.. بادئ ذي بدء نقول أنه من المتفق عليه بين العلماء (أن الإمام ما دام قائمًا بواجباته الملقاة على عاتقه، مالكًا القدرة على الاستمرار في تدبير شئون رعيته عادلًا بينهم، فإن له على الرعية حق السمع والطاعة..) (24) .
ولكن هذا الحق في السمع والطاعة يكون في حدود طاعته هو لله ورسوله، فإن عطّل شرع الله، فقد خرج عن طاعة الله والرسول ولم تصبح له طاعة على الرعية .. قال تعالى:
(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) ) [النساء 58 - 59]
"وظاهر من البناء اللغوي للآية أن الطاعة لله مطلقة، وكذلك الطاعة للرسول - صلى الله عليه وسلم - .. ولكن ليست كذلك الطاعة لأولي الأمر .. ولو أن الله تعالى قال: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر منكم لوجبت طاعته مطلقًا كطاعة الله والرسول، ولكن الله -جل شأنه- لم يقل ذلك، وإنما عطف طاعة أولي الأمر على طاعة الله والرسول بدون تكرار الأمر (أطيعوا) ، لتظل طاعتهم مقرونة دائمًا بحدود ما أنزل الله" (25) . فشرط الطاعة أن يكون ولي الأمر (منكم) أي من الذين امنوا، ولكي يكونوا كذلك فلابد أن يرد الأمر عند التنازع إلى الله (أي كتاب الله) ، وإلى الرسول (أي سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ..) (26)
وقد أكد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا المعنى فقال:»اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله « رواه البخاري. وقال -صلى الله عليه وسلم-: » إن أمر عليكم عبد مجدع - أو قال أسود - يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا وأطيعوا« رواه مسلم. فهذه الأحاديث واضحة الدلالة على أنه يشترط للسمع والطاعة أن يقود الإمام الرعية بكتاب الله، أما إذا لم يُحكّم فيهم شرع الله، فهذا لا سمع له ولا طاعة، وهذا يقتضي عزله، وهذا في صور الحكم بغير ما أنزل الله المفسقة، أما المكفرة فهي توجب عزله ولو بالمقاتلة. (27) "... فمن أجاز اتباع شريعة غير شريعة الإسلام وجب عزله، وانحلت بيعته، وحرمت طاعته، لأنه في هذه الحال يستحق وصف الكفر" (28) .
والكفر هو أعظم الأسباب الموجبة للعزل، وبه يخلع الإمام عن تدبير أمور المسلمين وقد انعقد إجماع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه إذا طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته (29) .
وبناء على ذلك فإن وليّ الأمر الذي يتصرف في شريعة الله بالإبطال أو التعديل أو الاستبدال ... لا تكون له شرعية، لأنه فقد شرط توليته الذي يعطيه شرعية تولي الأمر وهو تطبيق شريعة الله، أي سياسة الدنيا بالدين.
وإذن فالحكام الذين يسوسون الدنيا بغير الدين، ويقيمون منهاج الحكم على المبدأ العلماني - فصل الدين عن الدولة - .. هؤلاء الحكام ليس لهم شرعية، ولا تجب على الرعية طاعتهم، بل الواجب على المسلم معاداتهم وعدم مناصرتهم بقول أو فعل ... هذا من ناحية شرعية الحاكم .. أما من ناحية شرعية الوضع، أو ما يمكن أن نطلق عليه شرعية النظام فنقول:
".. يعتقد كثير من الناس أن الأوضاع القائمة في معظم أرجاء العالم (الإسلامي) هي أوضاع إسلامية، ولكنها ينقصها تكملة هي تحكيم شريعة الله .. وفي الحقيقة إن هذا الفهم غير صحيح، فتحكيم الشريعة ليس تكملة لأصل إسلامي موجود بالفعل، ولكنه تأسيس لذلك الأصل - بمعنى أن الأوضاع لا تكون إسلامية إلا إذا قامت على شريعة الله،.. قال تعالى:"
(( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.. ) ) [النساء65] (30) .
فأول صفات الدولة الإسلامية التي تجب طاعتها وتحرم معاداتها هو أن يكون الحكم الحقيقي فيها من حيث التشريع والتكوين لله وحده .. وأن لا يكون فيها قانون خاص أو عام يخالف الكتاب والسنة، وأن لا يصدر أي أمر إداري فيها يخالف التشريع الإلهي .. وأن لا ترتكز الدولة في قيامها على أساس إقليمي أو عرقي.. (31) ذلك أن الدولة الإسلامية تقوم على الاجتماع على الإسلام والانتساب للشرع، بمعنى أنها ترجع إلى أصول الإسلام وليس إلى أصول الكفر مثل فصل الدين عن الدولة، أو نعرات القومية ..
فإذا قام نظام دولة على مبدأ إلغاء الشريعة الإسلامية والإقرار بحق التشريع المطلق لبشر من دون الله، والتحاكم في الدماء والأموال والأعراض إلى غير ما أنزل الله، كان هذا النظام باطلًا، ولا تجب طاعته ..
وهذا هو شأن العلمانية التي تقوم على مبدأ فصل الدين عن الدولة، ولذلك"فأنظمة الحكم القائمة الآن في العالم الإسلامي، أنظمة علمانية مقتبسة من النظم الغربية القائمة على مبدأ فصل الدين عن الدولة .. وهذا المبدأ يعتبر خروجًا صريحًا على مبدأ معلوم من الدين بالضرورة، وبالنصوص القطعية في الكتاب والسنة وإجماع العلماء كافة، وهو عموم رسالة الإسلام لأمور الدين وشؤون الحياة، وأن الإسلام منهاج حياة كامل ينظم سائر شؤون المسلمين في دنياهم .." (32)
... إن انعدام شرعية الأنظمة العلمانية التي تقوم على فصل الدين عن الدولة، والتحاكم إلى إرادة الأمة بدلًا من الكتاب والسنة ... إن انعدام شرعية هذه الأنظمة هو بديهية من البديهيات .. وموقف المسلم منها يتحدد في عبارة واحدة ... إنه يرفض هذه الأنظمة ... ويرفض الاعتراف لها بأي شرعية.
المصادر:
1-وهل الدنيا والآخرة طريقان منفصلان؟ وهل هذه لإله وتلك لإله؟ وهل الإله الذي يحكم الدنيا غير الإله الذي يحاسب الناس يوم القيامة ؟
2-العلمانية - سفر بن عبد الرحمن الحوالي ص 21-24.
3-حول تطبيق الشريعة محمد قطب ص 112
4-العلمانية - سفر بن عبد الرحمن الحوالي ص 648-649
5-حول تطبيق الشريعة محمد قطب ص 107
6/7- راجع كتاب مدخل دستوري للدكتور سيد صبري
8-العبودية - ابن تيمية ص 6
9-صحيفة الأهرام - عدد الخميس 29 جمادي الأول 1402
10-مأخوذ من كتاب - أحكام إسلامية إدانة للقوانين الوضعية - محمود غراب
11-في ظلال القرآن - سيد قطب 2/905
12 -العلمانية - سفر الحوالي - ص 669.
13 -حول تطبيق الشريعة - محمد قطب - ص 62.
14 -راجع قانون العقوبات المصري - المواد 267 - 279، والعراقي - المواد 232 - 240.
15 -عمدة التفسير - أحمد شاكر - 4/ 157.
16 -مسند الإمام أحمد - تعليق أحمد محمد شاكر 6/ 303
17 -المصدر السابق.
18-تفسير ابن كثير.
19 -تحكيم القوانين - الشيخ محمد بن إبراهيم - ص 5، 6، 10.
20 -الولاء والبراء - محمد بن سعيد القحطاني - ص 79 بتصرف.
21 -نقد القومية العربية - عبد العزيز بن باز - ص 50.
22 -عمدة التفسير - أحمد محمد شاكر 4/ 172
23 -الجهاد الأفغاني ودلالاته - محمد قطب - ص 34.
24-حول تطبيق الشريعة - محمد قطب - ص 34.
25 -كما فسره بذلك مجاهد وغيره من السلف - انظر تفسير ابن كثير 2/ 304.
26 -حول تطبيق الشريعة - محمد قطب - ص 34.
27-الإمامة العظمى - عبد الله بن عمر الدميجي - ص 473.
28-مختصر الفتاوى المصرية - ابن تيمية - ص 507.
29-صحيح مسلم بشرح النووي 3/ 229
30 -الجهاد الأفغاني ودلالاته - محمد قطب - ص 41.
31 -مؤتمر كراتشي المنعقد في الفترة من 12 - 15 ربيع الآخر 1370 هـ .