فهرس الكتاب

الصفحة 710 من 1226

أن النصارى قد استحلوا الربا المحرم في شريعتهم بسبب دعوى التعويض عن الضرر، إذ كان إجماعهم منعقدًا على تحريم الربا، إلا أن الضعف بدأ يدب في صفوفهم خلال القرنين السادس عشر والثامن عشر، حتى وقع رجال الكنائس في الربا، بناء على فتوى مجمع انتشار الإيمان المقدس في روما، والتي أجازت أخذ الربا في مقابلة الخطر من فقد أصل المال، ثم أثَّرت الأحوال الاقتصادية على آراء رجال الدَّين النصراني حتى ضيقوا دائرة الربا، فأباحوا الفائدة استثناءً في الحالات الآتية:

1-إباحة التعويض للمقترض عن أي خسارة حصلت عليه بسبب القرض.

2-إباحة التعويض عن الربح الفائت.

3-إباحة الشرط الجزائي الذي يلتزم بسببه المقترض إذا لم يسدد القرض في الميعاد وتأخر في وفائه، بأن يدفع مبلغًا إضافيًا، وقد ترددت الكنيسة في إباحة هذا الشرط بادئ الأمر، ثم أجازته (79) .

قال أحد النصارى:"إذا لحق المقرض ضرر ناجم عن تأخير المقترض عن الوفاء في الميعاد المحدد للسداد، يصبح للمقرض الحق في مطالبة المقترض بالتعويض شريطة إثبات الضرر الذي انتاب المقرض" (80) ، فالتعويض عن ضرر تأخر المدين هي حجة من أباح الربا من النصارى.

الوجه الثاني:

توسع بعض المصارف الإسلامية التي أخذت بفتوى جواز التعويض في تطبيق التعويض، إذ صار التعويض عن ضرر المماطلة كالفائدة الربوية، مما حمل بعض من أفتى بالتعويض أن يتراجعوا عن فتواهم؛ لعدم إمكان تطبيق شروطهم التي قيدوا بها الجواز (81) .

الوجه الثالث:

أن صاحب المال لن يلح على المدين بتسديد دينه، ولن يحرص على متابعة مدينه، إذ إنه سيحصل من المماطل على أصل ماله مع عوضٍ مالي عن مماطلته، بل ربما يطمع في هذا العوض ويتطلع لتأخره ومطله، ومن جهة أخرى: فإن المدين المماطل لن يبالي في الوفاء في زمن السداد المحدد، بل سيستسهل التعويض، ويستصعب دفع المبلغ كاملًا لوفاء الدَّين، فينقلب التعويض مع مرور الزمن إلى اتفاق عرفي على التأخير بزيادة - تسمى تعويضًا عن ضرر - وهي ذريعة يجب سدها ومنعها.

الوجه الرابع:

أن تأخير تحديد مقدار التعويض يفضي إلى النزاع، مع ما فيه من صعوبة التقدير، فليس من المستبعد أن يتم تحديد التعويض في بداية العقد أو يربط بعدد الأيام، كما في الفوائد الربوية أو بنسبة معينة ونحوه، وهذا يؤدي إلى الربا المحرم بالاتفاق، ولذلك لزم القول بمنع التعويض؛ سدًا للذريعة، وصونًا للشريعة (82) .

الدليل الخامس:

أن جواز التعويض عن ضرر المماطلة في الديون - عند من يقول به - مقيد بشروط تخرجه عن الربا، وهذه الشروط نظرية يصعب تحقيقها في الواقع العملي، فمنها:

أولًا: شرط عدم كون المدين معسرًا؛ لأن المعسر منظر بنص القرآن حتى يوسر، إلا أن التحقق من اليسار أو الإعسار أمر صعب في الوقت الحاضر، ويكاد يتعذر على الدائن التحقق من كل حالة بعينها، لا سيما في البنوك والمصارف التي يتعامل معها الآلاف، ولذا نجد أنه يُحتال على إسقاط هذا الشرط -وهو عدم كونه معسرًا - بأن يكتب في العقد شرط آخر: وهو أن المدين يعتبر موسرًا، ويعامل بناء على ذلك ما لم يحكم عليه بحالة الإفلاس قانونًا، وهي حالة نهائية لا توجد إلا نادرًا، مما يدل على أن كثيرًا من المدينين الذين يطالبون بالتعويض هم من المعسرين حقًا (83) .

ثانيًا: القول بالتعويض المالي على المدين المماطل مفروض بناء على أساس وقوع ضرر على الدائن بسبب المماطلة، وهو فوات فرصة الربح، إذ يفترض أن هذا المال لو دفع لصاحبه لأمكن أن يستثمر بتجارة، أو مضاربة، أو صناعة، أو مشاركة، فيربح كذا، وهذا إن جاز نظريًا، فهو بعيد عمليًا؛ لأن الدائن لا يقطع بتنمية ماله واستثماره، ثم لو استثمره فإنه لا يقطع بحصول الأرباح، فضلًا عن تحديدها بمقدار معين، إذ ماله معرض للربح والخسارة، وهذا ظاهر في المصارف والبنوك، إذ لا تستفيد من كل ما لديها من أموال، بل إن نسبة السيولة غالبًا ما تكون أكثر من النسبة المحددة التي يجب الاحتفاظ بها من قبل البنوك المركزية (84) ، فإذا كان عند الدائن مال - فائض نقدي - يمكن أن يدفع به عن نفسه الأضرار الطارئة، ويستغل أي فرصة استثمارية يظن أنها تدر له ربحًا، فإن دعوى الضرر لا تقبل، ويبطل شرط حصول الضرر.

"أدلة القول الثاني:"

استدل القائلون بجواز إلزام المدين المليء المماطل بتعويض الدائن عن ضرر فوات منفعة ماله وربحه المفترض بتسعة أدلة، وهي ما يلي:

الدليل الأول:

الآيات الدالة على وجوب الوفاء بالعقود، والأمانات، وتحريم أكل المال بالباطل، ومن ذلك:

قوله _تعالى_:"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" (85) .

وقوله _تعالى_:"إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا" (86) .

وقوله _تعالى_:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ" (87) .

وجه الدلالة من هذه الآيات:

دلت الآيات على وجوب الوفاء بالعقد، وأداء الأمانة، وتحريم أكل المال بالباطل، وتأخير الوفاء عن ميعاده دون رضا صاحبه يعد من أكل المال أو منفعته بالباطل، وعليه فيكون المتخلف ظالمًا لصاحب المال، ومسؤولًا عن الضرر الذي يلحقه من جراء مماطلته، فيضمن منفعة ماله تلك المدة (88) .

المناقشة:

نوقش الاستدلال بالآيات من ثلاثة أوجه:

الوجه الأول:

أن مدلول هذه الآيات خارج عن محل النزاع، وهو التعويض عن منافع المال الفائتة بالمماطلة.

الوجه الثاني:

عدم تسليم كون التأخير في أداء الدَّين أكلًا لمنفعة المال بغير حق خلال تلك المدة التي ماطل فيها المدين؛ لأن قابلية النقود للزيادة أمر محتمل، فلا تعد منفعة محققة الوجود قد أكلها المدين المماطل عدوانًا حتى يطالب بالتعويض المالي عنها (89) .

الوجه الثالث:

أن اعتبار المدين المماطل بغير عذر ظالمًا معتديًا أمر مسلم لا خلاف فيه لنص الحديث على ذلك، ومنشأ ظلمه إلحاقه الضرر بالدائن نتيجة تأخير الوفاء عن وقته بلا عذر، إلا أنه ليس كل ضرر يلحقُهُ الإنسانُ بغيره ظلمًا يعد موجبًا للتعويض المالي (90) .

الدليل الثاني:

ما ورد عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أنه قال:"لا ضرر ولا ضرار" (91) .

وجه الدلالة من الحديث:

دل الحديث على تحريم الضرر ووجوب إزالته، والضرر الواقع على الدائن لا يزول إلا بتعويضه ماليًا عما فاته من منافع ماله خلال مدة المماطلة، بل إن معاقبة المدين المماطل بغير التعويض المالي لا يفيد الدائن المتضرر شيئًا، فلا يرتفع ضرره إلا بذلك (92) .

المناقشة:

نوقش الاستدلال بهذا الحديث من أربعة أوجه:

الوجه الأول:

تسليم تحريم الضرر ووجوب إزالته بالطرق الشرعية، لكن من أين لكم أن زوال الضرر لا يكون إلا بالتعويض المالي؟؛ إذ إن إزالة هذا الضرر بالتعويض المالي ليس من مدلول النص صراحة ولا إشارة، ولو كان هذا النص يدل على أن ضرر المماطل يزال بفرض زيادة مالية تضاف لأصل الدَّين تعويضًا له عن ضرر فوات ربحه خلال مدة المماطلة لوجب الحكم بها، و لوجب على كل قاض ومفت أن يقضي ويفتي بالتعويض المالي، ولكن لم يوجد في التاريخ قاض أو مفت حكم أو أفتى بذلك مع كثرة قضايا المماطلة في الديون في كل عصر ومصر (93) .

الوجه الثاني:

أن ضرر الدائن المعترف به شرعًا هو عدم حصوله على ماله في وقته المحدد، وإزالة هذا الضرر بأن يسلم إليه ذلك المبلغ الذي هو حقه، وليس من حقه أخذه ما يزيد عن مبلغ دينه؛ لأنه ربا (94) .

الوجه الثالث:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت