التاسعة روى أبو جعفر الطحاوي عن بُريْدة بن الحُصَيْب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" «من أنظر معسرًا كان له بكل يوم صدقة» ثم قلت: بكل يوم مثله صدقة؛ قال فقال «بكل يوم صدقة مالم يحِل الدّيْن فإذا أنْظَره بعد الحِل فله بكل يوم مثله صدقة» "وروى مسلم عن أبي مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حوسِب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلاَّ أنه كان يخالط الناس وكان موسِرًا فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسِر قال قال الله عزّ وجلّ نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه"وروي عن أبي قتادة أنه طلب غِريمًا له فتوارى عنه ثم وجده فقال: إني معسِر . فقال: آلله؟ قال: أللَّهِ . قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من سره أن ينجِيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسِرٍ أو يضع عنه"، وفي حديث أبي اليَسَر الطويلِ واسمه كعب بن عمرو أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من أنظر معسِرًا أو وضع عنه أظلَّه الله في ظِلِّه"ففي هذه الأحاديث من الترغيب ما هو منصوص فيها . وحديث أبي قتادة يدل على أن رب الدين إذا علِم عسرة ( غريمه ) أو ظنها حرمتّ عليه مطالبتُه ، وإن لم تثبت عُسْرته عند الحاكم . وإنْظار المعسِر تأخيره إلى أن يُوسِر . والوضع عند إسقاط الدين عن ذمته . وقد جمع المعنيين أبو اليسر لغريمه حيث محا عنه الصحيفة وقال له: إن وجدت قضاء فاقضِ وإلاَّ فأنت في حِل .
قيل: إن هذه الآية نزلت قبل موت النبيّ صلى الله عليه وسلم بتسع ليال ثم لم ينزل بعدها شيء؛ قاله ابن جُريج . وقال ابن جبير ومقاتل: بسبع ليال . وروي بثلاث ليال . وروي أنها نزلت قبل موته بثلاث ساعات ، وأنه عليه السَّلام قال:"اجعلوها بين آية الربا وآية الديْن"وحكى مكّي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"جاءني جبريل فقال اجعلها على رأس مائتين وثمانين آية". قلت: وحكي عن أبي بن كعب وابن عباس وقتادة أن آخر ما نزل: «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ» إلى آخر الآية . والقول الأوّل أعرف وأكثر وأصح وأشهر . ورواه أبو صالح عن ابن عباس قال: آخر ما نزل من القرآن { واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } فقال جبريل للنبيّ صلى الله عليه وسلم: «يا محمد ضعها على رأس ثمانين ومائتين من البقرة» . ذكره أبو بكر الأنباريّ في «كتاب الردّ» له؛ وهو قول ابن عمر رضي الله عنه أنهاآخر ما نزل ، وأنه عليه السَّلام عاش بعدها أحدًا وعشرين يومًا ، على ما يأتي بيانه في آخر سورة { إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح } [ النصر: 1 ] إن شاء الله تعالى . والآية وعظ لجميع الناس وأمر يخص كل إنسان . و «يَوْمًا» منصوب على المفعول لا على الظرف . «تُرْجَعُونَ فِيهِ إلَى اللَّهِ» من نعته . وقرأ أبو عمرو بفتح التاء وكسر الجيم؛ مثل { إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ } [ الغاشية: 26 ] واعتبارًا بقراءة أبيّ «يومًا تصِيرون فيه إلى الله» . والباقون بضم التاء وفتح الجيم؛ مثل { ثُمَّ ردوا إلى الله } [ الأنعام: 28 ] . { وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي } [ الكهف: 36 ] واعتبارًا بقراءة عبد الله «يومًا تردون فِيهِ إلى اللَّهِ» وقرأ الحسن «يرجعون» بالياء ، على معنى يرجع جميع الناس . قال ابن جِني: كأنّ الله تعالى رفق بالمؤمنين على أن يواجههم بذكر الرجعة ، إذ هي مما ينفطر لها القلوب فقال لهم: «وَاتَّقُوا يَوْمًا» ثم رجع في ذكر الرجعة إلى الغيبة رِفْقًا بهم . وجمهور العلماء على أن هذا اليوم المحذّر منه هو يوم القيامة والحساب والتوفية . وقال قوم: هو يوم الموت . قال ابن عطية: والأوّل أصح بحكم الألفاظ في الآية . وفي قوله «إلَى اللَّهِ» مضاف محذوف ، تقديره إلى حكم الله وفصل قضائه . «وَهُمْ» ردّ على معنى «كُلُّ» لا على اللفظ ، إلاَّ على قراءة الحسن «يرجعون» فقوله «وهم» ردّعلى ضمير الجماعة في «يرجعون» . وفي هذه الآية نص على أن الثواب والعقاب متعلق بكسب الأعمال ، وهو رد على الجَبْرِيَّة ، وقد تقدَّم .
وقال الشنقيطي (1) :
قوله تعالى: { فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فانتهى فَلَهُ مَا سَلَفَ } الآية .
معنى هذه الآية الكريمة أن من جاءه موعظة من ربه يزجره بها عن أكل الربا فانتهى أي: ترك المعاملة بالربا . خوفًا من الله تعالى وامتثالًا لأمره { فَلَهُ مَا سَلَفَ } [ البقرة: 275 ] أي: ما مضى قبل نزول التحريم من أموال الربا ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الله لا يؤاخذ الإنسان بفعل أمر إلا بعد أن يحرمه عليه ، وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة فقد قال في الذين كانوا يشربون الخمر ، ويأكلون مال الميسر قبل نزول التحريم: { لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طعموا } [ المائدة: 93 ] الآية .
وقال في الذين كانوا يتزوجون أزواج آبائهم قبل التحريم: { وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } [ النساء: 22 ] أي: لكن ما سلف قبل التحريم فلا جناح عليكم فيه ونظيره قوله تعالى: { وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاختين إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } [ النساء: 23 ] .
وقال في الصيد قبل التحريم: { عَفَا الله عَمَّا سَلَف } [ المائدة: 95 ] الآية
وقال في الصلاة إلى بيت المقدس قبل نسخ استقباله: { وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } [ البقرة: 143 ] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل النسخ .
ومن أصرح الأجلة في هذا المعنى أن النَّبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين لما استغفروا لقربائهم الموتى من المشركين وأنزل الله تعالى: { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانوا أُوْلِي قربى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجحيم } [ التوبة: 113 ] وندموا على استغفارهم للمشركين أنزل الله في ذلك: { وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حتى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ } [ التوبة: 115 ] فصرح بأنه لا يضلهم بفعل أمر إلا بعد بيان اتقائه .
قوله تعالى: { يَمْحَقُ الله الربا } .
صرح في هذه الآية الكريمة بأنه يمحق الربا أي: يذهبه بالكلية من يد صاحبه أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به كما قاله ابن كثير وغيره ، وما ذكر هنا من محق الربا أشار إليه في مواضع أخر كقوله: { وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ الناس فَلاَ يَرْبُو عِندَ الله } [ الروم: 39 ] وقوله: { قُل لاَّ يَسْتَوِي الخبيث والطيب وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخبيث } [ المائدة: 100 ] الآية . وقوله: { وَيَجْعَلَ الخبيث بَعْضَهُ على بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ } [ الأنفال: 37 ] كما أشار إلى ذلك ابن كثير في تفسير هذه الآية .
(1) - أضواء البيان - (ج 1 / ص 188)