وكان من نتيجة ذلك أن أصبحت القوانين والأحكام التي تعلو أغلب ديار الإسلام هي قوانين"تخالف الإسلام مخالفة جوهرية في كثير من أصولها وفروعها، بل إن في بعضها ما ينقض الإسلام ويهدمه، .. حتى لو كان في بعضها ما لا يخالف الإسلام فإن من وضعها حين وضعها لم ينظر إلى موافقتها للإسلام أو مخالفتها، إنما نظر إلى موافقتها لقوانين أوروبا ولمبادئها وقواعدها وجعلها هي الأصل الذي يرجع إليه" (16) ..
... وقد وضع الإمام الشافعي قاعدة جليلة دقيقة في نحو هذا، ولكنه لم يضعها في الذين يشرعون القوانين من مصادر غير إسلامية، فقد كانت بلاد المسلمين إذ ذاك بريئة من هذا العار، ولكنه وضعها في المجتهدين العلماء من المسلمين الذين يستنبطون الأحكام قبل أن يتثبتوا مما ورد في الكتاب والسنة، ويقيسون ويجتهدون برأيهم على غير أساس صحيح، حتى لو وافق الصواب حيث قال:"ومن تكلف ما جهل، وما لم تثبت له معرفته، كانت موافقته للصواب - إن وافقه من حيث لا يعرفه - غير محمودة والله أعلم وكان بخطئه غير معذور إذا نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الخطأ والصواب فيه" (17) .
وإذا كان هذا هو حكم المجتهد في الفقه الإسلامي على غير أساس من معرفة، وعن غير تثبت من أدلة الكتاب والسنة حتى ولو وافق الصواب .. فلا شك أن هؤلاء الذين يشرّعون من دون الله، مخطئون إذا أصابوا، مجرمون إذا أخطأوا، لأنهم أصابوا من غير طريق الصواب، إذ لم يضعوا الكتاب والسنة نصب أعينهم، بل أعرضوا عنها ابتغاء مرضاة غير الله ... بل إن هؤلاء الذين يشرعون من دون الله قد وقعوا في نوع من أنواع الكفر الأكبر وهو كفر التشريع من دون الله، قال تعالى: (( أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) ) [المائدة:50]
يقول ابن كثير -رحمه الله- عند تفسير هذه الآية:"ينكر تعالى على من خرج عن حكمه المشتمل على كل خير ، الناهي عن كل شر، وعَدَلَ إلى ما سواه من الآراء والأهواء التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكِّم سواه في قليل ولا كثير" (18) .
أرأيت - أخي المسلم - هذا الوصف القوي من الحافظ ابن كثير في القرن الثامن لذلك القانون الوضعي الذي وضعه عدو الإسلام جنكيز خان ؟ ألا ترى أن هذا الوصف ينطبق على القانون الوضعي الذي يضعه العلمانيون الذين يشرعون للناس من دون الله ؟ إلا في وصف واحد، وهو أن الشريعة الإسلامية كانت عند جنكيز خان مصدرًا مهمًا لقانونه ؛ بينما هي عند العلمانيين مصدرًا احتياطيًا من الدرجة الثالثة.
وإذا تبين هذا فإننا نقول بما قاله الشيخ محمد بن إبراهيم - مفتي الديار السعودية - رحمه الله-: إن من الكفر الأكبر المستبين تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد -صلى الله عليه وسلم- ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين في الحكم به بين العالمين والرد إليه عند تنازع المتنازعين مناقضة ومعاندة لقول الله عز وجل:
(( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ؛ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) ) [النساء 59] .
فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- مع الإيمان في قلب عبد أصلًا، بل أحدهما ينافي الآخر ... فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار المسلمين مهيأة مكملة، مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف السنة والكتاب من أحكام ذلك القانون، وتلزمهم به وتقرهم عليه وتحتمه عليهم. فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة للشهادة بأن محمدًا رسول الله بعد هذه المناقضة (19) .
.. إن ما جد في حياة المسلمين من تنحية شريعة الله واستبدالها بالقوانين الوضعية البشرية القاصرة، ورمي شريعة الله بالرجعية والتخلف وعدم مواكبة التقدم الحضاري والعصر المتطور .. إن هذا في حقيقته ردة جديدة على حياة المسلمين .. (20) .
وهذا ما قاله الشيخ عبد العزيز بن باز في معرض رده على القوميين حيث قال:
.. الوجه الرابع من الوجوه الدالة على بطلان الدعوة إلى القومية العربية أن يقال: إن الدعوة إليها والتكتل حول رايتها يفضي بالمجتمع ولابد إلى رفض حكم القرآن، لأن القوميين غير المسلمين لن يرضوا تحكيم القرآن فيوجب ذلك لزعماء القومية أن يتخذوا أحكامًا وضعية تخالف حكم القرآن حتى يستوي مجتمع القومية في تلك الأحكام، وقد صرح الكثير منهم بذلك كما سلف وهذا هو الفساد العظيم، والكفر المستبين والردة السافرة (21) .
وكيف لا وهذه الأحكام الوضعية تحل ما حرم الله، وتحرم ما أحل الله، وتبيح انتهاك الأعراض وإفساد العقول، وتهلك الحرث والنسل حتى أصبحت المادة القانونية (إذا زنت البكر برضاها فلا شيء عليها) أحْفَظ لأمن المجتمع عند هؤلاء العلمانيين من قول الله عز وجل: (( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ، إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ .. ) ) [النور 2]
وأصبحت تصاريح الخمارات والملاهي والبنوك الربوية أصلح للمجتمع - عند العلمانيين - من الأخذ بقول الله سبحانه وتعالى: (( إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ) [المائدة 90] .
وقوله عز وجل: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ورسوله.. ) ) [البقرة 278 - 279]
إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس (هي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة ..) (22) ، وليس هذه رأيًا لنا لنبديه، أو رأيًا لعالم أو مفسر أو مجتهد من الفقهاء ننقل عنه، إنما هو النص الذي لا مجال فيه للتأويل، والحكم المعلوم من الدين بالضرورة .. قال تعالى:
(( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ .. ) ) [المائدة 144]
فالعلمانية التي تحكم بغير ما أنزل الله ليست معصية، بل هي كفر بواح ... وقبول الكفر والرضا به كفر ... ولذلك فلا بد من رفض العلمانية لنبقى في دين الله، ونحقق لأنفسنا صفة الإسلام ....
ونحن نرفض العلمانية لأنها:
3 -تفتقد الشرعية:
إن أكثر البلاد الإسلامية لا تحكم بشريعة الله .. ولكن يحكمها أناس يحملون أسماء إسلامية، ويستعرضون أنفسهم بين الحين والحين في صلاة أو عمرة أو حج، فتتوهم الجماهير أن لهم (شرعية) ، وهم لا يحكمون بما أنزل الله (23) .. فهل الحاكم إذا أبطل شريعة الله كاملة، واستعاض عنها بالشرائع الجاهلية .. هل تكون له شرعية ؟ وهل يكون له على الرعية حق السمع والطاعة ؟