2-...وجنائيًا لا يجوز ، ولا يقبل من القاضي أن يجرم فعلًا لا ينص القانون على اعتباره جريمة، ولا يجوز له ولا يقبل منه أن يقضي بعقوبة لم ينص القانون عليها .
3-إن مصدر هذا القانون لم يعرف شيئًا عن علم العقاب ، فقد (شدد) المشرّع الوضعي في العقوبة وجعلها ستة أشهر حماية للمجتمع، وهذا أحفظ من مجرد الجلد ثمانين جلدة. (10)
أرأيت - أخي المسلم - إن هذه العلمانية ترى أن التشريع الوضعي أحفظ لأمن المجتمع من الشريعة الإسلامية .. وأن القاضي الذي حكم بالجلد لم يعرف شيئًا عن علم العقاب.. وهكذا.. وكأن القوم يقولون إن الله - تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا -لا يعرف شيئًا من علم العقاب عندما أكتفى بمجرد الجلد على السكر... سبحانك هذا بهتان عظيم .
ومن الذي يجرؤ على ادعاء أنه يشرع للناس ، ويحكم فيهم خيرًا مما يشرع لهم ويحكم فيهم ربهم سبحانه؟ وأية حجة يملك أن يسوقها بين يدي هذا الادعاء العريض ؟.. أيستطيع أن يقول إنه أعلم بالناس من خالق الناس؟ أيستطيع أن يقول: إنه أرحم بالناس من رب الناس ؟ أيستطيع أن يقول: إنه أعرف بالناس ومصالح الناس من إله الناس ؟... أيستطيع أن يقول: إن الله سبحانه وهو يشرع شريعته الأخيرة، ويرسل رسوله الأخير، ويجعل رسوله خاتم النبيين ، ويجعل رسالته خاتمة الرسالات ويجعل شريعته شريعة الأبد ، كأنه سبحانه يجهل أن أحوالًا ستطرأ، وأن حاجات ستجد وأن ملابسات ستقع، فلم يحسب حسابها في شريعته لأنها كانت خافية عليه ، حتى انكشفت للناس في آخر الزمان!!! ما الذي يستطيع أن يقوله... وبخاصة إذا كان يدعي الإسلام؟
إنه مفرق الطريق ، الذي لا معدي عنه من الاختيار..
إما إسلام ، وإما جاهلية... إما حكم الله ، وإما حكم الجاهلية..
وهذه العلمانية التي وصفنا حالها ، ورأينا واقعها ليست يقينًا حكم الله القائم على الكتاب والسنة... فماذا تكون إلا حكم الجاهلية؟ قال تعالى:
(( أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) )
فجعل الله الحكم حكمين لا ثالث لهما: حكم الله... وهو الحكم القائم على الكتاب والسنة،.. وحكم الجاهلية.. وهو ما خالف ذلك (11)
إذن فالعلمانية هي...حكم الجاهلية .
لا شك أن العلمانية - كما عرضنا - لا تستدعي في حقيقة الأمر كبير جهد لبيان تناقضها مع دين الله (الإسلام) .. فهي من ذلك النوع من الاتجاهات والأفكار التي قال عنها علماؤنا قديمًا: إن تصوره وحده كاف في الرد عليه .. (12) .
والإسلام والعلمانية طريقان متباينان، ومنهجان متغايران .. طريقان لا يلتقيان ولا تقام بينهم قنطرة اتصال .. واختيار أحدهما هو رفض للآخر .. ومن اختار طريق الإسلام .. فلابد له من رفض العلمانية ..
هذه بديهية من البديهيات التي يعد إدراكها - فيما نحسب - نقطة الانطلاق الصحيحة لتغيير واقع الأمة الإسلامية،.. ويعد غيابها السبب الأول لبقاء هذه الأمة ألعوبة في يد العلمانيين يجرُّونها إلى الهلاك بكل مهلكة من القول والعمل، ويزيدونها غيًا كلما اتبعتهم في طريق الغيّ .. طريق العلمانية ..
ولأن إدراك هذه البديهة على هذا القدر من الأهمية، فل بد من التفصيل فنقول: نحن نرفض العلمانية لأنها:
1 -تحِل ما حرّم الله:
"إذا كانت الشريعة مُلْزِمة من حيث المبدأ، فإن داخلها أحكامًا ثابتة لا تقبل التغيير، وأحكام عامة ثابتة في ذاتها، ولكنها تقبل أن تدخل تحتها متغيرات ومن بين الثوابت التي لا تقبل التغيير ولا يدخل تحتها متغيرات .. أحكام العبادات كلها، والحدود وعلاقات الجنسين .." (13) .
فماذا فعلت العلمانية بهذه الثوابت ؟
إن الأنظمة العلمانية تبيح الزنا برضا الطرفين، والمتشدد منها يشترط موافقة الزوج أو الزوجة .. والكثير منها يبيح اللواط للبالغين .. وكلها يبيح الخمر والخنزير.
فأما الزنا برضا الطرفين فنجد مثلًا أن قانون العقوبات في مصر والعراق يؤكد على أن الزنا إذا وقع برضا الطرفين وهما غير متزوجين وسنهما فوق الثامنة عشرة فلا شيء عليهما، وإن كانا متزوجين فلا عقوبة عليهما ما لم يرفع أحد الزوجين دعوى ضد الزوج الخائن .. (14) . والأفعال التي يحرّمها قانون العلمانية في جرائم العرض، إنما يحرمها لكونها تشكل اعتداء على الحرية الجنسية فحسب، وليس باعتبارها أمرًا يغضب الله ويحرّمه الدين،.. ولذلك فإن الدعوى الجنائية في جريمة الزنا مثلًا لا تتحرك إلا بناء على شكوى الزوج، وللزوج الحق في التنازل عن الشكوى بعد تقديمها، وبالتالي تنقضي الدعوى الجنائية، وتوقف إجراءات التحقيق .. بل للزوج حق وقف تنفيذ العقوبة !!
وهكذا تبيح العلمانية الزنا، وتهيئ له الفرص، وتعد له المؤسسات، وتقيم له الحفلات في الملاهي والمسارح ..
.. وأما الربا فهو عماد الاقتصاد العلماني، تؤسس عليه البنوك، وتقدم به القروض بل ويدخل الناس فيه كرهًا .. ومن شاء فليراجع المواد 226 - 233 من القانون المدني المصري، والتي تنص على الفوائد والقواعد المتعلقة بها، تلك المواد التي تحِل بها العلمانية ما حرّمه الله سبحانه بقوله عز وجل:
(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ورسوله.. ) ) [البقرة:278-279]
وهذه الآيات نزلت في أهل الطائف لما دخلوا الإسلام والتزموا الصلاة والصيام، وكانوا لا يمتنعون عن الربا فبين الله أنهم محاربون له ولرسوله إذا لم ينتهوا عن الربا .. فإذا كان هؤلاء محاربين لله ولرسوله فكيف بمن يقيمون للربا بنوكًا، ويعطون للتعامل به الشرعية الكاملة ..؟
… وأما الخمر فإن النظم العلمانية تبيح شربها، وتفتح المحلات لبيعها والتجارة بها، وتجعلها مالًا متقومًا يحرم إهداره، بل تنشئ لإنتاج الخمور المصانع وتعطي على الاجتهاد في إنتاجها جوائز للإنتاج !!
وهكذا فإن العلمانية تحل شرب الخمر وبيعها وعصرها .. فتحل ما حرم الله .. وتحرّم إهدارها والإنكار على شاربها .. فتحرم ما أحل الله ..
فالعلمانية تحل ما حرّم الله، وتحرّم ما أحل الله .. وليس هذا في الزنا والربا والخمر فقط، أو في الحدود والتعزيرات فقط، أو في مادة أو أكثر من مواد القانون الوضعي العلماني .. بل إن قضية تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله هي قضية النظام العلماني بأكمله، وبجميع جوانبه المختلفة ..
ولما كان تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله .. كفرًا لمن فعله، ومَنَ قَبِله ؛ فلا بد لنا لنبقَى مسلمين من رفض هذا الكفر .. ورفض العلمانية التي تقوم عليه.
ونحن نرفض العلمانية لأنها:
2 -كفر بَواح:
العلمانية كما قلنا هي قيام الحياة على غير الدين، أو فصل الدين عن الحياة، وهذا يعني بداهة الحكم بغير ما أنزل الله، وتحكيم غير شريعته سبحانه، وقبول الحكم والتشريع من غير الله .. ولذلك فإن العلمانية"هجر لأحكام الله بلا استثناء، وإيثار أحكام غير حكمه في كتابه وسنة نبيه، وتعطيل لكل ما في الشريعة. بل لقد بلغ الأمر مبلغ الاحتجاج على تعطيل حكم الله وتفضيل أحكام القانون الوضعي على أحكام الله المنزلة .. وادعاء المحتجين لذلك بأن أحكام الشريعة إنما نزلت لزمان وعلل وأسباب انقطعت فسقطت الأحكام كلها بانقضائها" (15) .