فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 1226

و «يَتَخَبَّطُهُ» يتفعّله من خَبَط يخبِط؛ كما تقول: تملّكه وتعبّده . فجعل الله هذه العلامة لأكَلَة الربا؛ وذلك أنه أرباه في بطونهم فأثقلهم ، فهم إذا خرجوا من قبورهم يقومون ويسقطون . ويقال: إنهم يبعثون يوم القيامة قد انتفخت بطونهم كالحُبَالَى ، وكلما قاموا سقطوا والناس يمشون عليهم . وقال بعض العلماء: إنما ذلك شِعارٌ لهم يُعرفون به يوم القيامة ثم العذاب من وراء ذلك؛ كما أن الغَالَّ يجيء بما غَلَّ يوم القيامة بشهرة يشهّر بها ثم العذاب من وراء ذلك . وقال تعالى: «يَأْكُلُونَ» والمراد يكسبون الربا ويفعلونه . وإنما خَصّ الأكل بالذِّكر لأنه أقوى مقاصد الإنسان في المال؛ ولأنه دالّ عى الجشع وهو أشدّ الحرص؛ يقال: رجل جَشِع بيّن الجَشَع وقوم جَشِعون؛ قاله في المُجْمَل . فأُقيم هذا البعض من توابع الكسب مقام الكسب كلّه؛ فاللباس والسكنى والادّخار والإنفاق على العيال داخل في قوله: { الذين يَأْكُلُونَ } .

الثانية عشرة في هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصَّرْع من جهة الجِنّ ، وزعم أنه من فِعل الطبائع ، وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مَسٌّ ، وقد مضى الردّ عليهم فيما تقدّم من هذا الكتاب . وقد روى النسائيّ عن أبي اليَسَر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول:"اللّهم إني أعوذ بك من التّرَدِّي والهدم والغرق والحريق وأعوذ بك أن يتخَبّطني الشيطان عند الموت وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مُدْبِرًا وأعوذ بك أن أموت لَدِيغا"ورُوي من حديث محمد بن المُثَنَّى حدّثنا أبو داود حدّثنا همّام عن قَتادة عن أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول:"اللَّهم إني أعوذ بك من الجنون والجُذام والبَرَص وسَيِّء الأسقام"والمس: الجنون؛ يقال: مُسَّ الرّجلُ وأَلِسَ؛ فهو ممسوس ومألُوس إذا كان مجنونًا؛ وذلك علامة الربا في الآخرة ."وروي في حديث الإسراء: «فانطلق بي جبريل فمررت برجال كثير كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضَّخْم متصدين على سابلة آلِ فرعون وَآلُ فرعون يُعرضون على النار بُكْرَةً وَعَشِيًّا فيُقْبِلون مثل الإبل المَهْيُومة يتخبّطون الحجارة والشجر لا يسمعون ولا يعقلون فإذا أحسّ بهم أصحاب تلك البطون قاموا فتميل بهم بطونهم فيصرعون ثم يقوم أحدهم فيميل به بطنه فيصرع فلا يستطيعون بَرَاحًا حتى يغشاهم آل فرعون فيطئونهم مقبلين ومدبرين فذلك عذابهم في البَرْزَخ بين الدنيا والآخرة وآل فرعون يقولون اللهم لا تُقِمِ الساعة أبدًا؛ فإن الله تعالى يقول: { وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أدخلوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب } [ غافر: 46 ] قلت يا جبريل من هؤلاء؟ قال: «هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ» "والمسّ الجنون وكذلك الأَوْلَق والأُلْس والرّود .

الثالثة عشرة قوله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قالوا إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا } معناه عند جميع المتأوّلين في الكفار ، ولهم قيل: «فَلَهُ مَا سَلَفَ» ولا يقال ذلك لمؤمن عاص بل ينقض بيعه ويرد فعله وإن كان جاهلًا؛ فلذلك قال صلى الله عليه وسلم:"مَن عمل عَملًا ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ"لكن قد يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد هذه الآية .

الرابعة عشرة قوله تعالى: { إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا } أي إنما الزيادة عند حلول الأجل آخرًا كمثل أصل الثمن في أوّل العقد ، وذلك أن العرب كانت لا تعرف ربا إلا ذلك؛ فكانت إذا حلّ ديْنها قالت للغريم: إما أن تَقْضِي وإما أن تُرْبِي ، أي تزيد في الدَّين . فحرم الله سبحانه ذلك وردّ عليهم قولهم بقوله الحق: { وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا } وأوضح أن الأجل إذا حلّ ولم يكن عنده ما يؤدّي أُنْظِر إلى المَيْسرة . وهذا الربا هو الذي نسخه النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله يوم عرفة لمّا قال:"ألا إن كل ربًا موضوع وإن أوّل رِبا أضعه رِبانا رِبَا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله"فبدأ صلى الله عليه وسلم بعمِّه وأخص الناس به . وهذا من سنن العدل للإمام أن يُفيض العدل على نفسه وخاصته فيستفيض حينئذ في الناس .

الخامسة عشرة قوله تعالى: { وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا } هذا من عموم القرآن ، والألف واللام للجنس لا للعهد إذ لم يتقدّم بيع مذكور يُرجع إليه؛ كما قال تعالى: { والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ } ثم استثنى { إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } [ العصر: 2 ] . وإذا ثبت أن البيع عام فهو مخصّص بما ذكرناه من الربا وغير ذلك مما نُهي عنه ومنع العقد عليه؛ كالخمر والميتة وحبلَ الحَبَلة وغير ذلك مما هو ثابت في السُّنُّة وإجماع الأُمة النَّهيُ عنه . ونظيره «اقتلوا الْمُشْرِكِينَ» وسائر الظواهر التي تقتضي العمومات ويدخلها التخصيص ، وهذا مذهب أكثر الفقهاء . وقال بعضهم: هو من مجمل القرآن الذي فسّر بالمحلّل من البيع وبالمحرّم فلا يمكن أن يُستعمَل في إحلال البيع وتحريمه إلا أن يقترن به بيانٌ من سُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإن دلّ على إباحة البيوع في الجملة دون التفصيل . هذا فرق ما بين العموم والمُجْمَل . فالعموم يدل على إباحة البيوع في الجملة والتفصيل ما لم يخصّ بدليل . والمجمل لا يدل على إباحتها في التفصيل حتى يقترن به بيان . والأوّل أصح . والله أعلم .

السادسة عشرة البيع في اللغة مصدر باع كذا بكذا ، أي دفع عِوضًا وأخذ مُعَوَّضًا . وهو يقتضي بائعًا وهو المالك أو من ينَزّل منزلته ، ومُبتاعًا وهو الذي يبذل الثمن ، ومَبيعًا وهو المثمون وهو الذي يُبْذَل في مقابلته الثمن .

وعلى هذا فأركان البيع أربعة: البائع والمبتاع والثمن والمُثَمَّن . ثم المعاوضة عند العرب تختلف بحسب اختلاف ما يضاف إليه؛ فإن كان أحد المعوّضين في مقابلة الرَّقبة سُمّي بيعًا ، وإن كان في مقابلة منفعة رقبة فإن كانت منفعة بُضع سُمّيَ نكاحًا ، وإن كانت منفعة غيرها سُمّيَ إجارة ، وإن كان عَيْنًا بعين فهو بيع النقد وهو الصرف ، وإن كان بديْن مُؤَجّل فهو السَّلَم ، وسيأتي بيانه في آية الدَّين . وقد مضى حكم الصَّرْف ، ويأتي حكم الإجارة في «القصص» وحكم المهر في النكاح في «النساء» كلّ في موضعه إن شاء الله تعالى .

السابعة عشرة البيع قبولٌ وإيجاب يقع باللفظ المستقبل والماضي؛ فالماضي فيه حقيقة والمستقبل كناية ، ويقع بالصّريح والكناية المفهوم منها نقل المِلك . فسواء قال: بعتك هذه السِّلعة بعشرة فقال: اشتريتها ، أو قال المشتري: اشتريتها وقال البائع: بعْتُكَها ، أو قال البائع: أنا أبيعك بعشرة فقال المشتري: أنا أشتري أو قد اشتريت ، وكذلك لو قال: خذها بعشرة أو أعطيتكها أو دونكها أو بُورك لك فيها بعشرة أو سلمتها إليك وهما يريدان البيع فذلك كلّه بيع لازم . ولو قال البائع: بعتك بعشرة ثم رجع قبل أن يقبل المشتري فقد قال: ليس له أن يرجع حتى يسمع قبول المشتري أو ردّه؛ لأنه قد بذل ذلك من نفسه وأوجبه عليها ، وقد قال ذلك له؛ لأن العقد لم يتم عليه . ولو قال البائع: كنت لاعبًا ، فقد اختلفت الرواية عنه؛ فقال مرّة: يلزمه البيع ولا يلتفت إلى قوله . وقال مرّة: ينظر إلى قيمة السلعة .

فإن كان الثمن يشبه قيمتها فالبيع لازم ، وإن كان متفاوتًا كعبد بدرهم ودار بدينار ، عُلم أنه لم يُرد به البيع ، وإنما كان هازلًا فلم يلزمه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت