الرابعة والعشرون قوله تعالى: { فَلَهُ مَا سَلَفَ } أي من أمر الربا لا تِباعةً عليه منه في الدنيا ولا في الآخرة؛ قاله السُّدّي وغيره . وهذا حكم من الله تعالى لمن أسلم من كفار قريش وثَقِيف ومن كان يتّجر هنالك . وسلف: معناه تقدّم في الزمن وانقضى .
الخامسة والعشرون قوله تعالى: { وَأَمْرُهُ إِلَى الله } فيه أربع تأويلات: أحدها أن الضمير عائد إلى الربا ، بمعنى وأمر الربا إلى الله في إمرار تحريمه أو غير ذلك . والآخر أن يكون الضمير عائدًا على «ما سلف» أي أمره إلى الله تعالى في العفو عنه وإسقاط التَّبِعة فيه . والثالث أن يكون الضمير عائدًا على ذي الربا ، بمعنى أمره إلى الله في أن يثبته على الانتهاء أو يعيده إلى المعصية في الربا . واختار هذا القول النحاس ، قال: وهذا قول حسن بيِّن ، أي وأمرُه إلى الله في المستقبل إن شاء ثبّته على التحريم وإن شاء أباحه . والرابع أن يعود الضمير على المنتهى؛ ولكن بمعنى التأنيس له وبسط أمله في الخير؛ كما تقول: وأمره إلى طاعة وخير ، وكما تقول: وأمره في نموّ وإقبال إلى الله تعالى وإلى طاعته .
السادسة والعشرون قوله تعالى: { وَمَنْ عَادَ } يعني إلى فعل الربا حتى يموت؛ قاله سفيان . وقال غيره: مَنْ عاد فقال إنما البيع مثل الربا فقد كفر . قال ابن عطية: إن قدّرنا الآية في كافر فالخلود خلود تأبيد حقيقي ، وإن لحظناها في مسلم عاص فهذا خلود مستعار على معنى المبالغة ، كما تقول العرب: مُلْكٌ خالد ، عبارةً عن دوام ما لا يبقى على التأبيد الحقيقي:
السابعة والعشرون قوله تعالى: { يَمْحَقُ الله الربا } يعني في الدنيا أي يذهب بركته وإن كان كثيرًا . روى ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إن الرِّبَا وإن كَثُر فعاقبتُه إلى قُلّ"وقيل: { يَمْحَقُ الله الربا } يعني في الآخرة .
وعن ابن عباس في قوله تعالى: { يَمْحَقُ الله الربا } قال: لا يقبل منه صدقةً ولا حجًّا ولا جهادًا ولا صلةً . والمَحْقُ: النقص والذهاب؛ ومنه مُحَاق القمر وهو انتقاصه . { وَيُرْبِي الصدقات } أي يُنَمِّيها في الدنيا بالبركة ويُكثر ثوابَها بالتضعيف في الآخرة . وفي صحيح مسلم:"إن صدقة أحدِكم لتقع في يد الله فَيَربِّيها له كما يُرَبِّي أحدُكم فَلُوَّه أو فصيلَه حتى يجيء يوم القيامة وإن اللّقمة لعلى قدر أحُد"وقرأ ابن الزبير «يُمَحِّق» بضم الياء وكسر الحاء مشدّدة «يُرَبِّي» بفتح الراء وتشديد الباء ، ورُويت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم كذلك .
الثامنة والعشرون قوله تعالى: { والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } ووصف كَفّار بأثيم مبالغة ، مِن حيث اختلف اللفظان . وقيل: لإزالة الاشتراك في كَفّار؛ إذْ قد يقع على الزارع الذي يستر الحب في الأرض: قاله ابن فَوْرَك .
وقد تقدّم القول في قوله تعالى: { إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة } . وخص الصلاة والزكاة بالذكر وقد تضمّنها عمل الصالحات تشريفًا لهما وتنبيهًا على قدرهما إذْ هما رأس الأعمال؛ الصلاة في أعمال البدن ، والزكاة في أعمال المال .
التاسعة والعشرون قوله تعالى: { ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ } ظاهره أنه أبطل من الربا ما لم يكن مقبوضًا وإن كان معقودًا قبل نزول آية التحريم ، ولا يتعقب بالفسخ ما كان مقبوضًا . وقد قيل: إن الآية نزلت بسبب ثقِيف ، وكانوا عاهدوا النبيّ صلى الله عليه وسلم على أن مالهم من الربا على الناس فهو لهم ، وما للناس عليهم فهو موضوع عنهم ، فلما أن جاءت آجال رباهم بعثوا إلى مكة للاقتضاء ، وكانت الديون لبني عبدة وهم بنو عمرو بن عمير من ثقيف ، وكانت على بني المغيرة المخزوميّين . فقال بنو المغيرة: لا نعطي شيئًا فإن الربا قد رُفِع . ورفعوا أمرهم إلى عَتَّاب بن أَسِيد ، فكتب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونزلت الآية فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتَّاب؛ فعلمت بها ثقيف فكفَّتْ . هذا سبب الآية على اختصار مجموع ما رَوى ابن إسحاق وابن جريج والسُّدِّي وغيرهم . والمعنى اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقايةً بترككم ما بقي لكم من الربا وصفحكم عنه .
المُوفِية ثلاثين قوله تعالى: { كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ } شرطٌ محض في ثَقِيف على بابه؛ لأنه كان في أوّل دخولهم في الإسلام . وإذا قدرنا الآية فيمن قد تقرّر إيمانه فهو شرط مجازيّ على جهة المبالغة؛ كما تقول لمن تريد إقامة نفسه: إن كنت رجلًا فافعل كذا . وحكى النَّقاش عن مُقَاتل بن سليمان أنه قال: إنّ «إنْ» في هذه الآية بمعنى «إذ» . قال ابن عطيّة: وهذا مردود لا يعرف في اللغة .
وقال ابن فَوْرَك: يحتمل أن يريد { ياأيها الذين آمَنُواْ } بمن قبل محمد عليه السلام من الأنبياء { ذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ } بمحمد صلى الله عليه وسلم ! إذْ لا ينفع الأوّل إلا بهذا . وهذا مردود بما روي في سبب الآية .
الحادية والثلاثون قوله تعالى: { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ } هذا وعيد إن لم يَذَروا الربا ، والحرب داعية القتل . وروى ابن عباس أنه يقال يوم القيامة لآكل الربا: خُذْ سلاحك للحرب . وقال ابن عبّاس أيضًا: مَنْ كان مقيمًا على الربا لا ينزع عنه فحقّ على إمام المسلمين أن يستثيبه ، فإن نزع وإلا ضرب عنقه . وقال قتادة: أوعد الله أهل الربا بالقتل فجعلهم بَهْرَجًا أينما ثُقِفُوا . وقيل: المعنى إن لم تنتهوا فأنتم حربٌ لله ولرسوله ، أي أعداء . وقال ابن خُوَيْزِمَنْدَاد: ولو أن أهل بلد اصطلحوا على الربا استحلالًا كانوا مرتَدِّين ، والحكم فيه كالحكم في أهل الردّة ، وإن لم يكن ذلك منهم استحلالًا جاز للإمام محاربتُهم؛ ألا ترى أن الله تعالى قد أذن في ذلك فقال: { فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ } [ البقرة: 279 ] . وقرأ أبو بكر عن عاصم «فآذِنُوا» ، على معنى فأعلموا غيرَكم أنكم على حربهم .
الثانية والثلاثون ذكر ابن بكير قال: جاء رجل إلى مالك بن أنَس فقال: يا أبا عبد الله ، إني رأيت رجلًا سكرانًا يتعاقر يريد أن يأخذ القمر؛ فقلت: امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشرُّ من الخمر . فقال: ارجعْ حتى أنظر في مسألتك . فأتاه من الغد فقال له: ارجع حتى أنظر في مسألتك فأتاه من الغد فقال له: امرأتك طالق؛ إني تصفحت كتاب الله وسنّة نبيه فلم أر شيئًا أشرّ من الربا؛ لأن الله أذِن فيه بالحرب .