فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 1226

فالجواب على تسليم هذا بأمرين: أحدهما أن إباحة ربا الفضل منسوخة . والثاني: أن أحاديث تحريم ربا الفضل أرجح وأولى بالاعتبار على تقدير عدم النسخ من أحاديث إباحته . ومما يدل على النسخ ما ثبت في الصحيح عن أبي المنهال قال: باع شريك لي ورقًا بنسيئة إلى الموسم أو إلى الحج ، فجاء إليَّ فأَخبرني فقلت هذا أَمر لا يصح ، قال قد بعته في السوق فلم ينكر ذلك عليَّ أحد ، فأتيت الراء بن عازب فسألته فقال قدم النَّبي صلى الله عليه وسلم المدينة ونحن نبيع هذا البيع ، فقال « ما كان يدًا بيدٍ فلا بأس به ، وما كان نسيئة فهو ربًا » ، وأتيت زيد بن أرقم فإنه أعظم تجارة مني ، فأتيته فسألته فقال مثل ذلك . هذا لفظ مسلم في صحيحه . وفيه التصريح بأن إباحة ربا الفضل المذكورة في حديث البراء بن عازب وزيد بن أرقم كانت مقارنة لقدومه صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرًا .

وفي بعض الروايات الصحيحة في تحريم ربا الفضل أنه صلى الله عليه وسلم صرح بتحريمه في يوم خيبر ، وفي بعض الروايات الصحيحة تحريم ربا الفضل بعد فتح خيبر أيضًا ، فقد ثبت في الصحيح من حديث فضالة بن عبيد الأنصاري رضي الله عنه قال: أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب ، وهي من المغانم تباع ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذَّهب الذي في القلادة فنزع وحده ، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الذهب بالذهب وزنًا بوزن » هذا لفظ مسلم في صحيحه ، وفي لفظ له في صحيحه أيضًا عن فضالة بن عبيد قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارًا فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: « لا تباع حتى تفصل » وفي لفظ له في صحيحه أيضًا عن فضالة رضي الله عنه قال: « كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر نبايع اليهود الوقية الذهب بالدينارين والثلاثة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » لا تبيعوا الذهب بالذهب ، إلا وزنًا بوزن « وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أخا بني عدي الأنصاري فاستعمله على خيبر ، فقدم بتمر جنيب ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: » لا تفعلوا ، ولكن مثلًا بمثل ، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا ، وكذلك الميزان « هذا لفظ مسلم في صحيحه . وفي لفظ لهما عن أبي هريرة وأبي سعيد أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلًا على خيبر فجاء بتمر جنيب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: » أكل تمر خيبر هكذا « ؟ قال: لا والله يا رسول الله . إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين ، والصاعين بالثلاثة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » فلا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا « والأحاديث بمثله كثيرة ، وهي نص صريح في تصريحه صلى الله عليه وسلم بتحريم ربا الفضل بعد فتح خير . فقد اتضح لك من هذه الروايات الثابتة في الصحيح: أن إباحة ربا الفضل كانت زمن قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرًا ، وأن الروايات المصرحة بالمنع صرحت به في يوم خيبر وبعده ، فتصريح النَّبي صلى الله عليه وسلم بتحريم ربا الفضل بعد قدومه المدينة بنحو ست سنين وأكثر منها ، يدل دلالة لا لبس فيها على النسخ ، وعلى كل حال فالعبرة بالمتأخر ، وقد كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث ، وأيضًا فالبراء وزيد رضي الله عنهما كانا غير بالغين في وقت تحملهما الحديث المذكور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بخلاف الجماعة من الصحابة الذين رووا عنه تحريم ربا الفضل ، فإنهم بالغون وقت التحمل .

ورواية البالغ وقت التحمل أرجح من رواية من تحمل وهو صبي: للخلاف فيها دون رواية المتحمل بالغًا وسن البراء وزيد وقت قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة ، نحو عشر سنينز لما ذكره ابن عبد البر عن منصور بن سلمة الخزاعي: أنه روى بغسناده إلى زيد بن جارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استصغره يوم أحد ، والبراء بن عازب ، وزيد بن أرقم ، وأبا سعيد الخدري ، وسعد بن حبته ، وعبد الله بن عمر . وعن الواقدي أو أول غزوة شهداها الخندق ، وممن قال: بأن حديث البراء وزيد منسوخ ، راويه الحميدي . وناهيك به علمًا واطلاعًا . وقول راوي الحديث: إنه منسوخ ، في كونه يكفي في النسخ . خلاف معروف عند أهل الأصول ، وأكثر المالكية والشافعية لا يكفي عندهم . فإن قيل: ما قدمتم من كون تحريم ربا الفضل واقعًا بعد إباحته ، يدل على النسخ في حديث البراء وزيد ، لعلم التاريخ فيهما ، وأن حديث التحريم هو المتأخر ، ولكن أين لكم معرفة ذلك في حديث أسامة؟ ومولد أسامة مقارب لمولد البراء وزيد . لأن سن أسامة وقت وفاته صلى الله عليه وسلم عشرون سنة ، وقيل: ثمان عشرة ، وسن البراء وزيد وقت وفاته صلى الله عليه وسلم نحو العشرين ، كما قدمنا ما يدل عليه .

فالجواب: أنه يكفي في النسخ معرفة أن إباحة ربا الفضل وقعت قبل تحريمه ، والمتأخر يقضي على المتقدم .

الجواب الثاني: عن حديث أسامة أنه رواية صحابي واحد ، وروايات منع ربا الفضل عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رووها صريحة عنه صلى الله عليه وسلم ، ناطقة بمنع ربا الفضل منهم أبو سعيد ، وأبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وأبو هريرة وهشام بن عامر ، وفضالة بن عبيد ، وأبو بكرة ، وابن عمر ، وأبو الدرداء ، وبلال ، وعبادة بن الصامت ، ومعمر بن عبد الله وغيرهم وروايات جل من ذكرنا ثابتة في الصحيح ، كرواية أبي هريرة ، وأبي سعيد ، وفضالة بن عبيد ، وعمر بن الخطاب ، وأبي بكرة ، وعبادة بن الصامت ، ومعمر بن عبد الله ، وغيرهم . وإذا عرفت ذلك فرواية الجماعة من العدول أقوى وأثبت وأبعد من الخطأ ، من رواية الواحد .

وقد تقرر في الأصول أن كثرة الرواة من المرجحات ، وكذلك كثرة الأدلة كما عقده في مراقي السعود ، في مبحث الترجيح ، باعتبار حال المروي بقوله:

وكثرة الدليل والرواية ... مرجح لدى ذوي الدرايه

والقول بعدم الترجيح بالكثرة ضعيف ، وقد ذكر سليم الداري أن: الشافعي أومأ إليه ، وقد ذهب إليه بعض الشافعية والحنفية .

الجواب الثالث: عن حديث أسامة أنه دل على إباحة ربا الفضل ، وأحاديث الجماعة المذكورة دلت على منعه في الجنس الواحد من المذكورات ، وقد تقرر في الأصول أن النص الدال على المنع مقدم على الدال على الإباحة .

لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام ، وقد قدمناه عن صاحب المراقي ، وهو الحق خلافًا للغزالي ، وعيسى بن ابان وأبي هاشم وجماعة من المتكلمين حيث قالوا: هما سواء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت