وفي قصة صاحب البستان الذي سمع صوت في السحاب يقول: اسق حديقة فلان"فسأله السامع عن سبب ذلك فقال: فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثه وأرد فيه ثلثه" (47) .
ومما جاء في ذلك أيضا أن من باع عقارا فليجعله في عقار آخر وإلا نزعت منه البركة، كما في حديث حذيفة _رضي الله عنه_ قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_:"من باع عقارا ثم لم يجعل ثمنها في مثلها لم يبارك له فيها" (48) . وعن سعيد بن حريث _رضي الله عنه_ قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_:"من باع منكم دارا أو عقارا فليعلم أنه مال قمن ألا يبارك له فيه إلا أن يجعله في مثله" (49) .
الاقتصاد في الإنفاق:
الإسراف والتبذير في الموارد يزيد في تضخم مشكلة تدهور البيئة، لذلك وضع الإسلام قواعد تمنع أي هدر في أي مورد، قال تعالى:"وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا" (الفرقان:67) . وقال:"وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ" (الأنعام: من الآية141) ، وقال:"إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ" (الإسراء: من الآية27) ، وقال النبي _صلى الله عليه وسلم_ لسعدٍ وهو يتوضأ:"ما هذا السرف يا سعد؟"، فقال: أفي الوضوء سرف؟ قال _صلى الله عليه وسلم_:"نعم، وإن كنت على نهر جار" (50) . وقال _صلى الله عليه وسلم_ لأعرابي سأله عن الوضوء، فأراه _صلى الله عليه وسلم_ الوضوء ثلاثًا، ثم قال:"هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى أو ظلم" (51) .
فإن كان في الوضوء سرف وهو مدخل للعبادة، فكيف بالإسراف والتبذير الذي يتعدى حدود الحلال، والذي يُنَفَّذ بشكل واسع عند كثير من الأمم على مستوى الأفراد والجماعات والدول؟!
ولا شك أن الكثير من الناس يعانون من عدم كفاية مرتباتهم مع أنها ليست قليلة والسبب الرئيس في ذلك عدم القدرة على الاقتصاد في المعيشة، وقد ورد أن الاقتصاد في حال الغنى فضلا عن حال الفقر من أسباب النجاة، فقد ثبت في الحديث:"ثلاث منجيات: القصد في الفقر والغنى..." (52) . قال ميمون بن مهران:"اقتصادك في المعيشة يلقي عنك نصف المؤونة" (53) .
أهمية الصيانة:
من المعلوم أن العمر الافتراضي لأي آلة أو مبنى أو ملبوس يتأثر بطريقة الاستخدام ومدى الاهتمام بالصيانة، وفي ذلك يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"الخرق في المعيشة أخوف عندي عليكم من العوز، لا يقل شيء مع الإصلاح ولا يبقى شيء مع الفساد" (54) .
وأنشد الإمام أحمد:
قليل المال تصلحه فيبقى *** ولا يبقى الكثير مع الفساد (55)
بعد النظر للمستقبل:
إن بعد النظر للمستقبل وأخذ الحذر من الحوادث غير المتوقعة دليل على حصافة الرجل وحسن تدبيره، وقد روى عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_ أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم" (56) ."
ورد الحث على العمل ولو لم يكن العامل سيستفيد من هذا العمل في القريب العاجل بل ربما لا يستفيد منه إلا الجيل القادم،حتى إنه ورد عن أنس بن مالك _رضي الله عنه_ قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_:"إن قامت على أحدكم القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها" (57) .
وقال عمر بن الحطاب _رضي الله عنه_ لخزيمة بن ثابت _رضي الله عنه_: ما يمنعك أن تغرس أرضك؟ فقال خزيمة: أنا شيخ كبير أموت غدا، فقال له عمر: أعزم عليك لتغرسنها (58) .
وقال الحارث النخعي: رجعنا من القادسية فكان أحدنا يُنتَج فرسه من الليل، فإذا أصبح نحر مهرها فيقول: أنا أعيش حتى أركب هذه؟ فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فكتب إلينا: أن أصلحوا ما رزقكم الله فإن الأمر نَفَس"أي: سعة (59) ."
وذكر بعض الإخباريين أن أحد الخلفاء مر على شيخ يغرس شجرة زيتون، فتعجب الخليفة وقال: كيف تغرس هذه الشجرة مع علمك أنها لا تثمر إلا بعد سنوات طويلة ومن البعيد أن تدرك ذلك، فقال الشيخ: زرع آباؤنا فأكلنا ونزرع ليأكل أبناؤنا.
الاستفادة من النفايات:
بدأت الدعوات من المتخصصين في المحافظة على البيئة والاقتصاديين إلى ضرورة تدوير النفايات والاستفادة من الصالح منها، وقد ورد مثل ذلك عن سلفنا الصالح ، فقد روى ابن قتيبة عن الأصمعي أن عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_لقط نويات من الطريق فأمسكها بيده حتى مر بدار قوم فألقاها فيه وقال:"تأكله داجنتهم" (60) .
ورأى أبو الدرداء _رضي الله عنه_حبًّا منثورا في غرفة له فالتقطه وقال:"من فقه الرجل رفقه في معيشته" (61) .
وتصدقت عائشة بحبة عنب، وقالت لنسوة عندها:"هذا أثقل من مثاقيل ذر كثيرة"وذكر مثل ذلك عن عبدالرحمن بن عوف وأبي هريرة وغيرهم (62) .
أهمية التكافل والاشتراك:
صح في الحديث أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال:"إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم" (63) .
ومن صور التكافل العارية، وقد ذم الله قوما بمنعهم إعارة ما عندهم من ماعون ونحوه فقال:"وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ" (الماعون:7) .
التشديد في الدين:
فإن احتاج أحد إلى المال بعد كل ما سبق من الإرشادات الشرعية لاتقاء شبح الفقر والحاجة؛ فهل يستعجل في الدَّين؟، لا، بل عليه أن يفكر كثيرا قبل الإقدام على هذا الأمر، فقد وردت النصوص في التشديد في أمر الدين فمن ذلك:
1-ما رواه محمد بن جحش _رضي الله عنه_قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_:"سبحان الله ماذا أنزل من التشديد في الدين والذي نفسي بيده لو أن رجلا قتل في سبيل الله ثم أحيي ثم قتل ثم أحيي ثم قتل، وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه دينه" (64) .
2-ومنه ما رواه ثوبان _رضي الله عنه_قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_:"من فارق الروح جسده وهو بريء من ثلاث دخل الجنة: الكبر والدين والغلول" (65) .
فإذا تأمل هذه النصوص ورأى أنه لا مفر من الدين ولم يكن دينه فيما يكره الله، فلا بأس بالدين حينئذ، فقد روى عبدالله بن جعفر _رضي الله عنه_قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_:"إن الله تعالى مع الدائن حتى يقضي دينه ما لم يكن دينه فيما يكره الله" (66) . وقال _صلى الله عليه وسلم_:"من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله" (67) .
وبعد الاستدانة عليه أن يكثر من الأدعية التي وردت فيمن عليه دين، فمن ذلك ما رواه علي _رضي الله عنه_قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_:"ألا أعلمك كلمات لو كان عليك مثل جبل صبير دينا أداه الله عنك؟ قل: اللهم اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك" (68) ، ومن ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري _رضي الله عنه_قال:"دخل رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو أمامة، فقال: يا أبا أمامة، ما لي أراك جالسا في المسجد في غير وقت صلاة؟ قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله. قال: أفلا أعلمك كلاما إذا أنت قلته أذهب الله همك، وقضى عنك دينك؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: قل: إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال. قال: ففعلت، فأذهب الله همي وقضى عني ديني" (69) .
توثيق العقود: