فهرس الكتاب

الصفحة 662 من 1226

اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة اختلافًا كبيرًا فمنهم من يرى جواز هذا العقد ومنهم من يرى أن هذا العقد باطل ويحرم التعامل به ولكل من الفريقين وجهته وسنستعرض أدلة الفريقين باختصار ونصل إلى القول الراجح إن شاء الله بعد دراسة أدلة الفريقين والردود عليها:

الفصل الأول:القائلون بجواز بيع المرابحة للآمر بالشراء مع كون الوعد ملزمًا للمتعاقدين ( القول الأول ) :

المطلب الأول: أسماء القائلون بالجواز

قال بهذا الرأي جماعة من فقهاء العصر منهم:

1-د. سامي حمود في كتابه تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الاسلامية (1) .

2-د. يوسف القرضاوي في كتابه بيع المرابحة للأمر بالشراء كما تجريه المصارف الاسلامية (2) .

3-د. علي أحمد السالوس في بحثه بعنوان المرابحة للآمر بالشراء نظرات في التطبيق العملي (3) .

4-د. الصديق محمد الأمين الضرير في بحثه بعنوان المرابحة للآمر بالشراء (4) .

5-د. ابراهيم فاضل الدبو في بحثه بعنوان المرابحة للآمر بالشراء دراسة مقارنة (5) .

6-الشيخ محمد علي التسخيري في بحثه بعنوان نظرة الى عقد المرابحة للآمر بالشراء (6) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-ص 430.

2-نشرته مكتبة وهبة في طبعته الثانية سنة 1407هـ - 1987م.

3-مجلة مجمع الفقه الاسلامي عدد 5 ج2 ص 1059.

4-مجلة مجمع الفقه الاسلامي عدد 5 ج2 ص 991.

5-مجلة مجمع الفقه الاسلامي عدد 5 ج2 ص 1003.

6-مجلة مجمع الفقه الاسلامي عدد 5 ج2 ص 1181.

المطلب الثاني أدلة القائلون بالجواز

احتج هذا الفريق من أهل العلم بأدلة منها:

الأول: الأصل في المعاملات الإباحة:"إن الأصل في المعاملات والعقود الإذن والإباحة إلا ما جاء نص صحيح الثبوت صريح الدلالة يمنعه ويحرمه فيوقف عنده ولا أقول هنا ما قاله البعض من ضرورة نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة ففي الأحكام الفرعية العملية يكفينا النص الصحيح الصريح."

وهذا بخلاف العبادات التي تقرر: أن الأصل فيها المنع حتى يجيء نص من الشارع لئلا يشرع الناس في الدين ما لم يأذن به الله. فإذا كان الأساس الأول للدين ألا يعبد إلا الله فإن الأساس الثاني ألا يعبد الله إلا بما شرع. وهذه التفرقة أساسية ومهمة فلا يجوز أن يقال لعالم: أين الدليل على إباحة هذا العقد أو هذه المعاملة؟ إذ الدليل ليس على المبيح لأنه جاء على الأصل وإنما الدليل على المحرم والدليل المحرم يجب أن يكون نصًا لا شبهة فيه كما هو اتجاه السلف الذين نقل عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية أنهم ما كانوا يطلقون الحرام إلا على ما علم تحريمه جزمًا" (1) ."

"ومما ينبغي تأكيده هنا: أن الاتجاه التشريعي في القرآن والسنة هو الميل إلى تقليل المحرمات وتضييق دائرتها تخفيفًا على المكلفين ولهذا كرهت كثرة الأسئلة في زمن الوحي لما قد يؤدي إليه من كثرة التكليفات وهو ما يشير إليه قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم) (2) "

وقوله عليه الصلاة والسلام: (ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة أسئلتهم واختلافهم على أنبيائهم) كما في حديث أبي هريرة رضى الله عنه (3) وقوله: (إن أعظم المسلمين على المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم من أجل مسألته) . كما في حديث سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه (4) فلا ينبغي أن نخالف هذا الاتجاه القرآني والنبوي بتكثير المحرمات وتوسيع دائرة الممنوعات) (5) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بيع المرابحة د. القرضاوي ص 13

(2) سورة المائدة آية 101

(3) مسلم 2/975 البخاري 6/2658

(4) مسلم 4/ 1831

(5) بيع المرابحة د. القرضاوي ص 14-15.

الثاني: عموم النصوص من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الدالة على حل جميع أنواع البيع إلا ما استثناه الدليل الخاص.

قال د. يوسف القرضاوي: (إن البيع خاصة جاء في حله نص صريح من كتاب الله تعالى يرد به على اليهود الذين زعموا أن الربا كالبيع أو البيع كالربا لا فرق بينهما.(ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا) . فهذه الجملة القرآنية (وأحل الله البيع) تفيد حل كل أنواع البيع سواء كان عينًا بعين (المقايضة) أم ثمنًا بثمن (الصرف) أو ثمنا بعين (السلم) أو عينا بثمن (هو البيع المطلق) . وسواء كان حالًا أم مؤجلًا نافذًا أو موقوفًا. وسواء كان بيعا بطريق المساومة أم بطريق الأمانة وهو يشمل: المرابحة (وهو البيع بزيادة على الثمن الأول) والتولية (وهو البيع بالثمن الأول) والوضيعة (وهو البيع بأنقص من الثمن الأول) ، أو بطريق المزايدة.

فهذه كلها وغيرها حلال لأنها من البيع الذي أحله الله تعالى: ولا يحرم من البيوع إلا ما حرمه الله ورسوله بنص محكم لا شبهة فيه.

وأنقل هنا كلمة قوية لأبن حزم في (المحلي ) قال في المسألة 1501: (والتواعد في بيع الذهب بالذهب أو بالفضة: وفي بيع الفضة بالفضة وفي سائر الأصناف الأربعة بعضها ببعض جائز تبايعا بعد ذلك أو لم يتبايعا لأن التواعد ليس بيعًا وكذلك المساومة أيضا جائزة تبايعا أو لم يتبايعا لأنه لم يأت نهي عن شيء من ذلك وكل ما حرم علينا فقد فصل باسمه قال تعالى:(وقد فصل لكم ما حرم عليكم) (الأنعام 119) فكل ما لم يفصل لنا تحريمه فهو حلال بنص القرآن اذ ليس في الدين إلا فرض أو حرام او حلال فالفرض مأمور به في القرآن والسنة والحرام مفصل باسمه في القرآن والسنة وما عدا هذين فليس فرضا ولا حرامًا فهو بالضرورة حلال إذ ليس هنالك قسم رابع.

وهذا الذي قاله ابن حزم - في حل ما لم يفصل لنا تحريمه من البيوع - مقرر في جميع المذاهب.

فعند المالكية نجد العلامة ابن رشد الجد في كتابه"المقدمات"يقول:"البيوع الجائزة هي التي لم يحظرها الشرع ولا ورد فيها نهي لأن الله تعالى أباح البيع لعباده وأذن لهم فيه في غير ما آية من كتابه. من ذلك قوله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا) ... ولفظ البيع عام لأن الإسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام صار من ألفاظ العموم.. واللفظ العام إذا ورد يحمل على عمومه إلا أن يأتي ما يخصه فإن خص منه شيء بقي ما بعد المخصوص على عمومه أيضًا. فيندرج تحت قوله تعالى: (وأحل الله البيع ) كل بيع إلا ما خص منه بالدليل... فبقي ما عداها على أصل الإباحة".

وعند الحنفية - نجد صاحب الهداية يقول في باب المرابحة والتولية: نقل ما ملكه بالعقد الأول بالثمن الأول من غير زيادة ربح. قال: والبيعان جائزان لاستجماع شرائط الجواز والحاجة ماسة الى هذا النوع من البيع لأن الغبي الذي لا يهتدي في التجارة يحتاج الى أن يعتمد فعل الذكي المهتدي وتطيب نفسه بمثل ما اشترى وبزيادة ربح فوجب القول بجوازهما ولهذا كان مبناهما على الأمانة.. إلخ.

وهنا يعلق محقق الحنفية الكمال بن الهمام على استدلال صاحب الهداية فيقول: ولا يخفى أنه لا يحتاج الى دليل خاص لجوازها بعد الدليل المثبت لجواز البيع مطلقًا بما تراضيا عليه بعد أن لا يخل بما علم شرطًا للصحة بل دليل شرعية البيع مطلقًا بشروطه المعلومة هو دليل جوازها..."."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت