فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 1226

الأولى قوله تعالى: { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } لما حكم جلّ وعزّ لأرباب الربا برؤوس أموالهم عند الواجدين للمال ، حكم في ذي العسرة بالنّظِرَة إلى حال المْيَسرة؛ وذلك أن ثقيفًا لما طلبوا أموالهم التي لهم على بني المغِيرة شكوا العسرة يعني بني المغيرة وقالوا: ليس لنا شيء ، وطلبوا الأجل إلى وقت ثمارهم؛ فنزلت هذه الآية: { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } .

الثانية قوله تعالى: { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } مع قوله: { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ } يدل على ثبوت المطالبة لصاحب الديْن على المدين وجواز أخذ ماله بغير رضاه . ويدل على أن الغريم متى امتنع من أداء الديْن مع الإمكان كان ظالمًا؛ فإن الله تعالى يقول: { فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ } [ البقرة: 279 ] فجعل له المطالبة برأس ماله . فإذا كان له حق المطالبة فعلى من عليه الدين لا محالة وجوب قضائه .

الثالثة قال المهدوِيّ وقال بعض العلماء: هذه الآية ناسخةٌ لما كان في الجاهلية من بيع مَنْ أعْسَر . وحكى مكيّ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر به في صدر الإسلام . قال ابن عطية: فإن ثبت فعل النبي صلى الله عليه وسلم فهو نَسْخٌ وإلاَّ فليس بنسخ . قال الطحاويّ: كان الحر يُباع في الديْن أوّل الإسلام إذا لم يكن له مال يقضيه عن نفسه حتى نسخ الله ذلك فقال جلّ وعزّ: { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ } . واحتجوا بحديث رواه الدّارقطنيّ من حديث مسلم بن خالد الزنجيّ أخبرنا زيد بن أسلم عن ابن البَيْلَمَانِيّ عن سُرَّق قال: كان لرجل عليّ مالٌ أو قال ديْنٌ فذهب بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يِصب لي مالًا فباعني منه ، أو باعني له . أخرجه البَزّار بهذا الإسناد أطول منه . ومسلم بن خالد الزنجي وعبد الرحمن بن البيلماني لا يحتج بهما . وقال جماعة من أهل العلم: قوله تعالى: { فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ } عامّةٌ في جميع الناس ، فكل من أعسر أنْظِر؛ وهذا قول أبي هريرة والحسن وعامة الفقهاء . قال النحاس: وأحسن ما قيل في هذه الآية قول عطاء والضحاك والربيع بن خيثم . قال: هي لِكل مُعْسِرٍ يُنْظَر في الرّبا والديْن كله . فهذا قول يجمع الأقوال؛ لأنه يجوز أن تكون ناسخة عامة نزلت في الربا ثم صار حكم غيره كحكمه ، ولأنّ القراءة بالرفع بمعنًى وإن وقع ذو عسرة من الناس أجمعين . ولو كان في الربا خاصة لكان النصب الوجه ، بمعنى وإن كان الذي عليه الربا ذا عسرة . وقال ابن عباس وشريح: ذلك في الربا خاصةً؛ فأما الديون وسائر المعاملات فليس فيها نَظِرَةٌ بل يؤدي إلى أهلها أو يحبس فيه حتى يُوفِّيَه؛ وهو قول إبراهيم .

واحتجوا بقول الله تعالى: { إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا } [ النساء: 58 ] الآية . قال ابن عطية: فكان هذا القول يترتب إذا لم يكن فقرٌ مُدْقِع ، وأما مع العُدْم والفقر الصرِيح فالحكم هو النظِرة ضرورة .

الرابعة من كثرت ديونه وطلب غرماؤه مالهم فللحاكم أن يخلعه عن كل ماله ويترك له ما كان من ضرورته . روى ابن نافع عن مالك أنه لايترك له إلاَّ ما يُوارِيه . والمشهور أنه يترك له كسوته المعتاد ما لم يكن فيها فضل ، ولا يُنْزَع منه رداؤه إن كان ذلك مُزْريًا به . وفي ترك كسوة زوجته وفي بيع كتبه إن كان عالمًا خلاف . ولا يترك له مسكن ولا خادم ولا ثوب جمعة ما لم تقلّ قيمتها؛ وعند هذا يحرمُ حَبْسُه . والأصل في هذا قوله تعالى: { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ } . روى الأئمّة واللفظ لمسلم"عن أبي سعيد الخدرِيّ قال: أُصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينْه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تصدقوا عليه» فتصدّق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرمائه: «خذوا ما وجدتم وليس لكم إلاَّ ذلك» "وفي مصنف أبي داود: فلم يزد رسول الله صلى الله عليه وسلم غرماءَه على أن خلع لهم مالَه . وهذا نَصٌّ؛ فلم يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحبس الرجل ، وهو معاذ بن جبل كما قال شُرَيْح ، ولا بملازمته ، خلافًا لأبي حنيفة فإنه قال: يلازم لإمكان أن يظهر له مال ، ولا يكلف أن يكتسب لما ذكرنا . وبالله توفيقنا .

الخامسة ويحبس المفلس في قول مالك والشافعيّ وأبي حنيفة وغيرهم حتى يتبيّن عُدْمُه . ولا يحبس عند مالك إن لم يُتّهم أنه غيّب مالَه ولم يتبيّن لَدَدُه . وكذلك لا يحبس إن صحّ عُسْره على ما ذكرنا .

السادسة فإن جُمِع مال المفلس ثم تلِف قبل وصوله إلى أربابه وقبل البيع ، فعلى المفلس ضمانُه ، وديْن الغرماء ثابت في ذمته . فإن باع الحاكم ماله وقبض ثمنه ثم تلِف الثمن قبل قبض الغرماء له ، كان عليهم ضمانه وقد برىء المفلس منه . وقال محمد بن عبد الحكم: ضمانه من المفلس أبدًا حتى يصل إلى الغرماء .

السابعة العُسْرَة ضيق الحال من جهة عدم المال؛ ومنه جيش العسرة . والنّظِرَة التأخير . والمَيْسَرَة مصدر بمعنى اليسر . وارتفع «ذو» بكان التامة التي بمعنى وجد وحدث؛ هذا قول سيبويه وأبي عليّ وغيرهما . وأنشد سيبويه:

فِدًى لبني ذُهْلِ بنِ شَيْبان ناقتي ... إذا كان يومٌ ذو كواكب أشْهَبُ

ويجوز النصب . وفي مصحف أبيّ بن كعب «وَإنْ كَانَ ذَا عُسْرَةٍ» على معنى وإن كان المطلوب ذا عسرة .

وقرأ الأعمش «وإن كان مُعْسِرًا فنظرة» . قال أبو عمرو الدّانِيّ عن أحمد بن موسى: وكذلك في مصحف أبيّ بن كعب . قال النحاس ومكيّ والنقاش: وعلى هذا يختص لفظ الآية بأهل الرِّبا ، وعلى من قرأ «ذو» فهي عامة في جميع من عليه دين ، وقد تقدّم . وحكى المهدَوِيّ أن في مصحف عثمان «فإن كان بالفاء ذو عسرة» . وروى المعتمِر عن حجاج الورّاق قال: في مصحف عثمان «وإن كان ذا عسرةٍ» ذكره النحاس . وقراءة الجماعة «نَظِرَةٌ» بكسر الظاء . وقرأ مجاهد وأبو رَجاء والحسن «فَنَظْرَةٌ» بسكون الظاء ، وهي لغة تميميّة وهم الذين يقولون: ( في ) كَرْم زيدٍ بمعنى كَرَم زيدٍ ، ويقولون كبْد في كبِد . وقرأ نافع وحده «مَيْسُرَةٍ» بضم السين ، والجمهور بفتحها . وحكى النحاس عن مجاهد وعطاء «فناظِرْهُ على الأمر إلى مَيْسُرِ» هِي بضم السين وكسر الراء وإثبات الياء في الإدراج . وقرىء «فَنَاظِرَةٌ» قال أبو حاتم لا يجوز فناظرة ، إنما ذلك في «النمل» لأنها امرأة تكلمت بهذا لنفسها ، من نظرت تنظر فهي ناظرة؛ وما في «البقرة» فمن التأخير ، من قولك: أنظرتك بالديْن ، أي أخّرتك به . ومنه قوله: { فَأَنظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } [ الحجر: 36 ] . وأجاز ذلك أبو إسحاق الزجاج وقال: هي من أسماء المصادر؛ كقوله تعالى: { لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ } [ الواقعة: 2 ] . وكقوله تعالى: { تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ } [ القيامة: 25 ] وك { خَآئِنَةَ الأعين } [ غافر: 19 ] وغيره .

الثامنة قوله تعالى: { وَأَن تَصَدَّقُواْ } ابتداء ، وخبره { خَيْرٌ } . ندب الله تعالى بهذه الألفاظ إلى الصدقة على المعُسِر وجعل ذلك خيرًا من إنْظاره؛ قاله السدي وابن زيد والضحاك . وقال الطبريّ: وقال آخرون: معنى الآية وأن تصدّقوا على الغنِيّ والفقير خير لكم . والصحيح الأوّل ، وليس في الآية مَدْخل للغنِيّ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت