أهل الضلال ، فيقع في قلبه شيء من الانخداع بها ، فيزيغ قلبه ـ عياذًا بالله من ذلك ـ فيهلك مع الهالكين.
*تتجلَّى أهميَّة الموضوع ـ فيما أرى ـ بأنَّه منذ خروج المرء من بطن أمِّه ، فليس في ذهنه رصيد معرفي، ولا خبرة عملية ، كما قال الله ـ تعالى ـ: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلَّكم تشكرون) (النحل78) فالمرء المسلم ما دام أنَّه سيبدأ بالتلقي والاتصال مع بني الإنسان ، فسيجد اختلافات في الآراء ، وتباينات في المناهج، وكلٌّ يدَّعي الحق والصواب، فما موقفه إذن من هذه التضاربات الفكرية ؟وكيف يستطيع أن يميِّز بين الصواب والخطأ ؟ هناك خطوات لتحقيق ذلك ، وستَتَجلَّى في هذه الدراسة ـ بإذن الله ـ.
فصل
ضرورة تلقي العلم من منابعه الأصيلة
ليس من شك في أنَّ الإنسان المسلم إذا لم يتلقَّ العلم من منابعه الأصيلة ، وروافده الصحيحة ، أخذًا من الكتاب والسنة على هدي السلف الصالح ، فإنَّه سيخبط خبط عشواء ويتلقَّى العلم من جهات لا يعلم توجُّهاتها العقدية، ولا أصولها الشرعية ، ويقع في عدة مزالق يتباين حجم خطئها وضلالها ، ولهذا كان علماؤنا السابقون يوصون بتلقي العلم ممَّن صدقوا الله في تعلمهم وتعليمهم ، ولاحت قوة حججهم أمام خصومهم، وفي المقابل يحذِّرون طلابهم من أهل الزيغ والهوى ، لئلا يقعوا فيما وقع فيه أولئك المبتدعة ، فكان الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود ـ رضي اللَّه عنه ـ يقول: (لا يزال النَّاس بخير ما أخذوا العلم عن الأكابر ، وعن أمنائهم وعلمائهم؛ فإذا أخذوا من صغارهم وشرارهم هلكوا . قال ابن المبارك ـ رحمه اللَّه ـ في تفسير(( الأصاغر ) ): (يعني أهل البدع) (أخرجه ابن المبارك في الزهد:صـ815 ، و عبدالرزاق في المصنَّف(20446و20483،بسند صحيح) .
وهذا الإمام عبدالله بن المبارك ـ رحمه الله ـ يوصي طالب العلم قائلًا له:
أيها الطالب علمًا ائت حمَّاد بن زيد
فاكتسب علمًا وحلمًا ثمَّ قيِّده بقيد
ودع الفتنة من آثار عمرو بن عبيد
(ديوان ابن المبارك للدكتور:مجاهد مصطفى:صـ45، وانظر البداية والنهاية:10/79) .
وممَّن نبَّه على ذلك الإمام الغزالي ـ رحمه الله ـ حيث ألمح للمسلم الذي يريد أن يكون ذا عقليَّة واعية بأنَّه لا بد أن يعمل على حصانة عقليته من الانحرافات الفكرية ، وخصوصًا إن كان في منطقة يكثر بها أهل البدع والهوى ، فقال: (فإن كان في بلد شاع فيه الكلام وتناطق الناس بالبدع فينبغي أن يصان في أول بلوغه عنها بتلقين الحق ؛ فإنه لو أُلقي إليه الباطل لوجبت إزالته عن قلبه وربما عسر ذلك ، كما أنه لو كان هذا المسلم تاجرًا وقد شاع في البلد معاملة الربا وجب عليه تعلم الحذر من الربا) إحياء علوم الدين للغزالي: (1/29)
وحين يفتش المراقب ضلال من ضلَّ وحادَ عن طريق الهدى وعلائم الحق ، فسيجد أنَّ من أسباب ذلك ضعف الحصانة الشرعية ، ممَّا يؤدِّي لولوج المشتبهات في فكره وعقله ، وقد نبَّه على ذلك الإمام ابن بطَّة العكبري فقال:(اعلموا إخواني أني فكرت في السبب الذي أخرج أقوامًا من السنة والجماعة واضطرهم إلى البدعة والشناعة ، وفتح باب البلية على أفئدتهم وحجب نور الحق عن بصيرتهم فوجدت ذلك من وجهين:
أحدهما: البحث والتنقير وكثرة السؤال عما لا ينبغي ، ولا يضر العاقل جهله ، ولا ينفع المؤمن فهمه.
والآخر: مجالسة من لاتؤمن فتنته ، وتفسد القلوب صحبته)"الإبانة:1/390".
وقد يتساءل بعض المستشكلين عن علَّة الاهتمام والتَّشبُّث تجاه مصادر التلقي ؛ والسبب في ذلك ، لئلاَّ تختلط المناهج في الذهن ، وتتضارب التصورات ، فتكون النتيجة المنطبعة بعد ذلك في العقل الإسلامي منهجًا غوغائيًا لا تلزمه ضوابط ، ولا تحكمه قيود .