الجواب الرابع: عن حديث أسامة أنه عام بظاهره في الجنس والجنسين ، وأحاديث الجماعة أخص منه . لأنها مصرحة بالمنع مع اتحاد الجنس ، وبالجواز مع اختلاف الجنس ، والأخص مقدم على الأعم . لأنه بيان له ولا يتعارض عام وخاص ، كما تقرر في الأصول . ومن مرجحات أحاديث منع ربا الفضل على حديث أسامة الحفظ . فإن في رواته أبا هريرة ، وأبا سعيد ، وغيرهما ، ممن هو مشهور بالحفظ . ومنها غير ذلك . وقال ابن حجر في فتح الباري ما نصه: واتفق العلماء على صحة حديث أسامة ، واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد ، فقيل: منسوخ لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال ، وقيل: المعنى في قوله لا ربا الربا الأغلظ الشديد التحريم ، المتوعد عليه بالعقاب الشديد ، كما تقول العرب: لا عالم في البلد إلا زيد ، مع أن فيها علماء غيره وإنما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل ، وأيضًا فنفي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم . فيقدم عليه حديث أبي سعيد . لأن دلالته بالمنطوق . ويحمل حديث اسامة على الربا الأكبر كما تقدم ، والله أعلم اه منه .
وقوله النسخ لا يثبت بالاحتمال مردود بما قدمنا من الروايات المصرحة بأن التحريم بعد الإباحة ومعرفة المتأخر كافية في الدلالة على النسخ ، وقد روى عن ابن عباس وابن عمر أنهما رجعا عن القول بإباحة ربا الفضل ، قال البيهقي في السنن الكبرى ما نصه: « باب ما يستدل به على رجوع من قال من الصدر الأول لا ربا إلا في النسيئة عن قوله ونزوعه عنه » أخبرنا ابو عبد الله الحافظ: أنا أبو الفضل بن إبراهيم حدثنا أحمد بن سلمة حدثنا إسحاق بن إبراهيم أنا عبد الأعلى حدثنا داود بن أبي هند عن أبي نضرة قال: سالت ابن عمر وابن عباس عن الصرف فلم يريا به باسًا ، وإني لقاعد عند أبي سعيد الخدري فسألته عن الصرف ، فقال ما زاد فهو ربًا ، فأنكرت ذلك لقولهما ، فقال: لا احدثكم إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: جاءه صاحب نخلة بصاع من تمر طيب ، وكان تمر النَّبي صلى الله عليه وسلم هو الدون ، فقال له النَّبي صلى الله عليه وسلم « إنى لك هذا » قال انطلقت بصاعين واشتريت به هذا الصاع . فإن سعر هذا بالسوق كذا ، وسعر هذا بالسوق كذا .
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم « أربيت؟ إذا أردت ذلك فبع تمرك بسلعة ، ثم اشتر بسلعتك أي تمر شئت » فقال أبو سعيد ، فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا ، أم الفضة بالفضة؟ قال فأتيت ابن عمر بعد فنهاني ، ولم آت ابن عباس قال: فحدثني أبو الصهباء أنه سأل ابن عباس فكرهه ، رواه مسلم في الصحيح عن إسحاق بن إبراهيم . وقال: وكان تمر النَّبي صلى الله عليه وسلم هذا اللون .
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ، حدثنا الحسين بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين أبو علي الماسرجسي ، حدثنا جدي أبو العباس أحمد بن محمد ، وهو ابن بنت الحسن بن عيسى ، حدثنا جدي الحسن بن عيسى ، أنا ابن المبارك ، أنا يعقوب بن أبي القعقاع ، عن معروف بن سعد ، أنه سمع أبا الجوزاء يقول: كنت أخدم ابن عباس تسع سنين إذ جاء رجل فسأله عن درهم بدرهمين ، فصاح ابن عباس وقال: إن هذا يأمرني أن أطعمه الربا ، فقال ناس حوله إن كنا لنعمل هذا بفتياك ، فقال ابن عباس قد كنت أفتي بذلك حتى حدثني أبو سعيد وابن عمر أن النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه فأنا أنهاكم عنه . وفي نسختنا من سنن البيهقي في هذا الإسناد ابن المبارك ، والظاهر: أن الأصل أبو المبارك كما يأتي . أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان ببغداد أنا عبد الله بن جعفر بن درستويه ، حدثنا يعقوب بن سفيان ، حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق ، عن سعد بن إياس ، عن عبد الله بن مسعود ، أن رجلًا من بني شمخ بن فزارة ، سأله عن رجل تزوج امرأة فرأى أمها فأعجبته ، فطلق امرأته . ليتزوج أمها ، قال لا باس فتزوجها الرجل وكان عبد الله على بيت المال ، وكان يبيع نفاية بيت المال يعطي الكثير ، ويأخذ القليل ، حتى قم المدينة . فسأل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا: لا يحل لهذا الرجل هذه المرأة ، ولا تصح الفضة إلا وزنًا بوزن . فلما قدم عبد الله انطلق إلى الرجل فلم يجده ، ووجد قومه فقال إن الذي أفتيت به صاحبكم لا يحل فقالوا: إنها قد نثرت له بطنها ، قال وإن كان . وأتى الصيارفة فقال يا معشر الصيارفة: إن الذي كنت أبايعكم ، لا يحل ، لا تحل الفضة بالفضة ، إلا وزنًا بوزن اه من البيهقي بلفظه ، وفيه التصريح برجوع ابن عمر وابن عباس وابن مسعود عن القول بإباحة ربا الفضل ، وقال ابن حجر في الكلام على حديث أسامة المذكور ما نصه ، وخالف فيه . يعني: منع ربا الفضل ابن عمر ثم رجع ، وابن عباس ، واختلف في رجوعه ، وقد روى الحاكم من طريق حيان العدوي وهو بالمهملة والتحتانية ، سألت أبا مجلز عن الصرف فقال: كان ابن عباس لا يرى به بأسًا زمانًا من عمره ، ما كان منه عينًا بعين ، يدًا بيد ، وكان يقول: إنما الربا في النسيئة ، فلقيه أبو سعيد فذكر القصة والحديث ، وفيه التمر بالتمر ، والحنطة بالحنطة ، والشعير بالشعير ، والذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، يدًا بيد ، مثلًا بمثل ، فما زاد فهو ربا ، فقال ابن عباس .
أستغفر الله وأتوب إليه ، فكان ينهى عنه أشد النهي . اه من فتح الباري بلفظه . وفي تملة المجموع لتقي الدين السبكي بعد أن ساق حديث حيان هذا ما نصه: رواه الحاكم في المستدرك ، وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة ، وفي حكمه عليه بالصحة نظر . فإن حيان بن عبيد الله المذكور ، قال ابن عدي: عامة ما يرويه إفرادات يتفرد بها ، وذكر ابن عدي في ترجمته حديثه في الصرف هذا بسياقه ، ثم قال وهذا الحديث من حديث أبي مجلز عن ابن عباس ، تفرد به حيان . قال البيهقي وحيان: تكلموا فيه . واعلم: أن هذا الحديث ينبغي الاعتناء بأمره ، وتبيين صحته من سقمه . لأمر غير ما نحن فيه: وهو قوله: وكذلك ما يكال ويوزن ، وقد تكلم فيه بنوعين من الكلام أحدهما تضعيف الحديث جملة ، وإليه أشار البيهقي ، وممن ذهب غلى ذلك ابن حزم ، أعله بشيء أنبه عليه ، لئلا يغتر به: وهو أنه أعله بثلاثة أشياء:
أحدها: أنه منقطع . لأن ابا مجلز لم يسمع من أبي سعيد ، ولا من ابن عباس .
والثاني: لذكره أن ابن عباس رجع ، واعتقاد ابن حزم: أن ذلك باطل . لمخالفة سعيد بن جبير .