فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 1226

واعلم أن الله صرح بتحريم الربا بقوله: { وَحَرَّمَ الربا } [ البقرة: 275 ] وصرح بأن المتعامل بالربا محارب الله بقوله: { ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ } [ البقرة: 278-279 ] .

وصرح بأن آكل الربا لا يقوم أي: من قبره يوم القيامة إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس بقوله: { الذين يَأْكُلُونَ الربا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قالوا إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا } [ البقرة: 275 ] والأحاديث في ذلك كثيرة جدًا .

واعلم أن الربا منه ما أجمع المسلمون على منعه ولم يخالف فيه أحد وذلك كربا الجاهلية ، وهو أن يزيده في الأجل على أن يزيده الآخر في قدر الدين وربا النساء بين الذهب والذهب ، والفضة والفضة ، وبين الذهب والفضة ، وبين البر والبر ، وبين الشعير والشعير ، وبين التمر والتمر ، وبين الملح والملح وكذلك بين هذه الأربعة بعضها مع بعض .

وكذلك حكى غير واحد الإجماع على تحريم ربا الفضل ، بين كل واحد من الستة المذكورة فلا يجوز الفضل بين الذهب والذهب ، ولا بين الفضة والفضة ، ولا بين البر والبر ، ولا بين الشعير والشعير ، ولا بين التمر والتمرن ولا بين الملح و الملح ، ولو يدًا بيد .

والحق - الذي لا شك فيه - منع ربا الفضل في النوع الواحد من الأصناف الستة المذكورة ، فإن قيل: ثبت في الصحيح عن ابن عباس ، عن أسامة بن زيد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لا ربا إلا في النسيئة » وثبت في الصحيح عن أبي المنهال أنه قال: سألت البراء بن عازب ، وزيد بن أرقم عن الصَّرف فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بجواز الفضل ومنع النسيئة فيما رواه عنه أسامة ، والبراء ، وزيد ، إنما هو في جنسين مختلفين ، بدليل الروايات الصحيحة المصرحة بأن ذلك هو محل جواز التفاضل ، وأنه في الجنس الواحد ممنوع .

واختار هذا الوجه البيهقي في السنن الكبرى ، فإنه قال بعد أن ساق الحديث الذي ذكرنا ىنفًا عن البراء بن عازب ، وزيد بن أرقم ، ما نصه: رواه البخاري في الصحيح عن أبي عاصم ، دون ذكر عامر بن مصعب ، وأخرجه من حديث حجاج بن محمد ، عن ابن جريج ، مع ذكر عامر بن مصعب ، وأخرجه مسلم بن الحجاج ، عن محمد بن حاتم بن ميمون عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي المنهال ، قال: باع شريك لى ورقًا بنسيئة إلى الموسم أو إلى الحج ، فذكره وبمعناه رواه البخاري عن علي بن المديني عن سفيان ، وكذلك رواه أحمد بن روح ، عن سفيان وروى عن الحميدي عن سفيان عن عمرو بن دينار ، عن أبي المنهال ، قال: باع شريك لي بالكوفة دراهم بدراهم بينهما فضل .

عندي أن هذا خطأ ، والصحيح ما رواه علي بن المديني ، ومحمد بن حاتم ، وهو المراد بما أطلق في رواية ابن جريج ، فيكون الخبر واردًا في بيع الجنسين ، أحدهما بالآخر ، فقال: ما كان منه يدًا بيد فلا بأس ، وما كان منه نسيئة فلا ، وهو المراد بحديث أسامة والله أعلم .

والذي يدل على ذلك أيضًا ما أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد: أنا أبو سهل بن زياد القطان ، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي ، حدثنا أبو عمر ، حدثنا شعبة ، أخبرني حبيب هو ابن أبي ثابت ، قال سمعت أبا المنهال قال: سألت البراء وزيد بن أرقم عن الصرف فكلاهما يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الورق بالذهب دينًا ، رواه البخاري في الصحيح عن أبي عمر حفص بن عمر وأخرجه مسلم من وجه آخر عن شعبة اه من البيهقي بلفظه ، وهو واضح جدًا فيما ذكرنا . من أن المراد بجواز الفضل المذكور كونه في جنسين لا جنس واحد ، وفي تكملة المجموع بعد أن ساق الكلام الذي ذكرنا عن البيهقي ما نصه: ولا حجة لمتعلق فيهما . لأنه يمكن حمل ذلك على أحد أمرين ، إما أن يكون المراد بيع دراهم بشيء ليس ربويًا ، ويكون الفساد لأجل التأجيل بالموسم أو الحج ، فإنه غير محرر ولا سيما على ما كانت العرب تفعل .

والثاني: أن يحمل ذلك على اختلاف الجنس ويدل له رواية أخرى عن أبي المنهال . قال: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف فكلاهما يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالورق دينًا ، رواه البخاري ومسلم ، وهذا لفظ البخاري ومسلم بمعناه . وفي لفظ مسلم عن بيع الورق بالذهب دينًا ، فهو يبين أن المراد صرف الجنس بجنس آخر .

وهذه الرواية ثابتة من حديث شعبة عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي المنهال ، والروايات الثلاث الأول رواية الحميدي ، واللتان في الصحيح وكلها أسانيدها في غاية الجودة .

ولكن حصل الاختلاف في سفيان فخالف الحميدي علي بن المديني ، ومحمد بن حاتم ، ومحمد بن منصور ، وكل من الحميدي وعلي بن المديني في غاية الثبت . ويترجح ابن المديني هنا بمتابعة محمد بن حاتم ، ومحمد بن منصور له ، وشهادة ابن جريج لروايته ، وشهادة رواية حبيب بن أبي ثابت لرواية شيخه ، ولأجل ذلك قال البيهقي رحمه الله: إن رواية من قال إنه باع دراهم بدراهم خطأ عنده اه منه بلفظه .

وقال ابن حجر في فتح الباري ما نصه: وقال الطبري معنى حديث أسامة « لا ربا إلا في النسيئة » إذا اختلفت أنواع البيع اه محل الغرض منه بلفظه ، وهو موافق لما ذكر . وقال في فتح الباري أيضًا ما نصه .

تنبيه: وقع في نسخة الصغاني هنا قال أبو عبد الله: يعني البخاري ، سمعت سليمان بن حرب يقول: لا ربا إلا في النسيئة ، هذا عندنا في الذهب بالورق ، والحنطة بالشعير ، متفاضلًا ولا بأس به يدًا بيد ، ولا خير فيه نسيئة . قلت: وهذا موافق اه منه بلفظه .

وعلى هامش النسخة أن بعد قوله وهذا موافق بياضًا بالأصل ، وبهذا الجواب الذي ذكرنا تعلم: أن حديث البراء وزيد لا يحتاج بعد هذا الجواب إلى شيء . لأنه قد ثبت في الصحيح عنهما تصريحهما باختلاف الجنس فارتفع الإشكال ، والروايات يفسر بعضها بعضًا ، فإن قيل: هذا لا يكفي في الحكم على الرواية الثابتة في الصحيح بجواز التفاضل بين الدراهم والدراهم أنها خطأ . إذ لقائل أن يقول لا منافاة بين الروايات المذكورة ، فإن منها ما أطلق فيه الصلاف ومنها ما بين أنها دراهم بدراهم ، فيحمل المطلق على المقيد ، جميعًا بين الروايتين . فإن إحداهما بينت ما أبهمته الأخرى ، ويكون حديث حبيب بن أبي ثابت حديثًا آخر واردًا في الجنسين ، وتحريم النساء فيهما ، ولا تنافي في ذلك ولا تعارض .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت