السادسة لا اعتبار بما قد رُوي عن كثير من أصحاب مالك وبعضهم يرويه عن مالك في التاجر يحفِزه الخروج وبه حاجة إلى دراهمَ مضروبةٍ أو دنانيرَ مضروبةٍ ، فيأتي دار الضرب بفضته أو ذهبه فيقول للضرّاب؛ خذ فضّتي هذه أو ذهبي وخذ قدر عمل يدك وادفع إليّ دنانير مضروبةً في ذهبي أو دراهمَ مضروبةً في فضّتِي هذه لأني محفوز للخروج وأخاف أن يفوتني من أخرج معه ، أن ذلك جائز للضرورة ، وأنه قد عمل به بعض الناس . وحكاه ابن العربيّ في قبسه عن مالك في غير التاجر ، وأن مالكًا خفّف في ذلك؛ فيكون في الصورة قد باع فضته التي زنتها مائة وخمسة دراهم أجره بمائة وهذا محض الربا . والذي أوجب جواز ذلك أنه لو قال له: اضرب لي هذه وقاطعه على ذلك بأُجرة ، فلما ضربها قبضها منه وأعطاه أُجرتها؛ فالذي فعل مالك أوّلًا هو الذي يكون آخرًا ، ومالك إنما نظر إلى المال فركّب عليه حكم الحال ، وأباه سائر الفقهاء . قال ابن العربيّ: والحجة فيه لمالك بيِّنة . قال أبو عمر رحمه الله: وهذا هو عين الرِّبا الذي حرّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:"من زاد أو ازداد فقد أرْبَى"وقد ردّ ابن وهب هذه المسألة على مالك وأنكرها . وزعم الأَبْهَرِيّ أن ذلك من باب الرفق لطلب التجارة ولئلا يفوت السوق ، وليس الربا إلا على من أراد أن يُرْبِي ممن يقصد إلى ذلك ويبتغيه .
ونسي الأبهرِيّ أصله في قطع الذرائع ، وقوله فيمن باع ثوبًا بنسِيئة وهو لا نيّة له في شرائه ثم يجده في السوق يباع: إنه لا يجوز له ابتياعه منه بدون ما باعه به وإن لم يقصد إلى ذلك ولم يبتغه؛ ومثله كثير ، ولو لم يكن الربا إلا على مَن قصده ما حُرّم إلا على الفقهاء . وقد قال عمر: لا يتّجر في سوقنا إلا من فَقُه وإلاّ أكل الربا . وهذا بيّن لمن رُزق الإنصاف وألْهِم رشده .
قلت: وقد بالغ مالك رحمه الله في منع الزيادة حتى جعل المتوهَّم كالمتحقق ، فمنع دينارًا ودرهمًا بدينار ودرهم سَدًّا للذَّريعة وحَسْمًا للتَوهُّمات؛ إذ لولا توهَّم الزيادة لما تبادلا . وقد عُلّل منع ذلك بتعذر المماثلة عند التوزيع؛ فإنه يلزم منه ذهب وفضة بذهب . وأوضح من هذا منعه التفاضل المعنويّ ، وذلك أنه منع دينارًا من الذهب العالي ودينارًا من الذهب الدّون في مقابلة العالي وألغى الدون ، وهذا من دقيق نظره رحمه الله؛ فدل أن تلك الرواية عنه مُنْكَرة ولا تصح . والله أعلم .
السابعة قال الخطّابيّ: التِّبْر قِطَع الذهب والفضة قبل أن تُضرَب وتُطبع دراهم أو دنانير ، واحدتها تِبْرة . والعَيْن: المضروب من الدراهم أو الدنانير . وقد حَرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباع مثقال ذهب عَيْنٍ بمثقالٍ وشيء من تِبْرٍ غيرِ مضروب . وكذلك حَرّم التفاوت بين المضروب من الفضة وغير المضروب منها ، وذلك معنى قوله: «تِبْرُها وعَيْنُها سواء» .
الثامنة أجمع العلماء على أن التمر بالتمر ولا يجوز إلا مِثْلًا بِمثْل . واختلفوا في بيع التمرة الواحدة بالتمرتين ، والحبة الواحدة من القمح بحبّتين؛ فمنعه الشافعيّ وأحمد وإسحاق والثّوريّ ، وهو قياس قولِ مالك وهو الصحيح؛ لأن ما جرى الرِّبَا فيه بالتفاضل في كثيره دخل قليله في ذلك قياسًا ونَظَرًا . احتجّ من أجاز ذلك بأن مستهلك التمرة والتمرتين لا تجب عليه القيمة ، قال: لأنه لا مَكيل ولا موزون فجاز فيه التفاضل .
التاسعة اعلم رحمك الله أن مسائل هذا الباب كثيرة وفروعه منتشرة ، والذي يربط لك ذلك أن تنظر إلى ما اعتبره كل واحد من العلماء في عِلّة الربا؛ فقال أبو حنيفة: علة ذلك كونه مكيلًا أو موزونًا جنسًا ، فكل ما يدخله الكيل أو الوزن عنده من جنس واحد ، فإن بيع بعضه ببعض متفاضلًا أو نَسِيئًا لا يجوز؛ فمنع بَيْع التراب بعضه ببعض متفاضلًا؛ لأنه يدخله الكيل ، وأجاز الخبزَ قُرْصًا بقرصين؛ لأنه لم يدخل عنده في الكيل الذي هو أصله ، فخرج من الجنس الذي يدخله الربا إلى ما عداه . وقال الشافعيّ: العِلّة كونه مطعومًا جنْسًا . هذا قوله في الجديد؛ فلا يجوز عنده بيع الدقيق بالخبز ولا بيع الخبز بالخبز متفاضلًا ولا نسيئا ، وسواء أكان الخبز خميرًا أو فَطيرًا
ولا يجوز عنده بيضة ببيضتين ، ولا رُمّانة برمانتين ، ولا بطيخة ببطيختين لا يدًا بِيَد ولا نسيئة؛ لأن ذلك كله طعام مأكول . وقال في القديم: كونه مكيلًا أو موزونًا . واختلفت عبارات أصحابنا المالكية في ذلك؛ وأحسن ما في ذلك كونه مقتاتًا مدّخرًا للعيش غالبًا جنسًا؛ كالحنطة والشعير والتّمْر والملح المنصوص عليها ، وما في معناها كالأرز والذرة والدّخْن والسِّمْسِم ، والقَطَانِيّ كالفول والعَدَس واللُّوبْياء والحِمّص ، وكذلك اللحوم والألبان والخلول والزيوت ، والثمار كالعنب والزبيب والزيتون ، واختُلف في التين ، ويلحق بها العسل والسكر . فهذا كله يدخله الربا من جهة النَّسَاء . وجائز فيه التفاضل لقوله عليه السلام:"إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد"ولا ربا في رطب الفواكه التي لا تبقى كالتفّاح والبطّيخ والرُّمان والكُمِّثْرى والقِثّاء والخيار والباذَنْجان وغير ذلك من الخضروات . قال مالك: لا يجوز بيع البيض بالبيض متفاضلًا؛ لأنه مما يدّخر ، ويجوز عنده مِثْلًا بمثْل . وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: جائزٌ بيضة ببيضتين وأكثر؛ لأنه مما لا يدّخر ، وهو قول الأُوزاعيّ .
العاشرة اختلف النّحاة في لفظ «الرِّبا» فقال البصريون: هو من ذوات الواو؛ لأنك تقول في تثنيته: رِبَوان؛ قاله سيبويه . وقال الكوفيون: يكتب بالياء ، وتثنيته بالياء؛ لأجل الكسرة التي في أوّله . قال الزجاج: ما رأيت خطأ أقبح من هذا ولا أشنع! لا يكفيهم الخطأ في الخط حتى يُخطئوا في التثنية وهم يقرءون { وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ الناس } [ الروم: 39 ] قال محمد بن يزيد: كُتب «الربا» في المصحف بالواو فرقًا بينه وبين الزنا ، وكان الربا أولى منه بالواو؛ لأنه من ربا يربو .
الحادية عشرة قوله تعالى: { لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس } الجملة خبر الابتداء وهو «الَّذِينَ» . والمعنى من قبورهم؛ قاله ابن عباس ومجاهد وابن جُبير وقَتادة والربيع والضّحاك والسُّدِّي وابن زيد . وقال بعضهم: يجعل معه شيطان يخنقه . وقالوا كلهم: يُبعث كالمجنون عقوبةً له وتمقِيتًا عند جميع أهل المَحْشَر . ويُقوِّي هذا التأويل المُجْمَع عليه أن في قراءة ابن مسعود «لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم» . قال ابن عطية: وأما ألفاظ الآية فكانت تحتمل تشبيه حال القائم بِحرْص وجَشَع إلى تجارة الدنيا بقيام المجنون ، لأن الطمع والرغبة تستفِزّه حتى تضطرب أعضاؤه؛ وهذا كما تقول لمسرع في مشيه يخلط في هيئة حركاته إما مِن فزع أو غيره: قد جُنّ هذا! وقد شبّه الأَعْشَى ناقته في نشاطها بالجنون في قوله:
وتُصبِح عن غِبّ السُّرَى وكأنّما ... أَلَمَّ بها من طائِف الجِنّ أوْلَقُ
وقال آخر:
لَعَمْرُك بي من حُبِّ أسماءَ أَوْلَقُ ... لكن ما جاءت به قراءة ابن مسعود وتظاهرت به أقوال المفسرين يضعّف هذا التأويل .