فهرس الكتاب

الصفحة 712 من 1226

نوقش بعدم تسليم دعوى أن عدم تعويض الدائن عن ضرر المماطلة يستلزم مساواة المماطل بغيره، وأن ذلك يشجع على المماطلة، وذلك من ثلاثة أوجه:

الوجه الأول:

أن المسلم الذي يؤمن بالله واليوم الآخر يخاف كل الخوف من الوقوع فيما حرمه الله _تعالى_ من مماطلة أهل الحقوق بغير عذر؛ لأنه ظلم للعباد يترتب عليه ما أعده الله للظالمين من عقوبة حذرت منها النصوص الشرعية، فهو ظلمات يوم القيامة، وسبب لسخط الله ونقمته على الظالم، وهو فاتح لأبواب السماء لاستجابة دعوة المظلوم على ظالمه، وهذا الوازع الإيماني هو الحامل للمؤمن والزاجر له كيلا يقع في المماطلة قبل أن تفرض عليه غرامة تعويضية للدائن (111) .

الوجه الثاني:

أنه في حال ضعف الوازع الإيماني في قلب المدين عن زجره عن الوقوع في المماطلة، فإن اقترفه للمماطلة بغير حق يصيره في حكم الشريعة ظالمًا يستحق الشكوى الفاضحة، والعقوبة الزاجرة، وهما كافيتان بردع المماطل الظالم عن ظلمه، وكفه عن المخالفة بقوة لا تعدلها أية غرامة مالية (112) .

الوجه الثالث:

أنه في حال ضعف الوازع الإيماني، وعدم وجود الرادع السلطاني المُطَبِقِ لأحكام الشريعة في المماطلين-كما يبرر بذلك من أجاز التعويض ضرورة-، فإن الواجب على أهل الأموال أن يحتاطوا بالأخذ بالجوانب التوثيقية التي تضمن حفظ حقوقهم، وذلك بعدم التوسع في عقود المداينات، وعمل الدراسات الجادة واللازمة للمشاريع الاستثمارية قبل الدخول فيها، وتقييم جدوها الاقتصادية، وأخذ الضمانات الكافية لحفظ الحق واستيفائه، كالرهن والضمان ونحوها، والتحري في المعاملة مع ذوي الأمانة والصدق والكفاءة، إذ كثيرًا ما يكون من أسباب المطل حصول التفريط في هذه الأمور.

الترجيح:

بعد عرض القولين وأدلتهما وما ورد عليها من المناقشة والتوجيه، يتبين أن القول الأول هو الراجح، وهو عدم جواز إلزام المدين بتعويض مالي يدفعه للدائن مقابل ضرر فوات منفعة المال وربحه بسبب مماطلته بالوفاء بالدَّين، وذلك لما يلي:

1)قوة أدلة القائلين بالمنع، وتوجيه المناقشات الواردة عليها، مع مناقشة أدلة القول الثاني، وبيان أنها لا تدل على التعويض المالي.

2)اختلاف القائلين بالتعويض في تكييفه، هل هو تعزير أم تعويض؟ وفي كيفية تقديره؟ دليل على ضعف هذا القول.

3)أن النتيجة النهائية للتعويض هي نفس نتيجة الربا، والفرق بينهما في التخريجات فقط، فهو يأخذ مالًا زائدًا بسبب التأخر في زمن الوفاء.

4)إن التعويض عن ضرر المماطلة إذا لم يكن ربًا في ذاته، فهو ذريعة إلى الربا، فيمنع.

5)ما سبق نقله عن أهل العلم بأن المثلي يضمن بالمثلي، وأن المماطلة لا توجب زيادة في الدَّين، وأنه لا فرق بين المماطل وغيره إلا في الإثم، وأنه بالشرط يمنع اتفاقًا، فكذا بالإلزام القضائي، والله أعلم.

التعويض عن الأضرار المترتبة على المماطلة في الديون (2/2)

(1) ينظر: معجم مقاييس اللغة ص (598) ، لسان العرب ص (4/482) ، القاموس المحيط ص (550) ، المصباح المنير ص (136) .

(2) سورة الأنبياء، جزء من الآية (83) .

(3) التعويض عن الضرر في الفقه الإسلامي للدكتور محمد بوساق ص (68) ، ينظر: معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء ص (219) .

(4) ينظر في هذه الشروط: الضمان في الفقه الإسلامي للشيخ علي الخفيف (48) ، التعويض عن الضرر للدكتور محمد بوساق ص (177-211) ، ونظرية الضمان للدكتور وهبة الزحيلي ص (188) وما بعدها ا.هـ

(5) اختلف الفقهاء في ضمان المنافع؟ بناء على خلافهم في مالية المنافع، فقال الجمهور:"هي مضمونة؛ لأنها مال يمكن تقويمه وأخذ العوض عنه والمبادلة بينه وبين المال"، وخالف الحنفية فقالوا: بعدم مالية المنافع، والمال كل ما يمكن تملكه من أي شيء، والمنافع لا تملك ولا تدخر، ينظر: المبسوط (11/79) ، الموسوعة الفقهية (13/37) ، التعويض عن الضرر د. محمد المدني بوساق ص (180) .

(6) ينظر: بدائع الصنائع (7/167) ، الضمان للخفيف ص (169) ، التعويض عن الضرر لبوساق ص (188) .

(7) أهلية الوجوب: هي صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق له وعليه معًا أو له أو عليه، ومبنى ذلك وجود ذمة صالحة، ينظر: بدائع الصنائع (7/168) ، الشرح الكبير للدردير (3/443) ، قواعد الأحكام (1/186) ، الإقناع (2/354) ، الموسوعة الفقهية الكويتية (7/152) .

(8) ينظر: بدائع الصنائع (7/315) ، الخرشي (8/42) المهذب (2/205) ، المغني (12/133) .

(9) حول جواز إلزام المدين المماطل بتعويض الدائن، مجلة دراسات اقتصادية إسلامية. ع: 2، م:3، ص (20) ، ينظر: تعليق زكي شعبان عليه ص (198) ، مجلة الملك عبد العزيز مجلد ص (20) .

(10) بحث في مطل الغني وأنه ظلم يحل عرضه وعقوبته ضمن مجموع فتاوى وبحوث الشيخ (3/239) .

(11) الاتفاق على إلزام المدين الموسر بتعويض ضرر المماطل ص (112) ، ينظر: التعويض عن الضرر من المدين المماطل لمحمد الزحيلي ص (82) ، بحوث في قضايا فقهية معاصرة للعثماني ص (37) .

(12) التعويض عن الضرر من المدين الماطل د. محمد الزحيلي ص (82) ، التعويض عن ضرر المماطلة في الدَّين بين الفقه و الاقتصاد د.محمد ابن الزرقاء ود. محمد بن علي القري ص (38) .

(13) خروج هذه المسألة من النزاع لا لكون العقوبة بالتعزير بالمال مسألة متفق عليها، بل لأن الخلاف في التعويض ليس مبنيًا على جواز التعزير بالمال، أما ما يتعلق بالتعزير بالمال، فيقال:

التعزير بأخذ المال محل إشكال، ومسألة تحتاج إلى تحرير، وذلك أن كثيرًا من العلماء نصوا في مواضع على حرمة التعزير بالمال، وتحريم أخذه بدون حق وطيب نفس من صاحبه، ويعللون المنع بالخوف من تسلط الجبابرة على أموال الناس، وأخذها بالتشهي ظلمًا وبغيًا بدعوى التعزير بالمال .

قال ابن عابدين:"المذهب عدم التعزير بأخذ المال"، وقال قبل ذلك:"وعن أبي يوسف: يجوز التعزير للسلطان بأخذ المال، وعندهما وباقي الأئمة لا يجوز ا.هـ... ولا يفتى بهذا، لما فيه من تسليط الظلمة على أخذ مال الناس فيأكلونه، … وأفاد في البزازية: أن معنى التعزير بأخذ المال على القول به: إمساك شيء من ماله عنه مدة لينزجر ثم يعيده الحاكم إليه، لا أن يأخذه الحاكم لنفسه، أو لبيت المال كما يتوهمه الظلمة، إذ لا يجوز لأحد من المسلمين أخذ مال أحد بغير سبب شرعي". [ينظر: حاشية ابن عابدين (4/61-62) ] .

وقال الإمام مالك:"لا يُحِلُ ذنبٌ من الذنوب مالَ إنسان". [ ينظر: البيان والتحصيل لابن رشد (9/359) ] ، وقال الدسوقي:"ولا يجوز التعزير بأخذ المال إجماعًا". [ينظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/355) ] .

وقال الشافعي:"لا يعاقب رجل في ماله، وإنما يعاقب في بدنه، وإنما جعل الله الحدود على الأبدان، وكذلك العقوبات، فأما الأموال فلا عقوبة عليها". [ينظر: الأم (4/265) ] .

وقال ابن قدامة:"التعزير يكون بالضرب، والحبس، والتوبيخ، ولا يجوز قطع شيء منه ولا جرحه، ولا أخذ ماله؛ لأن الشرع لم يرد بشيء من ذلك عن أحد يقتدي به، ولأن الواجب أدب، والتأديب لا يكون بالإتلاف". [ينظر: المغني (12/526) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت