فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 1226

وروى أبو داود قال: أخبرنا يحيى بن مَعين قال أخبرنا ابن رجاء قال ابن خيثم حدّثني عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « مَنْ لم يَذَرِ المخابرة فلُيؤْذنُ بحرب من الله ورسوله » وهذا دليل على منع المخابرة وهي أخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع ، ويسمّى المزارعة . وأجمع أصحاب مالك كلهم والشافعيّ وأبو حنيفة وأتباعهم وداود ، على أنه لا يجوز دفع الأرض على الثُّلث الرُّبع ، ولا على جزء مما تُخرج: لأنه مجهول؛ إلاَّ أن الشافعي وأصحابه وأبا حنيفة قالوا بجواز كراء الأرض بالطعام إذا كان معلومًا؛ لقوله عليه السَّلام: « فأمّا شيء معلوم مضمون فلا بأسَ به » خرّجه مسلم . وإليه ذهب محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، ومنعه مالك وأصحابه؛ لما رواه مسلم أيضًا عن رافع بن خَدِيج قال: كنا نُحَاقِل بالأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَنُكرِيَها بالثلث والربع والطعام والمسمّى ، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي فقال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمرٍ كان لنا نافعًا ، وطواعِيُةُ الله ورسوله أنفع لنا ، نهانا أن نُحَاقِلَ بالأرض فنكتريها على الثلث والربع والطعام المسمَّى ، وأمر ربَّ الأرض أن يزرعها أو يُزَارعها . وكرِه كِراءَها وما سوى ذلك . قالوا: فلا يجوز كراء الأرض بشيء من الطعام مأكولًا كان أو مشروبًا على حال؛ لأن ذلك في معنى بيع الطعام بالطعام نسيئًا . وكذلك لا يجوز عندهم كراء الأرض بشيء مما يخرج منها وإن لم يكن طعامًا مأكولًا ولا مشروبًا ، سوى الخشب والقصب والحطب؛ لأنه عندهم في معنى المُزَابنة . هذا هو المحفوظ عن مالك وأصحابه . وقد ذكر ابن سُحْنون عن المغيرة ابن عبد الرّحمن المخزوميّ المدنيّ أنه قال: لا بأس باكراء الأرض بطعام لا يخرج منها . وروى يحيى بن عمر عن المغيرة أن ذلك لا يجوز؛ كقول سائر أصحاب مالك . وذكر ابن حبيب أن ابن كنانة كان يقول: لا تكرى الأرض بشيء إذا أُعيد فيها نبت ، ولا بأس أن تكرى بما سوى ذلك من جميع الأشياء مما يؤكل ومما لا يؤكل خرج منها أو لم يخرج منها؛ وبه قال يحيى بن يحيى ، وقال: إنه من قول مالك . قال: وكان ابن نافع يقول: لا بأس أن تُكرى الأرض بكل شيء من طعام وغيره خرج منها أولم يخرج ، ما عدا الحِنْطة وأخواتها فإنها المحاقلة المنهى عنها . وقال مالك في الموطّأ: فأما الذي يعطي أرضه البيضاء بالثلث والربع مما يخرج منها فذلك مما يدخله الغَرَر؛ لأن الزرع يقل مَرّة ويكثر أخرى ، وربما هلك رأسًا فيكون صاحب الأرض قد ترك كراء معلومًا؛ وإنما مثل ذلك مثل رجل استأجر أجيرًا لسفر بشيء معلوم ، ثم قال الذي استأجر للأجير: هل لك أن أعطيك عشر ما أربح في سفري هذا إجارةً لك .

فهذا لا يحلّ ولا ينبغي . قال مالك: ولا ينبغي لرجل أن يؤاجر نفسه ولا أرضه ولا سفينته ولا دابّته إلاَّ بشيء معلوم لا يزول . وبه يقول الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما . وقال أحمد بن حنبل والليث والثوريّ والأوزاعيّ والحسن بن حيّ وأبو يوسف ومحمد: لا بأس أن يعطي الرجل أرضه على جزء مما تخرجه نحو الثلث والربع؛ وهو قول ابن عمر وطاوس . واحتجوا بقصة خيبر وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهلها على شطرِ ما تخرجه أرضهم وثمارهم . قال أحمد: حديث رافع بن خَدِيج في النهى عن كِراء المَزارع مضطربُ الألفاظِ ولا يصح ، والقول بقصة خيبْرَ أولى وهو حديث صحيح . وقد أجاز طائفة من التابعين ومن بعدهم أن يُعطي الرجل سفينتَه ودابّته ، كما يُعطي أرضه بجزء مما يرزقه الله في العِلاج بها . وجعلوا أصلهم في ذلك القِراض المجْمَع عليه على ما يأتي بيانه في «المزَّمِّل» إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى: { وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرض يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الله } [ المزمل: 20 ] وقال الشافعي في قول ابن عمر: كنا نُخَابِر ولا نرى بذلك بأسًا حتى أخبرنا رافع ابن خَدِيج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها ، أي كنا نكرِي الأرض ببعض ما يخرج منها . قال: وفي ذلك نسخٌ لسُنّة خيبر .

قلت: ومما يصحح قول الشافعيّ في النسخ ما رواه الأئمّة واللفظ للدّارقُنِيّ عن جابر أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن المُحاقَلَة والمُزَابَنَة والمُخَابَرَة وعن الثُّنْيَا إلاَّ أن تُعلم . صحيح . وروى أبو داود عن زيد بن ثابت قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المُخَابَرَة . قلت: وما المخابرة؟ قال: أن تأخذ الأرض بِنِصْف أو ثُلُث أو رُبُع .

الثامنة والثلاثون في القراءات . قرأ الجمهور «مَا بَقِيَ» بتحريك الياء ، وسكنها الحسن؛ ومثله قول جرير:

هو الخليفةُ فارّضَوْا ما رَضِي لَكُمُ ... ماضِي الْعزُيمةِ ما في حُكْمِه جَنَف

وقال عمر بن أبي ربعية:

كم قد ذَكرتُك لَوْ أُجْزَى بذكرِكُم ... يا أشْبَهَ الناسِ كُلَّ الناسِ بالقَمْرِ

إنّي لأجْذَلُ أن أُمْسِي مُقابِلَهُ ... حُبًّا لرؤية مَن أشْبَهْت في الصُّوَرِ

أصله «ما رِضيَ» و «أن أمسِيَ» فأسكنها وهو في الشعر كثير . ووجهه أنه شبه الياء بالألف فكما لا تصل الحركة إلى الألف فكذلك لا تصل هنا إلى الياء . ومن هذه اللغة أحِبّ أن أدْعُوك ، وأشتهي أن أقْضِيكَ ، بإسكان الواو والياء . وقرأ الحسن «ما بَقَى» بالألف ، وهي لغة طي ، يقولون للجارية: جاراة ، وللناصية: ناصاة؛ وقال الشاعر: لعمركَ لا أخْشى التّصَعْلُكَ ما بَقَي ... على الأرض قَيْسِيّ يسوق الأباعرا

وقرأ أبو السّمّال من بين جميع القُراء «مِن الرِّبُوْ» بكسر الراء المشدّدة وضم الباء وسكون الواو . وقال أبو الفتح عثمان بن جِني: شذّ هذا الحرف من أمرين ، أحدهما الخروج من الكسر إلى الضم ، والآخر وقوع الواو بعد الضم في آخر الاسم . وقال المهدوِيّ: وجهها أنه فَخّم الألف فانْتَحَى بها نحو الواو التي الألف منها؛ ولا ينبغي أن يحمل على غير هذا الوجه؛ إذْ ليس في الكلام اسم آخره واو ساكنة قبلها ضمة . وأمَالَ الكِسائيّ وحمزة «الربا» لمكان الكسرة الراء . الباقون بالتفخيم لفتحة الباء . وقرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة فَآذِنُوا على معنى «فآذِنوا» غيركم ، فحذف المفعول . وقرأ الباقون «فَأْذَنُوا» أي كونوا على إذن؛ من قولك: إني على علم؛ حكاه أبو عبيد عن الأصمعيّ . وحكى أهل اللغة أنه يُقال: أذْنِت به إذْنًا ، أي علمت به ، وقال ابن عباس وغيره من المفسرين: معنى «فَأْذَنُوا» فاستيقنوا الحرب من الله تعالى ، وهو بمعنى الإذْن . ورجح أبو عليّ وغيره قراءة المدّ قال: لأنهم إذا أُمِروا بإعلام غيرهم ممن لم ينته عن ذلك علمِوا هم لا محالة . قال: ففي إعْلامهم عِلمُهم وليس في علمهم إعلامهم . ورجح الطبريّ قراءة القصر؛ لأنها تختَصَ بهم . وإنما أُمِروا على قراءة المد بإعلام غيرهم ، وقرأ جميع القُراء «لاَ تَظْلِمُونَ» بفتح التاء «وَلاَ تُظْلَمُونَ» بضمها . وروى المفضَّل عن عاصم «لاَ تُظْلَمُونَ» «وَلاَ تَظْلِمُونَ» بضم التاء في الأُولى وفتحها في الثانية على العكس . وقال أبو عليّ: تترجح قراءة الجماعة بأنها تناسب قوله: «وَإنْ تُبْتُمْ» في إسناد الفعلين إلى الفاعل؛ فيجيء «تَظْلِمُون» بفتح التاء أشْكَلَ بما قبله .

فيه تسع مسائل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت