أن من فروع القاعدة الفقهية المستنبطة من هذا الحديث: ( الضرر يزال ) قاعدة مقيِّدة لها، وهي: ( أن الضرر لا يزال بمثله ولا بما هو أشد منه) ، وفي إلزام المدين المماطل بالتعويض المالي إزالة للضرر بمثل الضرر الواقع بل أشد؛ إذ يفرض عليه الربا، وتُنَزَّل المنفعة المحتملة منزل المحققة المستوفاة، فهو مقابلة لظلم المطل بظلم من نوع آخر (95) .
الوجه الرابع:
قولكم:"معاقبة المدين المماطل بغير التعويض المالي لا يفيد الدائن المتضرر شيئًا"، لا يعني جواز الحكم بالتعويض؛ لأن هذه المسألة -أي عقوبة المماطل- لا تعالجها أصلًا قاعدة الجوابر؛ لخروجها عن نطاقها، وانضوائها تحت قاعدة الزواجر، التي تكفل دفع هذه المفسدة واستئصالها من حياة الناس، والعقوبات الشرعية ليس من شأنها الجبر، ووظيفتها تنحصر في الزجر، فالسارق إذا قطعت يده، أو المحارب إذا أقيم عليه حد الحرابة، فإن هذه العقوبات لا تزيل الضرر المادي عن المتضرر المظلوم؛ لأن من شأن العقوبات زجر الناس عن الظلم، ومنعهم من اقتراف الذنوب الموجبة لها درءًا للمفسدة المتوقعة (96) .
الدليل الثالث:
ما ورد عن أبي هريرة _رضي الله عنه_ قال: قال _صلى الله عليه وسلم_:"مطل الغني ظلم" (97) .
الدليل الرابع:
ما ورد عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن النبي _صلى الله عليه وسلم_:"لي الواجد يحل عرضه وعقوبته".
وجه الدلالة من الحديثين:
دل الحديثان أن المماطلة في أداء الدَّين من القادر على الوفاء ظلم يستحق فاعله الفضيحة والعقوبة، ومن أنواع العقوبة التعزيرية: التعزير بالمال، وهو مشروع كما قرر ذلك المحققين من أهل العلم، والتعزير بالمال أنواع:
النوع الأول: إتلاف.
النوع الثاني: تغيير.
النوع الثالث: تمليك للغير.
ومن النوع الثالث: تعويض الدائن عن فوات منافع ماله خلال مدة المماطلة (98) .
ومن شواهده: مضاعفة الغرم على سارق مالا يوجب حدًا (99) .
المناقشة:
نوقش الاستدلال بالحديثين من ستة أوجه:
الوجه الأول:
عدم التسليم بأن العقوبة المالية داخلة فيما دل عليه الحديث من مشروعية عقوبة المماطل؛ بناء على فهم أهل العلم لها، إذ قصروا هذه العقوبة على الحبس، والضرب، وبيع المال، ونحو ذلك، ولم ينقل عن أحد منهم تفسير العقوبة هنا: بتغريم المماطل مالًا عوضًا عن تأخره في الوفاء يدفع لصالح الدائن، بل نصوا على أن العقوبة هي الحبس، والضرب، وبيع المال، واتفاقهم على ذكر هذه العقوبات مع إعراضهم عن القول بالتعويض مع وجود المقتضي للقول به من كثرة حوادث المماطلة في الديون، دليل على أنه متقرر لديهم منعه؛ لاشتماله على الربا المحرم (100) .
الوجه الثاني:
أن الحديث أحل أمرين من المماطل، هما: العرض والعقوبة، ولم يقل: (ويحل ماله) ، فالعرض يعني: جواز شكايته وذمه وذكره بسوء المعاملة، والعقوبة كما سبق معناها: الحبس، والضرب، وبيع المال، ونحوه، مما شأنه الزجر والردع، وأما الجبر بالتعويض، فليس داخلًا فيها، وإلا لشرع التعويض في حق المعسر المتأخر في الوفاء متى ما أيسر ولم يقل به أحد (101) .
الوجه الثالث:
أن مضاعفة الغرم على سارق ما لا يوجب حدًا لا يصح الاستدلال به على ما نحن فيه من حكم إلزام المدين المماطل بدفع تعويض مقابل المماطلة؛ لأن هذا الحكم ثبت بالنص الشرعي، وذلك فيما رواه عمرو بن شعيب (102) عن أبيه عن جده أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ سئل عن الثمر المعلق، فقال:"من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشي منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجَرِين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة".
ومثله الحديث الآخر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:"سمعت رجلًا من مزينة يسأل رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ، قال: يا رسول الله جئت أسألك عن الضالة من الإبل؟ قال: معها حذاؤها وسقاؤها تأكل الشجر وترد الماء، فدعها حتى يأتيها باغيها، قال: الضالة من الغنم؟ قال: لك أو لأخيك أو للذئب، تجمعها حتى يأتيها باغيها، قال: الحريسة (103) التي توجد في مراتعها؟ قال: فيها ثمنها مرتين، وضرب نكال، وما أخذ من عطنه، ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن" (104) .
وجه الدلالة من الحديثين:
أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ فرق بين العقوبة والغرامة المالية، مما يدل على أن العقوبة يراد بها الجزاء البدني من حبس وضرب وتضييق ونحوه، ويؤيده: قوله _صلى الله عليه وسلم_:"لا عقوبة فوق عشرة ضربات إلا في حد من حدود الله" (105) ، كما يؤيده أيضًا: تفريقه _صلى الله عليه وسلم_ بين العرض والعقوبة فيما يحل من المماطل الواجد، مع أن الشكوى والتظلم وذكره بسوء المعاملة عقوبة بالمعنى العام، وبناء على ما سبق، يظهر أن العقوبة في الحديث يراد بها الجزاء الواقع على بدن المماطل دون ماله، والله أعلم (106) .
الوجه الرابع:
أن الأصل في العقوبات الشرعية أن تكون زاجرة رادعة، وليس من شأنها أن تجبر الضرر، والعقوبات الزاجرة شرعت لكي ترفع المفسدة عن حياة الناس وتستأصلها، أما التعويض فإنه ربما حمل الطرفين على التواطؤ على المماطلة والتحايل لأخذه، فيصبح هذا التعويض ستارًا للربا المحرم (107) ، فالتعويض لا يعالج مشكلة المطل بقدر ما يزيدها تعقيدًا.
الوجه الخامس:
أن ولاية التعزير بالمال - على افتراض أن التعويض داخل في التعزير بالمال- للحاكم وليست للدائن، وقيام الدائن بتطبيق العقوبة على المدين وتنفيذها يؤدي إلى فوضى ونزاع لا يقره شرع ولا يقبله عقل، ولذا لم يقل أحد بأن للدائن أن يعاقب المدين بالحبس، أو الضرب، دون الحاكم الشرعي (108) .
الوجه السادس:
أن هذا المال المأخوذ من المدين المماطل تعزيرًا، لا يخلو إما أن يذهب إلى بيت المال، أو إلى الدائن، فإن ذهب إلى بيت المال كما هو الشأن في الغرامات المالية التعزيرية، فإن الغرض وهو تعويض الدائن لم يتحقق، - ولا ينفع الدائن تغريم المدين في هذه الحالة، فتبقى العقوبات الأخرى أنفع له؛ لكونها تضيق على المدين في عرضه وبدنه حتى يسدده-، وقد لا يلحق المدين ضرر من دفع الغرامة لبيت المال إن كان غنيًا، أو كان يربح من المال الذي يماطل به أكثر مما يدفعه من الغرامة.
وأما إن ذهبت إلى الدائن، فإن الأمر يؤول إلى أن تكون زيادة في دين مقابل زيادة في أجل، وهو عين ربا الجاهلية المحرم، إذ لا فرق بينهما في النتيجة (109) .
الدليل الخامس:
أن من أسس الشريعة ومقاصدها العامة عدم المساواة بين الأمين والخائن، وبين المطيع والعاصي، وبين العادل والظالم، وبين المنصف والجائر، ولا بين من يؤدي الحقوق إلى أصحابها ومن يؤخرها.
ولا شك أن تأخير الحق عن صاحبه عمدًا ومطلًا بلا عذر شرعي ظلمٌ وجورٌ بشهادة النصوص الشرعية، وفيه ضرر لصاحب الحق بحرمانه منافع ماله مدة التأخير التي قد تطول كثيرًا، فإذا لم يلزم المماطل بتعويض صاحب الحق عن ضرر هذا التأخير، كانت النتيجة أن هذا الظالم العاصي يتساوى مع الأمين العادل الذي لا يؤخر الحقوق ولا يلحق الأضرار، إذ كلاهما يؤدي مقدار الواجب فقط، بل إن ذلك يغري ويشجع المماطل على مماطلته، والجزاء الأخروي بمعاقبة هذا الظالم لا يفيد صاحب الحق المهضوم شيئًا في الدنيا، وحفظ المال مقصود للشارع، لذا جعل له ضمانات قضائية لتحصيله في الدنيا قبل الآخرة، ومنها هذا التعويض (110) .
المناقشة: