وقال الإمام الشافعي في كتابه"الأم"تفريعا على قول الله (وأحل الله البيع) :فأصل البيوع كلها مباح إذا كانت برضا المتبايعين الجائزي الأمر (أي التصرف ) فيما تبايعا إلا ما نهى عنه رسول الله e منها. وما كان في معنى ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم محرم بإذنه يداخل في المعنى المنهي عنه. وما فارق ذلك أبحناه بما وصفنا من إباحة البيع في كتاب الله تعالى"."
هذا أظهر الأقوال وأصحها في معنى الآية كما ذكر النووي فلفظ البيع في الآية لفظ عموم يتناول كل بيع ويقتضي إباحة جميعها إلا ما خصه الدليل واستدل لذلك صاحب الحاوي (الماوردي) بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيوع كانوا يعتادونها ولم يبين الجائز فدل على أن الآية الكريمة تناولت إباحة جميع البيوع إلا ما خص منها وبين صلى الله عليه وسلم المخصوص.
وعند الحنابلة نجد شيخ الاسلام ابن تيمية يؤكد:"أن عامة ما نهى عنه الكتاب والسنة من المعاملات يعود إلى تحقيق العدل والنهي عن الظلم دقه وجله مثل أكل المال بالباطل وجنسه من الربا والميسر. ."
ثم يقول: والأصل في هذا أنه لا يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دل الكتاب والسنة على تحريمه كما لا يشرع لهم من العبادات التي يتقربون بها الى الله ما دل الكتاب والسنة على شرعه، إذ الدين ما شرعه الله والحرام ما حرمه الله بخلاف الذين ذمهم الله حيث حرموا من دين الله ما لم يحرمه الله وأشركوا به ما لم ينزل به سلطانا وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله" (1) ."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بيع المرابحة د. القرضاوي ص 15-18.
الثالث: النصوص الواردة عن بعض الفقهاء في إجازة هذا العقد وأهم هذه النصوص ما يلي:
جاء في كتاب الحيل لمحمد بن الحسن الشيباني قال:"قلت: أرأيت رجلًا أمر رجلًا أن يشتري داراَ بألف درهم وأخبره أنه إن فعل اشتراها الآمر بألف درهم ومائة درهم فأراد المأمور شراء الدار ثم خاف إن اشتراها أن يبدو للآمر فلا يأخذها فتبقى في يد المأمور كيف الحيلة في ذلك؟ قال: يشتري المأمور الدار على أنه بالخيار فيها ثلاثة أيام ويقبضها ويجيء الآمر ويبدأ فيقول: قد أخذت منك هذه الدار بألف ومائة درهم فيقول المأمور: هي لك بذلك فيكون ذلك للآمر لازما ويكون استيجابا من المأمور للمشتري: أي ولا يقل المأمور مبتدئًا بعتك إياها بألف ومائة لأن خياره يسقط بذلك فيفقد حقه في إعادة البيت الى بائعه وان لم يرغب الآمر في شرائها تمكن المأمور من ردها بشرط الخيار فيدفع عنه الضرر بذلك" (1) .
و قال العلامة ابن القيم:"رجل قال لغيره: اشتر هذه الدار - أو هذه السلعة من فلان - بكذا وكذا وأنا أربحك فيها كذا وكذا فخاف إن اشتراها أن يبدو للآمر فلا يريدها ولا يتمكن من الرد فالحيلة أن يشتريها على أنه بالخيار ثلاثة أيام أو أكثر ثم يقول للآمر: قد اشتريتها بما ذكرت فإن أخذها منه وإلا تمكن من ردها على البائع بالخيار فإن لم يشترها الآمر إلا بالخيار فالحيلة أن"
يشترط له خيارًا أنقص من مدة الخيار التي اشترطها هو على البائع ليتسع له زمن الرد إن ردت عليه" (2) ."
الرابع: المعاملات مبنية على مراعاة العلل والمصالح:
إن الشرع لم يمنع من البيوع والمعاملات إلا ما اشتمل على ظلم وهو أساس تحريم الربا والاحتكار والغش ونحوها . أو خشي منه أن يؤدي الى نزاع وعداوة بين الناس وهو أساس تحريم الميسر والغرر.فالمنع في هذه الأمور ليس تعبديًا بل هو معلل ومفهوم وإذا فهمت العلة فإن الحكم يدور معها وجودًا وعدمًا. وهذا هو الأصل في باب المعاملات بخلاف باب العبادات فالأصل فيه التعبد وامتثال المكلف لما هو مطلوب منه دون بحث عن العلة أو المصلحة. وبناء على أن الأصل في المعاملات النظر الى المصلحة رأينا بعض فقهاء التابعين قد أجازوا التسعير مع ما ورد فيه من الحديث إلتفاتا إلى العلة والمقصد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المرابحة للآمر بالشراء د. بكر أبو زيد. مجلة مجمع الفقه الاسلامي عدد 5 ج2 ص978-979.
(2) إعلام الموقعين 4/29.
ومثل ذلك إجازتهم عقد الاستصناع مع أنه بيع معدوم نظرًا لحاجة الناس إليه وجريان العمل به وقلة النزاع فيه. (1)
الخامس: إن القول بجواز هذه المعاملة فيه تيسير على الناس ومن المعلوم أن الشريعة الاسلامية قد جاءت برفع الحرج عن الناس والتيسير عليهم وقد تضافرت النصوص الشرعية على ذلك فمنها قوله تعالى: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} (2) .
وقوله تعالى: { يريد الله أن يخفف عنكم} (3)
وقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} (4) .
وقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى الأشعري حين بعثهما إلى اليمن:"يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا"رواه البخاري وغيره.
وقوله عليه الصلاة والسلام: إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين"رواه البخاري وغيره."
وإن جمهور اناس في عصرنا أحوج ما يكونون الى التيسير والرفق رعاية لظروفهم وما غلب على أكثرهم من رقة الدين وضعف اليقين وما ابتلوا به من كثرة المغريات بالإثم والمعوقات عن الخير. ولهذا كان على أهل الفقه والدعوة أن ييسروا عليهم في مسائل الفروع على حين لا يتساهلون في قضايا الأصول.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بيع المرابحة د. القرضاوي ص 18.
(2) سورة النساء آية 28.
(3) سورة البقرة آية 185.
(4) سورة الحج آية 78.
الفصل الثاني: القائلون بتحريم بيع المرابحة للآمر بالشراء وبأنه عقد باطل إذا كان الوعد ملزمًا للمتعاقدين ( القول الثاني )
المطلب الأول: أسماء القائلون بالتحريم
وقال بهذا القول كلًا من:
1-د. محمد سليمان الأشقر في كتابه (بيع المرابحة كما تجريه المصارف الاسلامية) (1) .
2-د. بكر بن عبد الله أبو زيد في بحثه بعنوان (المرابحة للآمر بالشراء بيع المواعدة) (2) .
3-د. رفيق المصري في بحثه (بيع المرابحة للآمر بالشراء في المصارف الاسلامية ) (3) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-نشرت الطبعة الثانية منه دار النفائس - عمان الأردن سنة 1415-1995.
2-نشرته مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد 5 ج2 ص965.
3-نشرته مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد 5 ج2 ص 1127.
المطلب الثاني: أدلة القائلون بالتحريم:
احتج هذا الفريق من أهل العلم بأدلة على بطلان هذا البيع وحرمته من ذلك:
الأول: أنه منهي عنه شرعًا لأنه يعتبر من باب بيع ما لا يملك أو بيع ما ليس عندك:
قال د. محمد الأشقر: (فإذا جرى الاتفاق على هذا - بيع المرابحة للآمر بالشراء- فهو عقد باطل وحرام لأسباب: إن البنك باع للعميل ما لم يملك"وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض"وقد اشار الى هذه العلة في بطلان هذا النوع من البيع الإمام الشافعي في كتابه الأم.. واشار له ابن عبد البر من المالكية... وصاحب المغني من الحنابلة...) (1) .
الثاني: إن هذا العقد باطل لأنه من باب البيع المعلق (أنه باع بيعًا مطلقًا أي لأنه قال للبنك إن اشترتموها اشتريتها منكم وقد صرح بالتعليل للبطلان بهذه العلة الإمام الشافعي.. وابن رشد من المالكية.. حيث قال:"لأنه كان على مواطأة بيعها قبل وجوبها للمأمور) (2) ."