فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 1226

الثامنة عشرة قوله تعالى: { وَحَرَّمَ الربا } الألف واللام هنا للعهد ، وهو ما كانت العرب تفعله كما بيّناه ، ثم تتناول ما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى عنه من البيع الذي يدخله الربا وما في معناه من البيوع المنهيّ عنها .

التاسعة عشرة عقد الربا مفسوخ لا يجوز بحال؛ لما رواه الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال:"جاء بلال بتمر بَرْنِيّ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أين هذا» ؟ فقال بلال: من تمرٍ كان عندنا رديء ، فبعت منه صاعين بصاع لمَطْعَم النبيّ صلى الله عليه وسلم ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «أَوْهِ عَيْنُ الرِّبَا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتريَ التمر فبعه ببيع آخر ثم اشتر به» "وفي رواية"هذا الرِّبا فردّوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا"قال علماؤنا: فقوله؛ «أوهِ عين الربا» أي هو الربا المحرّم نفسه لا ما يشبهه .

وقوله: «فردّوه» يدل على وجوب فسخ صفقة الربا وأنها لا تصح بوجه؛ وهو قول الجمهور؛ خلافًا لأبي حنيفة حيث يقول: إنّ بيع الربا جائز بأصله من حيث هو بيع ، ممنوع بوصفه من حيث هو رِبًا ، فيسقط الربا ويصح البيع . ولو كان على ما ذُكر لما فسخ النبيّ صلى الله عليه وسلم هذه الصفقة ، ولأمره بردّ الزيادة على الصاع ولصحّح الصفقة في مقابلة الصاع .

الموفية عشرين كل ما كان من حرام بيّن ففُسخ فعلى المبتاع ردّ السلعة بعينها . فإن تلفت بيده ردّ القيمة فيما له القيمة ، وذلك كالعقار والعُروض والحيوان ، والمِثْل فيما له مِثل من موزون أو مكيل من طعام أو عَرَض . قال مالك: يُردّ الحرام البيّن فات أو لم يفت ، وما كان مما كره الناس رُدّ إلاّ أن يفوت فيترك .

الحادية والعشرون قوله تعالى: { فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ } قال جعفر بن محمد الصّادق رحمهما الله: حرّم الله الربا ليتقارض الناس . وعن ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"قَرْضُ مرّتين يعدل صدقة مرّة"أخرجه البزّار ، وقد تقدّم هذا المعنى مستوفًى . وقال بعض الناس: حرمه الله لأنه مَتْلَفة للأموال مَهْلَكة للناس . وسقطت علامة التأنيث في قوله تعالى: «فَمَنْ جَاءَهُ» لأن تأنيث «الموعظة» غير حقيقي وهو بمعنى وعظ . وقرأ الحسن «فمن جاءته» بإثبات العلامة .

هذه الآية تلتها عائشة لمّا أخبرت بفعل زيد بن أَرْقَم . روى الدَّارَقُطْنِي عن العالية بنت أنفع قالت: خرجت أنا وأُم مُحِبّة إلى مكة فدخلنا على عائشة رضي الله عنها فسلمنا عليها ، فقالت لنا: ممن أنتن؟ قلنا من أهل الكوفة ، قالت: فكأنها أعرضت عنا ، فقالت لها أُم مُحِبّة: يا أُمّ المؤمنين! كانت لي جارية وإني بعتها من زيد ابن أرقم الأنصاريّ بثمانمائة درهم إلى عطائه وإنه أراد بيعها فابتعتها منه بستمائة درهم نقدًا . قالت: فأقبلت علينا فقالت: بئسما شريتِ وما اشتريت! فأبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب . فقالت لها: أرأيت إن لم آخذ منه إلا رأس مالي؟ قالت: { فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فانتهى فَلَهُ مَا سَلَفَ } . العالية هي زوج أبي إسحاق الهَمْدانيّ الكوفي السَّبيعيّ أم يونس بن أبي إسحاق . وهذا الحديث أخرجه مالك من رواية ابن وهب عنه في بيوع الآجال ، فإن كان منها ما يؤدّي إلى الوقوع في المحظور منع منه وإن كان ظاهره بيعًا جائزًا . وخالف مالكًا في هذا الأصل جمهورُ الفقهاء وقالوا: الأحكام مبنيّة على الظاهر لا على الظنون . ودليلنا القول بسدّ الذرائع؛ فإن سلِّم وإلا استدللنا على صحته . وقد تقدّم . وهذا الحديث نصٌّ؛ ولا تقول عائشة «أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده إلا أن يتوب» إلا بتوقيف؛ إذْ مثله لا يقال بالرأي فإن إبطال الأعمال لا يتوصل إلى معرفتها إلا بالوحي كما تقدّم .

وفي صحيح مسلم عن النُّعْمان بن بَشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الحلالَ بيّن والحرامَ بيّن وبينهما أُمورٌ مشتبهات لا يعلمهنّ كثيرٌ من الناس فمنِ اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعِرْضِه ومن وقع في الشُّبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحِمى يُوشِك أن يوقع فيه ألاَ وإن لكل مَلِكٍ حِمىً ألاَ وإن حِمَى الله مَحَارِمه"وجهُ دلالته أنه منع من الإقدام على المتشابهات مخافة الوقوع في المحرّمات وذلك سدٌّ للذريعة . وقال صلى الله عليه وسلم:" «إن من الكبائر شتْمَ الرجل والديه» قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه؟ قال: «يسبّ أبا الرجل فيسبّ أباه ويسبُّ أُمَّه فيسب أُمه» "فجعل التعريض لسبّ الآباء كسب الآباء . ولعن صلى الله عليه وسلم اليهود إذ أكلوا ثمن ما نُهُوا عن أكله . وقال أبو بكر في كتابه: لا يجمع بين متفرّق ولا يفرّق بين مجتمع خشية الصدقة . ونهى ابن عباس عن دراهم بدراهم بينهما جريرة . واتفق العلماء على منع الجمع بين بيع وسلف ، وعلى تحريم قليل الخمر وإن كان لا يُسْكر ، وعلى تحريم الخَلْوة بالأجنبية وإن كان عِنِّينًا ، وعلى تحريم النظر إلى وجه المرأة الشابّة إلى غير ذلك مما يكثُر ويُعلم على القطع والثبات أن الشرع حكم فيها بالمنع؛ لأنها ذرائع المحرّمات . والربا أحق ما حُمِيَتْ مراتعه وسُدّت طرائقه ، ومن أباح هذه الأسباب فليُبح حفر البئر ونصب الحبالات لهلاك المسلمين والمسلمات ، وذلك لا يقوله أحد . وأيضًا فقد اتّفقنا على منع من باع بالعِينة إذا عُرِف بذلك وكانت عادته ، وهي في معنى هذا الباب . والله الموفق للصواب .

الثانية والعشرون روى أبو داود عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا تبايعتم بالعِينةِ وأخذتم أذنابَ البقر ورَضِيتم بالزَّرْع وتركتم الجهادَ سلّط الله عليكم ذُلاًّ لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم"في إسناده أبو عبد الرحمن الخُرَاسانيّ . ليس بمشهور . وفسر أبو عُبَيْد الهَرَوِيّ العِينةَ فقال: هي أن يبيع من رجل سِلعةً بثمن معلوم إلى أجلٍ مسمّى ، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به . قال: فإن اشترى بحضرة طالب العِينة سِلعة من آخر بثمن معلوم وقبضها ثم باعها من طالب العِينة بثمن أكثر مما اشتراه إلى أجل مسمى ، ثم باعها المشتري من البائع الأوّل بالنقد بأقل من الثمن فهذه أيضًا عِينةٌ ، وهي أهون من الأُولى ، وهو جائز عند بعضهم . وسمِّيت عينةً لحضور النقد لصاحب العِينة ، وذلك أن العَيْن هو المال الحاضر والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضر يصل إليه من فوره .

الثالثة والعشرون قال علماؤنا: فَمنْ باع سلعةً بثمن إلى أجل ثم ابتاعها بثمن من جنس الثمن الذي باعها به ، فلا يخلو أن يشتريها منه بنقد ، أو إلى أجلٍ دون الأجل الذي باعها إليه ، أو إلى أبعد منه ، بمثل الثمن أو بأقل منه أو بأكثر؛ فهذه ثلاث مسائل: وأما الأُولى والثانية فإن كان بمثل الثمن أو أكثر جاز ، ولا يجوز بأقل على مقتضى حديث عائشة؛ لأنه أعطى ستمائة ليأخذ ثمانمائة والسلعة لغو ، وهذا هو الربا بعينه . وأما الثالثة إلى أبعد من الأجل ، فإن كان اشتراها وحدها أو زيادة فيجوز بمثل الثمن أو أقل منه ، ولا يجوز بأكثر؛ فإن اشترى بعضها فلا يجوز على كل حال لا بمثل الثمن ولا بأقل ولا بأكثر . ومسائل هذا الباب حصرها علماؤنا في سبع وعشرين مسألة ، ومدارها على ما ذكرناه ، فاعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت